عادت غيوم الحرب الباردة و(الرعب النووي المتبادل) تتجمع في محيط العلاقات الدولية بفعل تفجير الولايات المتحدة لصاروخ أرادت به اسقاط هدف وهمي فوق المحيط الاطلسي قبل ايام في اطار سعيها الدؤوب لتطوير مشروع برنامج النظام الدفاعي الصاروخي الامريكي المضاد للصواريخ الباليستية التي تمتلكها بعض دول تصفها واشنطن بـ(غير المنضبطة) او (المشاغبة) مثل كوريا الشمالية التي اطلقت العام الماضي صاروخا تجريبيا سقط في صواريخ الى اسرائيل في حرب الخليج الثانية. احياء حرب النجوم وقبل تناول اهم اشكاليات نظام الدفاع الامريكي ومدى تأثيره في اشعال سباق تسلح محموم في العالم واستعراض ردود الفعل الروسية والصينية والاوروبية المعارضة والمحذرة من مخاطر اتمام تنفيذ المشروع الامريكي.., يكون من المناسب في بداية هذه المتناولة الاحاطة المختصرة بالملامح الرئيسية للبرنامج الامريكي كما يقدمه لنا خبراء الاستراتيجية العسكرية, فهو ـ اي النظام الدفاعي ـ جاء لمجرد احياء فكرة قديمة برزت في ثمانينيات القرن العشرين وتحديدا خلال ادارة الرئيس الامريكي الاسبق ريجان.. وعرف حينها بـ (حرب النجوم) او (حرب الكواكب) وكان ذلك المشروع المؤجل يستهدف الصواريخ الاستراتيجية الروسية والصينية في ذروة الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه المدوي) . ويعتمد النظام الصاروخي الدفاعي الجديد كما يقول الخبراء على منظومة استطلاع انذار مبكر.. واتصالات فضائية تعتمد على اقمار تجسس وانذار تكشف مكان ولحظة اطلاق الصاروخ المعادي وتبلغها فوريا الى اقمار الاتصالات لتنقلها بدورها الى المركز الرئيسي للقيادة والسيطرة والتحكم في (باكلي) بولاية كولورادو بالولايات المتحدة وكذا فروعه في (اسرائيل) وتايوان وكوريا الجنوبية.. بحيث تكون هذه المراكز قادرة على تنفيذ الرد الايجابي بالوسائل المختلفة فبما لا يزيد على 1.6 دقيقة من لحظة اطلاق الصاروخ المعادي بحسب قول الخبراء العسكريين. الهاجس الامريكي وبرغم فشل التجربة الامريكية للمرة الثالثة فالتفاعلات الارتدادية تتوالى على غيرصعيد.. ففي الولايات المتحدة ترتفع حدة النقاش وحرارة الجدل حول مبررات هذا النظام وحدود تغطياته.. والمردود النهائي على سياسة الحد من الاسلحة وتكاليفه وفي غمرة الصخب الامريكي يلاحظ ان المشروع العسكري يستخدم كورقة سياسية رائجة في حرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.. فكل فريق حشد خلفه ترسانة من المبررات والاتهامات ووضعها امام الرأي العام الامريكي.. ففي حين يحاول الرئيس الديمقراطي كلينتون التأكيد على اهتمام ادارته بالقدرة الدفاعية الامريكية وتوظيف الاموال لتطويرها لحماية الامن القومي ليغمز المرشح الجمهوري جورج بوش (الابن) من قناة الاهمال الديمقراطي لسياسة الدفاع القومي يرد المرشح الديمقراطي من جهته على خصمه الجمهوري بوضع تطوير وتخفيض البرنامج الصاروخي الدفاعي في صدارة برنامجه الانتخابي وحول الحملة الانتخابية للمرشحين (آل جور) و(برش) بتقسيم الرأي العام الامريكي الى تيارين متنازعين.. احدهما يقف خلفه اعضاء الكونجرس ومؤسسات اخرى ينادي بالمضي قدما بتنفيذ البرامج الدفاعية لتقوية الدور الدفاعي للولايات المتحدة في العالم ولحماية المصالح الامريكية مما يوصف بالارهاب. ويذكر اصحاب هذا المعسكر الفريق الآخر بقانون تم تمريره في الكونجرس العام الماضي اتخذ بناء على دراسات عن طبيعة التهديد الموجهة للأمن القومي الامريكي خاصة بعد انتشار تكنولوجيا الصواريخ بشكل كبير في التسعينيات!! وعلى عكس هذا الرأي يقف الجناح