بدأت مؤخرا اعمال مؤتمر المعهد الاسباني العالي لمعلومات الدفاع (السيسيد) حول مستقبل الخدمات السرية التي تقدمها اجهزة الاستخبارات. وبذلك تحولت مدريد الى مركز للجاسوسية العالمية حيث يناقش مسئولو الاستخبارات الرئيسية في العالم مستقبل خدماتهم الاستخباراتية. واجتمع في مدريد الاسبوع الماضي اثنا عشر مسئولا كبيرا ينتمون الى اجهزة الاستخبارات الغربية الرئيسية ومدعوون من قبل (السيسيد) لمناقشة مستقبل الخدمات السرية بعد انتهاء الحرب الباردة, لكن مع تغيب ممثلين رسميين عن جهاز السي آي ايه الامريكي والموساد الاسرائيلي والاف اس بي الروسي وهو خلف الكي جي بي السوفييتي سابقا الذين اعربوا عن رفضهم دعوة السيسيد الجنرال خافيير كالديرون مدير السيسيد بحجة ان مسئوليهم ممنوعون من الظهور العلني, اما بسبب القانون في بعض الدول واما بحكم العادة بالنسبة الى دول اخرى. كما هو الحال في بريطانيا التي مثل جهاز استخباراتها السرية احد منسقيه السابقين. من جانبها ارسلت المخابرات المركزية الامريكية مستشارة رئيسية سابقة لكي لا تخيب امل (السيسيد) وذلك في الساعة الاخيرة. اذن ولدت فكرة اللقاء بدون حماس ثلاثة اجهزة استخبارات اساسية في العالم وذلك في مرحلة حرجة فيما يتعلق بضرورة ايجاد تعريف جديد حول الكيفية التي سيكون عليها النموذج الاستخباراتي في القرن الواحد والعشرين. كل ذلك اتى بدون ادراج جمهورية الصين الشعبية ضمن القائمة وهي التي يزداد وزنها يوما بعد يوم في حقل الاستخبارات. وعلى سبيل المثال استطاعت المخابرات الصينية الوصول للرأي العام بالنسبة للمساعدة التي قدمتها لميلوسيفيتش خلال حرب كوسوفو كما أبدي الخبراء استغرابهم حيال غياب الاستخبارات الروسية بعد المناخ الايجابي الذي احدثته زيارة بوتين الرسمية لاسبانيا. اما على الصعيد الداخلي الاسباني فإن تغيب وزير الدفاع فيدريكو تريلو فيجورا قد اعطى معاني ودلالات كبيرة, على الرغم من ان البرنامج الرسمي للمؤتمر لا يشتمل على وجوده ضمن المحاضرات او في اختتام اعمال المؤتمر الذي تم يوم الجمعة الماضي ويشار الى ان عدم حضوره ناجم عن برودة علاقته بالجنرال خافييركالديرون مدير (السيسيد) في اسبانيا. ويبدو ان هذا الامر قد اثر في اللحظة الاخيرة على قرار خافير سولانا مسئول ملف الدفاع والامن في الاتحاد الاوروبي عدم الحضور وهو رجل يتميز بإمكانيات ومهارات دبلوماسية سياسية عالية ولقد حل محل سولانا الذي كان يتوجب عليه الاعلان عن افتتاح المؤتمر تحت شعار (ضرورات استخباراتية في اطار سياسات امنية جديدة) وزير الدفاع السابق ادواردو سيرا وهو صديق شخصي للجنرال خافيير كالديرون. الى ذلك فإن تنظيم هذا المؤتمر يأتي ضمن اطار الدورات الصيفية التي تنظمها بشكل سنوي جامعة كومبليتيسني وهو يشتمل على ثلاث عشرة محاضرة وثلاثة اجتماعات طاولة مستديرة توزعت على فترات صباحية ومسائية. واشارت مصادر (السيسيد) الى ان هدف هذا اللقاء هو تحليل التهديدات الجديدة الناشئة حديثا على الصعيد العالمي اثر سقوط الاتحاد السوفييتي وتحليل كيف (يؤثر الرأي العام في اعطاء شرعية