القريبون من جورج بوش (الابن) في طفولته وصباه لم يروا فيه ابدا شخصا يمكن ان يصبح رئيسا للولايات المتحدة الامريكية. كان بعينيه الزرقاوتين الشقيتين طفلا في العقد الرابع يهتم ببطاقات البيسبول والتشبه بمغني (البوب) الفيس بريسلي. وحتى عندما أرسله والداه شرقا للدراسة في اندوفر وبيل, لم تتغير صورته كثيرا فقد ظل يؤكد ميله لرياضة البيسبول كما اشتهر بتنظيم الحفلات. ولدى عودته الى مسقط رأسه في ميدلاند بولاية تكساس للعمل في مجال النفط, لا يذكر اصحابه عنه سوى انه كان يعيش على هامش الحياة. وعندما سئلت دورو كوخ أصغر ابناء الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عن الذي يمكن ان ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة من بين اخوانها الاربعة اجابت بلا تردد: (لا احد. وربما ضحكنا عاليا لهذا الامر الذي لم يظهر بعد على شاشات الرادار) . أما جورج بوش (الابن) نفسه فيقول ببساطة انه ورث شيئا من الاحساس بالخدمة العامة ولكن ليس (التكريس) في وصفه لاشتغال العائلة بالسياسة. لقد كان دائما حذرا بشأن النعمة والنقمة من نسبه السياسي. وهذا هو حاله الآن وهو يسعى لأن يصبح اول ابن رئاسي يصل الى البيت الأبيض منذ جون كونيسي آدامز. قال بوش في لقاء صحافي على الطائرة الخاصة بحملته الانتخابية (هناك اناس طيبون حقا يعرفون ما يريدون فعله ويعملون في ذلك الاتجاه منذ سن الحادية والعشرين الى الحادية والثمانين, لكني لست واحدا منهم) . لم يأخذ جورج بوش وهو الآن في الرابعة والخمسين الحياة بجدية الا في الاربعين, عندما توقف عن شرب الخمر وبدأ البحث عن دفعة روحية. ولكن حتى في ذلك الوقت لم يكن يدرك الى أين يتجه وما كان يبدو مكترثا لذلك. قال وقد اعتدل في جلسته (لم اخطط لحياتي. لكن هناك شيء في داخلي هو انني لا اخشى الفشل وبالقطع لا اخشى النجاح. وعندما طلب منه وصف الضغط الذي يحسه وهو يترشح لمنصب الرئاسة قال: (اذكر انني قلت لديفيد برودر اشعر بأنني مثل قطعة فلين في نهر صاخب) . قال عنه والده عندما كان في الرابعة من عمره في رسالة لأحد اصدقائه عام 1951: لقد كبر جون واقترب من الرجولة فهو احيانا يردد ألفاظا قذرة ويقسم متوعدا احيانا اخرى وهو يرتدي ملابس رعاة البقر) . أما مدرسه في المدرسة الابتدائية جون يبيزيلو فقال عنه انه كان رياضيا شرسا في الملاعب. تقول شقيقته دورو: (ان المنافسة جزء من الحياة اليومية في عائلة بوش, خاصة في الرياضة. وتضيف ان جون حتى لو لم يكن الرياضي الافضل الا انه يستطيع الفوز بسبب روحه المرحة والمزاح الذي يشغل خصمه في اللعب) . نشأ بوش في عائلة مستقرة, وتشرّب بروح غرب تكساس مما جعله مفتوحا على الاحتمالات وغير خائف من ركوب الصعاب والمخاطر. وقد اعطاه ابواه الحرية لكنهما وجهاه نحو الحفاظ على تقاليد العائلة. وأرسلاه للدراسة وهو في الخامسة عشرة الى أكاديمية فيليب الخاصة في اندوفر. لكن سرعان ما اتضح انه لن يتفوق دراسيا ولا رياضيا, رغم ان والده كان لاعبا ماهرا في كرة القدم والبيسبول. فقط استطاع بوش (الابن) ان يصبح قائدا للمشجعين. وحدث نفس الشيء تقريبا عندما ارسل للدراسة في ييل, فلم يكن مثل ابيه لا اكاديميا ولا رياضيا. وحش سياسي يقول كينيث كوهين احد زملاء بوش في الدراسة: (ان بوش في حملته الانتخابية لا يشبه ذلك الشخص الدافىء الكريم الذي عرفته.. لقد اصبح وحشا سياسيا) . والحقيقة ان بوش اصبح غليظا في خطاباته السياسية وفي مقابلاته الصحافية. يقول كوهين: (كان بوش في جامعة ييل... جورج فقط لا يخشى ان يعبر عن نفسه بأية طريقة وكان صريحا الى ابعد الحدود) . في السنة النهائية في الجامعة كان موضوع حرب فيتنام هو الشغل الشاغل, لكن الأمر كان فيما يبدو بسيطا بالنسبة لجورج بوش فهو لم يفكر مثل بعضهم في الهرب الى كندا أو حتى دخول السجن تفاديا للتجنيد. لم يكن يخوض في الأمر أو يحتج عليه. وحصل بوش على موقع في الحرس الجوي القومي في تكساس. ومثل والده قاد الطائرات المقاتلة. لكن في الوقت الذي عرف فيه والده كبطل في الحرب أسقطت طائرته في جنوب المحيط الهادي, حوصر بوش الابن بالاسئلة عما اذا كانت معاملة خاصة هي التي ادخلته الحرس وأبعدته عن حرب فيتنام. وينفي بوش ذلك. كانت السنوات الاربع التي قضاها بوش في الحرس سنوات شاقة قبل ان يعود لدراسة ادارة الاعمال في جامعة هارفارد. وما كان يعرف ماذا سيفعل بالشهادة التي سيحصل عليها. لكنه بعد هارفارد عاد الى تكساس واجتذبه العمل في مجال النفط كما كان والده قبله بعقدين من الزمان. يقول صديقه الطبيب الجراح شارلي يونفر ان نجاح بوش في شركته النفطية كان بجهده الشخصي وليس تاريخ والده في هذا المجال. ويضيف انه لم يكن ابدا نسخة من والده. بل انه لم يحقق النجاح الذي حققه والده. فقد كانت شركته على شفا الخسارة لولا انه تدارك ونجح في بيع استثماراته محققا ربحا في حين فشل غيره في تعويض خسائره. لا يعتبر بوش سنواته في ميدلاند سنوات فشل, فقد التقى هناك بلورا وايش وتزوجها وأنجب منها التوأم بربارا وجينا. ليلة الاقلاع بعد ليلة صاخبة في حفل عيد ميلاده الأربعين قرر بوش التوقف عن تناول الكحول. ويقول انه لم يشرب الخمر منذ ذلك اليوم. بعد الحملة الانتخابية عام 1988, كان بوش ما زال يفكر في الخطوة التالية, حتى جاءه الفرج عندما لاحت الفرصة لتحويل حبه الكبير (البيسبول) الى استثمار تجاري. قام بوش, بمساعدة من علاقات عائلته, بتجميع عدد من المستثمرين لشراء فريق (تكساس رينجرز) . ودر عليه استثماره الاول لمبلغ ستمائة ألف دولار أكثر من 15 مليونا من الدولارات.