المعارض للبرنامج الدفاعي مطالبا بوقف الانفاق على التسليح وتنفيذ المشروع الجديد ويستند هؤلاء في انتقاداتهم على جملة من العوامل اولها التجارب الفاشلة المتكررة لاطلاق الصواريخ والتي تتطلب الاموال الطائلة فضلا عن التكاليف الباهظة لهذا البرنامج والبالغة اكثر من 200 مليار دولار مما يعني اعباء اضافية ليس بمقدور المواطن العادي دافع الضرائب تحملها.. كما ان هذا الفريق ذهب الى التشكيك في قدرة البرنامج توفير حماية مناسبة.. لأن هذاالنظام لا يمكنه القيام بعملية دفاعية تتم عند تقابل جسمين في الفضاء بسرعة الامر الذي يحتاج الى عشرات الميارات لتطوير التكنولوجيا ان كتب لجزء منه النجاح بعد وقت ليس قصيرا بالطبع!! والاهم من ذلك ان هذا النظام الدفاعي الصاروخي سيلحق الضرر الاكبر بالمصالح السياسية لامريكا في المجال الامني وسيعرض المصالح الحيوية في العالم للخطر, ومن جهة اخرى سيقودها للدخول في حرب باردة في العالم بحكم شعور دول مثل روسيا والصين ان النظام الامريكي يستهدفها مما يعني ان البرنامج سيؤثر على المفاوضات الجارية مع الصين حول الحد من التسلح وبالمقابل سيشتعل سباق التسلح المحموم من جديد في اسيا.. وبدا ذلك جليا في ردود الافعال الغاضبة من موسكو وبكين وعواصم دول حلف شمال الاطلسي. انتقاد اوروبي فالموقف الاطلسي لم يتأخر كثيرا هذه المرة وانما جاء بسرعة ودفعة واحدة على لسان اكثر من رئيس دولة ووزير خارجية في دول الاطلسي وفي هذا الصدد طالب وزراء خارجية مجموعة الدول الثماني الصناعية في اجتماعهم المنعقد في ميازاكي اليابانية كتطبيق مبكر لمعاهدة (ستارت 2) لخفض الرؤوس النووية الروسية الامريكية الى 3100 لكل من الجانبين والانتهاء سريعا من اتفاق (ستارت 3) . وعلق وزير خارجية كندا لويد اكسورتي بقوله: (اننا لا نريد اي شيء يمكن ان يزيد من انتشار القدرات النووية الصاروخية) . وعلى المنوال نفسه اكد المستشار الالماني شرويدر عن معارضة المانيا واوروبا للنظام الامريكي لانه يمس مصالح البلدان الاخرى ويعرض الاستقرار العالمي للخطر ويطلق العنان لسباق محموم على التسلح. ولعل التحفظ الاوروبي المتسم بعبارات انتقادية واعتراضية صريحة وواضحة للموقف الامريكي يعكس في ثناياه استياء حلفاء واشنطن وضيق صدرهم من تصرفات الادارة الامريكية وتفردها بقرارات تمس قضايا حساسة تتعلق بالامن القومي الاوروبي والامريكي.. ولا تخفي دول الاتحاد الاوروبي انزعاجها من الهيمنة الامريكية على حلف (الناتو) واستئثارها بـ 90% من القوات الجوية.. ويشعر الاوروبيون بخطورة النظام الامريكي للدفاع الصاروخي الذي سيحدث في حالة تحقيقه شرخا في النظام الاوروبي حيث سيكون للولايات المتحدة نظامها الخاص لحماية مصالحها بعيدا عن منطقة حلف شمال الاطلسي.. ولذا عادت فكرة انشاء قوة اوروبية موحدة الى دائرة الاهتمام الاوروبي كما اشار جاك شيراك الى ان الوقت حان لبناء دولة اوروبية موحدة تكون قادرة على الدفاع عن مصالحها الحيوية وتحقق لشعوب القارة البيضاء كل التطلعات والاحلام الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.. معارضة روسية وما يلفت نظر اي مراقب متابع ان الموقف الاوروبي الناقد للمشروع الامريكي لم يكن بعيدا عن جوهر الاعتراض الروسي والصيني لبرنامج الدفاع الصاروخي, وانماء جاء في ذات السياق ليؤكد ان هناك مخاوف اوروبية واسيوية.. فروسيا تشعر انها المستهدف رقم (1) من المشروع الامريكي واعتبرته صراحة تهديدا لامنها القومي.. اذ انه يخل بأساس التوازن القائم في الوقت الحالي على امكان توجيه الضربة الثانية.. وزاد