اجتماعية وسياسية للمنظمات الاستخباراتية او يحرمها هذه الشرعية) . كما تشير المصادر نفسها الى ان النقاش في اسبانيا كما في غالبية الدول الاوروبية الغربية قد تركز (على عناصر هامشية تخص نشاطاتها) وعدم وجود (طرح شامل حول ما يجب ان يكون عليه جوهر العمل الاستخباراتي في السنوات المقبلة) . ومن وجهة نظر هذه المصادر فإن (سلسلة المحاضرات هذه يمكن ان تشكل فرصة استثنائية لأسبانيا لتبدأ في عملية مراجعة شاملة حول وظائف ومهام اجهزة الخدمات السرية) . ويجمع مسئولو الاستخبارات في كل من المانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا وايطاليا والاردن الذين يشاركون في المؤتمر بتقارير معدة مسبقا, على اعتبار الارهاب (التهديد الرئيسي على الصعيد الداخلي لأي من الدول كما تشير الى ذلك عواقبه الاولى المتمثلة بحالة عدم الاستقرار التي يولدها) . وبالنسبة للاتحاد الاوروبي فإن الهجرة تتعزز بخطوات ضخمة لتشكل (التهديد الثاني حيث تعيش كل من اسبانيا التي تواجه هجرة مغاربية مشكلة مشتركة مع المانيا التي تستقبل هجرة البانية وتركية تم التطرق اليها خلال اجتماعات الطاولة المستديرة. وترى الدول الاوروبية بأن العنصر الاكبر في عدم الاستقرار الاوروبي يتمثل بالهجرة مضافا اليها التطرف القومي والتطهير العرقي حيث تؤكد المصادر على ان (هذا المزيج المتفجر في اوروبا قد تسبب بضحايا ونزاعات منذ سقوط جدار برلين اكثر بكثير مما تسبب به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهناك تهديد آخر من (التهديدات المحدثة) التي تشغل اوساط اجهزة الاستخبارات ألا وهو (الارهاب المعلوماتي) حيث تخترق اعمال القرصنة المعلوماتية الانظمة الدفاعية والمالية بهدف الابتزاز. وقال مدير (السيسيد) بهذاالصدد: (لا اعرف اي بلد من البلدان المتطورة لا تشغل هذه القضية بال اجهزته الامنية) . وبمستوى القلق نفسه وربما أكثر يبرز هناك تهديد الاسلحة الجرثومية والكيميائية. ان ما اصطلح على تسميته (القنبلة الذرية في البلدان الفقيرة) تحتل منذ حرب الخليج المكانة الاولى المفضلة لدى الولايات المتحدة الامريكية حيث تحققت من وجهة نظرها معادلة الجمع ما بين الارهاب وامكانية انتاج الاسلحة الكيماوية والجرثومية الخطيرة مثل غاز (انثراكس الذي يمكن له ان يبيد ملايين البشر خلال بضعة اسابيع الامر الذي جعل اجهزة الاستخبارات الغربية الكبرى تطور (شبكة طوارىء) من اجل الحصول على صيغ العقاقير المضادة لهذه الاسلحة. وقد وصلت الاهمية التي توليها الولايات المتحدة لما اصطلح على تسميته بـ( الارهاب البيولوجي) درجة رفض فيها البينتاجون في فبراير الماضي طلبا قدمه الكونجرس لإيقاف عملية تطعيم مليوني ونصف جندي امريكي بالاضافة الى كادر القيادة ضد غاز الانثراكس, مع العلم انه حتى ذلك التاريخ تم تطعيم 300 ألف عسكري وذلك على اعتبار ان اللقاح يشكل (الوسيلة الوحيدة المتوفرة للوقاية من الخطر الذي يحدثه هذا الغاز القاتل) . وقد اعلن (السيسيد) ثلاثة اهداف للمؤتمر نالت موافقة اجهزة الاستخبارات المشاركة فيه وهي تسهيل تبادل الافكار