يدور نقاش كثيف وحاد حول قانون النظام العام في السودان بسبب بعض الممارسات الخاطئة والمتعسفة بالاضافة لاجواء الوصول الى اتفاق للحل السلمي الشامل مما يعني البدء في تحول ديمقراطي وهذا يجعل مثل هذه القوانين نشازا وتناقضا واضحا مع الديمقراطية وحقوق الانسان, ويلاحظ اصرار بعض الرسميين على استمرار هذا القانون رغم احتجاجات المعارضة والاتحاد العام للمحامين السودانيين, لذلك يمكن القول بأن المسألة ليست قانونية وتشريعية ولكنها سياسية وايديولوجية وثقافية باعتبار ان مثل هذه القوانين من المكونات الاساسية لاي نظام شمولي يرفض الحوار وقبول الاخر ويختزن قوانينه القمعية التي يمكن ان تقطع الطريق امام اي عملية تريد ان تصل بالديمقراطية الى حدها الاقصى الذي قد يهدد ما تبقى من انقلاب 30 يونيو 1989م. يؤكد فرض قانون النظام العام ان نظام المشرع الحضاري بعد حوالي 11 عاما لم يستغن عن القوانين الاستثنائية التي تفرض عادة في بداية قيام اي نظام لتدعيم اوضاعه وحماية امنه, ومهما كان الغرض من اضافة مثل هذه القوانين مع وجود القانون الجنائي, فان ترسانة القوانين دليل على البحث عن شرعية مفقودة عن طريق العسف والاكراه والقسر بديلا عن الاقناع والحسنى والنقاش, ويفترض في مثل نظام الانقاذ الذي سيطر تماما على اجهزة الاعلام ومؤسسات التربية والتعليم والثقافة, ان يكون قد تمكن من بث القيم والاخلاق والفضائل الحميدة وجعلها هي الغالبة دون حاجة الى شرطة النظام العام وقانون النظام العام وان يضطر الى ترويع الناس واذلالهم ومثل هذه القوانين حتى وان لم يتم انفاذها فهي دليل واضح على الدكتاتورية والقمع وهناك باستمرار علاقة عكسية بين الحرية والكرامة وبين كثرة القوانين. تحاول السلطة الحاكمة ان تفرض نوعا من الرقابة المستمرة على المواطنين وحركتهم ونشاطهم ولم تكتف بتعدد الاجهزة الامنية, وحاولت ايضا ان تجعل هذه الرقابة ذات طابع شعبي وديني واخلاقي مع ان الهدف الحقيقي سياسي بحت هو منع الناس من التجمع واللقاء بحرية فقد تدخل قوة من شرطة النظام العام على مجموعة من الناس جالسين ـ مثلا ـ في صالون او حوش المنزل يتسامرون او يتناقشون في قضايا عامة, وتتهمهم بلعب القمار او شرب الخمر, وقانون النظام العام قد يحكم بجلدهم سريعا لان الاجراءات اصلا غير قانونية ولاتحتاج لتحقيق طويل وعادل وليس من الضروري وجود محامين واحيانا لا تستغرق كل الاجراءات من القبض حتى تنفيذ الحكم اكثر من ساعات قليلة, فهذا جزء من تراث النميري في العادلة الناجزة اي السريعة والبسيطة, كما يقول عنها, فالمهم ان تكون ناجزة. ظللت اؤكد باستمرار ان نظام الانقاذ عمل منذ اليوم الاول على اذلال الانسان السوداني خاصة لو كان معارضا او مختلفا مع النظام وايديولوجيته, لذلك ادخل التعذيب كظاهرة عامة في تعامله مع المعتقلين والسجناء, ومازال النظام يتجنب الحديث عن اخطاء وجرائم التعذيب, بل اعتبرها حتى بعض المنظرين والحمائم ممارسات عادية لحماية الثورة, يقول عبدالوهاب الافندي: فإن طبيعة الحكم لنظام انقلابي ثوري يريد اجراء تغييرات سياسية واجتماعية اساسية في البلاد تحتم الاعتماد على اجهزة ضاربة قوية للتغلب على المقاومة المحتملة لهذه التغييرات. (كتاب الثورة والاصلاح السياسي في السودان ص43), ورغم كل هذه السنوات والاخفاقات مازالت عقلية اذلال وتخويف الانسان السوداني سائدة, وهناك من يدافعون عن قانون النظام العام مع وجود قانون يفترض انه يرتكز على اصول الشريعة الاسلامية ويرفض فصل الدين عن الدولة اي يكفي لتأكيد كل القيم التي دعا اليها الدين الحنيف. يسعى اي نظام الى كسب الشرعية والقبول ويفضل ان يتم ذلك بطريقة سلمية وهذا هو الاحسن والاضمن لاستمرار النظام, ولكن حين يفشل في ذلك يكون اكثر شراسة وعنفا خاصة لو مرت فترة من الزمن ظنها النظام كافية لاقناع المواطنين بقبوله ولكن ظلوا على حالهم, فلنورد مقتطفا من كتاب الامير لماكيافيلي (ايهما انفع للامير ان يُحب اكثر مما يخشى او يهب اكثر مما يجبُّ؟ فالجواب ينبغي له ان يكون محبوبا مهابا, وحيث يصعب الجمع بين الحالتين, فاذا احتاج الامير لاحداهما, فالافضل ان يهاب, لانه يحق القول عن الناس عامة انهم منكرون للجميل, سريعو التحول, ومختلفو الطبائع والغرائز, ميالون لاتقاء الاخطار. ويضيف (اما الخوف فاساسه العقاب, ورهبة العقاب لاتزول مطلقا) (الامير تعريب محمد لطفي جمعة دار قرطبة , 1998, ص134) يمكن الا يكون الانقاذيون قد قرأوا هذا النص من الامير ولكنهم مكيافيليون بنسب التمسك بالسلطة دون مراعاة للوسائل طالما كانت الغاية نبيلة: تطبيق شرع الله, ويضاف الى ذلك تاريخ النظم الشمولية بالذات في المنطقة العربية بروافدها الناصرية والبعثية والقذافية, فقد جعلت حسب رؤيتها من السجن مدرسة ومن الشرطي او رجل الامن المعلم الاول للشعب الذي يحكمونه ولكن حكام الانقاذ زادوا على رصفائهم الشموليين العرب, بدعوى انهم اصحاب رسالة مقدسة, فهم لايريدون فرض الوحدة العربية او الاشتراكية العربية او النظرية الثالثة, بل يريدون تحكيم شرع الله وبالتالي يستباح اي سلوك اذا كانت النية هي التمكين للدولة الاسلامية, فالانقاذيون وبالذات التحرريين والحمائم ـ لم يشعروا حتى الان بتأنيب ولم يقدموا اي اعتذار حتى ولو كان ضمنيا. يقول قانون النظام العام على فرضيات خاطئة في فهم المجتمع والانسان السودانيين باعتبارهما اميل الى عدم الاخلاق والانحراف وسوء السلوك لذلك لابد ان تراقبهم وتؤدبهم السلطة او الدولة, وحقيقة الشعب السوداني مظلوم وغير محظوظ فهو من اكثر شعوب العالم تهذيبا وطيبة ومودة, ويظهر ذلك للعيان في الشارع, فانت لا تسمع الالفاظ البذئية التي تطلقها بعض الشعوب امام الاطفال والنساء بلا خجل, ولايعرف السودانيون المعاكسات التي تمارس بوقاحة في الشوارع والاماكن العامة والسوداني ـ بدون اي شوفينية او تمجيد للذات ـ مشهود له بالادب والحياء والتهذيب, ولكن اهل الانقاذ نزعوا عن كل السودانيين غير الجبهجية الفضائل الموروثة واصبحوا لديهم مدانين وغير ابرياء مقدما, فقد حاولت الانقاذ تطهير كل العناصر المعارضة او المخالفة وتم فصلهم من اجهزة الخدمة المدنية وغلبت مبدأ اهل الثقة على حساب اهل الكفاءة وهذا القرار الذي شرد آلاف المواطنين وسمي قانون الصالح يمثل في حد ذاته ادانة للاخرين, ولايحتاج الامر لكبير ذكاء لمعرفة الاختلاف في المعاملة بين ابناء الوطن الواحد. ومن هذه الناحية, يخضع بعض المواطنين لتجاوزات هذه القوانين حين تحدث بينما يبقى اهل الثقة بعيدين عن المضايقات. عرفت الحكومة الاسلاموية في بدايات النشأة تيارا يدعو الى ضرورة التربية من اجل مجتمع صالح وفاضل يمكن ان تؤسس عليه الدولة الاسلامية بسهولة ولكن الان بدأت الحركة بمحاولة تكوين الدولة ثم بعد ذلك تلجأ الى تربية المجتمع من خلال عصا السلطة, وهذا وضع مقلوب اوقع سلطة الانقاذ الاسلاموية في اخطاء وخطايا الشمولية القمعية وحملت سجلا غير مشرف في حقوق الانسان عملت طوال السنوات الاخيرة من اجل تحسينه وقدمت تنازلات كثيرة على حساب ما سمي باستقلالية القرار السوداني, فقد ارهقت الانقاذ نفسها بلا جدوى من اجل تكملة مشروع الاذلال والاخضاع ويوحي قانون النظام العام بان السلطة تتعامل مع المواطن السوداني وكأنه قاصر ويحتاج الى وصاية خاصة, فهذا قانون ـ كما قلت ـ داخل قانون يحاول ان يقتحم خصوصيات الانسان السوداني وان يحقق المحال وهو اعادة صياغة الانسان السوداني حسب رؤية الجبهة وكأني بالحاكمين يقولون: ان السوداني لا يأتي بالقوة لانه قاصر ولايعرف مصلحته ومصلحة وطنه ودينه ونحن اولياء امره بالمعنى التربوي. اعتقد انه لايوجد اي مبرر لاستمرار قانون النظام كمبدأ وليس بسبب سوء تطبيقه لان اي تطبق سوف يصل الى نفس النتيجة: الاذلال والاهانة والتخويف والانتهاك السافر لحقوق الانسان الاساسية. د.حيدر ابراهيم علي