من شعور موسكو بالخطر المحدق بأمنها انها ترى النفوذ والهيمنة الامريكية يقترب اكثر من حدودها الجنوبية في القوقاز وجمهوريات اسيا الوسطى عبر المشاريع النفطية اولا يتبعها نظام دفاعي او بالاحرى (هجومي) يرمي الى محاصرة روسيا داخل حدودها.. والعجيب في الامر ان هذه الانتكاسة في (العلاقات النووية) اذا جاز التعبير بين واشنطن وموسكو فرضت نفسها على سطح الاحداث (كمشكلة عويصة) او (ازمة معقدة) بعد انفراج ملحوظ حدث بين البلدين اثناء قمة كلينتون بوتين في موسكو الشهر الماضي 2000 اذ اتفق الجانبان على التخلص من 68 طنا من البلوتونيوم المخزن لاغراض انتاج اسلحة ذرية لكن عودة الخلاف على النحو الذي يجري اليوم بشأن النظام الصاروخي يجعل الاحتمالات مفتوحة على هكذا احتمال! وفي هذا الجانب اتخذت القيادة الروسية جملة من الاجراءات الاحترازية منها اعلان عقيدة عسكرية جديدة تحفظت حولها واشنطن تمكن القوات الروسية توجيه الضربة النووية الاولى في حالة تعرض امنها للخطر. كما اكدت القيادة العسكرية على الاحتفاظ بالقدرة الصاروخية وتعتزم نشر 50 الف جندي على حدودها الجنوبية خلال الاشهر المقبلة للدفاع لتكون هذه القوة المدعمة بأحدث الاسلحة جاهزة على مدار الساعة لحصر ما تصفه موسكو بأي عدوان خارجي!! من هنا يبدو ان القادة الجدد في موسكو ادركوا بعد مرور عقد على انتهاء الحرب الباردة حجم المخاطر المحدقة بدولتهم.. اذ تكشف لهم اليوم ابعاد الخديعة الاستراتيجية الكبرى التي طوحت بامبراطوريتهم في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي حين استيقظ جنرالات الحرب الباردة على ايقاع اصوات الطيران الامريكي من طراز (الشبح) و(باتش) الهجومية فوق البلقان في مثل هذه الايام من العام المنصرم. ولتحويل العقيدة العسكرية لحلف شمال الاطلسي من موقع (الدفاع) الى خط الهجوم خارج حدود الحلف ولأي اسباب تراها واشنطن بحاجة الى مبادرة عسكرية اطلسية ولم تقف واشنطن عند هذا الحد وظلت تطالب بتعديل معاهدة (اي بي ام) لحظر انتشار الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات الموقعة عام 1972 تمهيدا لبناء ونشر الصواريخ الدفاعية لحماية الامن القومي الامريكي!! موسكو ترى هذا النظام خطوة لايمكن ان تتم لانها تهدد وحدتها ومستقبلها فهي ترمي الى مد النفوذ الامريكي خارج حدود الولايات المتحدة لاحتلال مواقع متقدمة في (رقعة الشطرنج الاسيوية الاوروبية, خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها روسيا المضطربة فهي تعاني من ازمة اقتصادية خانقة ومن حرب عبثية مدمرة في الشيشان تكلفها عشرات الملايين من الدولارات يوميا بحيث يجعلها غير قادرة على المدى المنظور خوض سباق تسلح ما يضاعف من مخاوف موسكو ان يؤدي النظام الدفاعي الجديد الى تفوق الولايات المتحدة . ويعكس القلق الروسي المتنامي التحرك الذي يقوم به بوتين على المستويين الداخلي والخارجي.. فبعد ان استطاع خلال الايام الماضية خلق حشد دولي واسع لمواجهة المشروع الامريكي لاي تعديلات في معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية.. التقى في غضون شهر واحد بالرئيس الصيني زيمين مرتين فبعد اجتماعهما على هامش قمة مجموعة شنجهاي اجرى بوتين مباحثات مطولة في بكين خلال الايام الماضية ووقع مع زيمين اتفاقا مشتركا لتعزيز التعاون العسكري والسياسي بين البلدين لمواجهة المخطط الاستراتيجي الامريكي لتطوير مشروع نظام الدفاع الصاروخي. وفي ذات الاتجاه يستعد بوتين لخوض جولة جديدة من المباحثات مع الرئيس كلينتون وقادة الدولة الاخرى المشاركة