ووجهات النظر والخبرات فيما بين اعضاء اجهزة الخدمات السرية والمؤسسات العامة وممثلي الاوساط الاكاديمية والاستشارية ووسائل الاعلام والاتصال بهدف اعضاء صورة اجمالية لما سيكون عليه وضع هذه الاجهزة في القرن الجديد. اما الهدف الثاني تزويد ممثلي البرلمان الاسباني واعضاء السلك القضائي والمجتمع الاكاديمي والمجتمع الاسباني عموما بمقترحات وعناصر تشريعية يمكن لها المساعدة في انجاح الحوار الدائر حول الاستخبارات والمقصود هنا هو دعم المجتمع الاسباني بمستوى معلوماتي جيد في موعد الاعلان عن اصلاح (السيسيد) وخلق النموذج الجديد للخدمات الاستخبارية في اسبانيا. اما الثالث فهو المضي قدما في الحوار الدائر حول مستقبل الخدمات الاستخباراتية مع إيلاء اهتمام خاص لتعريف التهديدات الجديدة التي يبرز من بينها الارهاب بجميع مظاهره, والهجرة كمصلحة أولية بالنسبة لدول جنوب أوروبا والجريمة المنظمة ومقاومة عصابات المافيا التي تعمل بتهريب المخدرات وتبييض الأموال, والإرهاب المعلوماتي وقابلية تخريب التقنيات الحديثة الخاصة بالاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية, ثم الأسلحة النووية وتجارة البلوتونيوم والعناصر الداخلة في صناعة القنابل الذرية والارهاب البيولوجي وصناعة وتجارة الأسلحة البيولوجية, كما وضع المؤتمر أيضا الأصولية الاسلامية باعتبارها احدى التهديدات الجديدة للعالم الغربي. خلاصة القول ان نهاية الحرب الباردة مع انهيار الاتحاد السوفييتي قد عكست نفسها على عالم المخابرات وذلك في جميع الدول دون استثناء حيث لم يعد هناك كتلتين متصارعتين وخطأ يفصل بشكل واضح بين من هو صديق ومن هو عدو. لكن في الوقت ذاته لم تتغير المهام الأساسية للجواسيس وذلك منذ القدم وحتى لم تختلف عن المبادئ الواردة في الكتاب الصيني القديم وهو (فن الحرب) وأجهزة الاستخبارات قبل أي شيء آخر تمثل الذراع الداخلية والخارجية كنشاط الدولة, وذلك على الرغم من ان الأزمان الحديثة تطرح تحديات جديدة, وهذا ما وضع على طاولة البحث في المؤتمر أمام قادة أجهزة المخابرات الرئيسية في العالم طبعا باستثناء أجهزة ناشطة في قلب عالم الجاسوسية مثل السي آي ايه والموساد والإف إس بي.. ويناقش المؤتمرون مستقبل الجاسوسية في ظل عالم العولمة حيث تأخذ الحرب شكلا مباغتا يوما بعد يوم والتهديد الرئيسي يتمثل بالارهاب في جميع تقلباته, وجواسيس اليوم يبحثون في المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية ومفاتيح عصابات المافيا أو يبحثون في أفضل الأنظمة التقنية لوضع يدهم على ارهابيي المعلومات والقرصنة الالكترونية. وتعتبر هذه المناسبة بالنسبة لمدريد التي تحولت بشكل مؤقت, إلى عاصمة عالمية للجاسوسية, لحظة مهمة من أجل تثبيت قواعد جديدة للسيسيد وللأخذ بعين الاعتبار أفكارا جديدة أيضا. هذا وان الاتصال مع خبراء عالميين سيعود بفائدة كبيرة وبدون شك على وزير الدفاع, فيدريكو تريلو, الذي عليه المضي قدما في عملية الاصلاح وان غيابه عن هذا اللقاء يسترعي الانتباه بشكل قوي. عن لارازون اسبانيا ، ترجمة: باسل ابو حمدة