في القمة الصناعية التي بدأت في جزيرة كيتانو اليابانية ليمارس قدرا اكبر من الضغوط من خلال قادة الدول الصناعية لحمل كلينتون على تأجيل موافقته على النظام الدفاعي الامريكي وترحيله الى العام المقبل انتظارا لما ستسفر عنه نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. تحالف ضد واشنطن ويرجع المراقبون الاصرار الامريكي للسير في تنفيذ البرنامج الدفاعي برغم المعارضة الداخلية والخارجية وتكلفته الباهظة الى ان جنرالات واشنطن يعتقدون ان روسيا لا تزال تشكل خطرا على المصالح الامريكية لامتلاكها عشرات الرؤوس النووية بالاضافة الى ان القيادات المتعاقبة في الكرملين تنتمي للحرس القديم كما ان مجيء شخصية عسكرية كانت تقف في قيادة المخابرات الروسية مثل بوتين ليقود روسيا لديها طموح لخلق دولة قوية مترامية الاطراف حيث بدأ بوتين ولايته الاولى في مارس الماضي باطلاق عقيدة عسكرية جديدة وزيادة القدرات الحربية وترافق ذلك مع تصاعد المزاج الامبراطوري في موسكو فضلا عن رغبة بوتين في اقامة تحالف عريض محوره الصين وروسيا وايران والهند فيما بعد. وبدا ذلك واضحا في قمة مجموعة شنجهاي وتبادل الزيارات بين المسئولين الروسة فبعد زيارة الرئيس الايراني محمد خاتمي الى بكين ومباحثاته المطولة مع القيادة الصينية والتي شملت مختلف القضايا بما في ذلك التعاون العسكري, قام بوتين الثلاثاء الماضي بزيارة مماثلة لبكين وهي الاكثر اهمية لأن الجانبين اكدا رفضهما المشترك لسيطرة قوة واحدة على النظام الدولي, في اشارة واضحة لواشنطن حيث ترافقت هذه البوادر مع ما تردده الحكومة الامريكية حول وجود تعاون روسي ايراني في قطاع التكنولوجيا النووية وهذا ما تخشاه امريكا وتضع له ألف حساب لان هذه الاشارات تعتبرها الولايات المتحدة مقدمات لميلاد تحالف جديد يجمع بين روسيا بثقلها الذري وايران بحضورها الاسلامي الكبير والصين وما تمثله بأكبر قوة بشرية في العالم.. ويزيد من هواجس واشنطن انها تدرك ان التقارب الصيني الامريكي المؤثر سببه توجهها العسكري والاقتصادي ومن نفوذها في العالم كونها القوة الوحيدة المؤهلة لذلك. وهذا الاحساس يقودنا الي الحقيقة المؤكدة وهي ان النظام الدفاعي الصاروخي له ابعاد سياسية اكثر منها عسكرية خاصة في عصر هيمنة العولمة وتحول العالم نحو الحروب التجارية فالولايات المتحدة تشعر اليوم انها القوة الاعظم وسيدة العالم.. والمالكة لكل اوراق اللعبة السياسية والاقتصادية والعسكرية في مسار الصراعات وبؤر التوتر والنقاط الساخنة في طول وعرض الكرة الارضية مثل تحكمها في حركة التجارة والاقتصاد. بمعنى آخر عندما تتحدث واشنطن عن حرصها على السلام والامن الدوليين ومحاربة الارهاب ومنع انتشار تكنولوجيا الصواريخ فهي تعني الدفاع عن مصالح امريكا الحيوية من كيب تاون الى واشنطن.. ومن اليابان حتى البلقان عبر فتح اسواق اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية لزيادة صادراتها وبما يحقق الرفاهية والازدهار للشعب الامريكي دون غيره. من هذه الزاوية تحرص واشنطن على تواجدها العسكري عبر قواعدها واساطيلها الجوية والبحرية في الشرق الاوسط وجنوب شرق آسيا.. وهذا ما تشير له بالبنان حدود التغطية للدروع الصاروخية الامريكية. حيث يتركز على منطقة الخليج (واسرائيل) وكوريا الجنوبية وتايوان!! واخيرا هل يعي العرب ما يجري حولهم؟. ويدركون حجم الاخطار الحالية والمقبلة في عصر هيمنة العولمة وهل استفاد العرب من دروس الحرب الباردة وسباق التسلح المسعور ام اننا كعرب سنظل في موقع المتفرج؟!. بقلم: عبدالحليم سيف