منتجع كامب ديفيد بولاية ميريلاند مكان جميل في هذا الوقت من العام, فجوه ألطف من جو واشنطن كما أن أرضه مكسوة باللون الاخضر بفضل أمطار الربيع الغزيرة. وفي واقع الامر, فإن المنتجع مكان جميل للغاية لدرجة أن الكثير من ضيوفه يرغبون أن يمكثوا فيه طويلا ولا يغادرونه. وتلك مشكلة يحتمل أن يواجهها الرئيس بيل كلينتون الذي يستضيف قمة سلام الشرق الاوسط الحالية. وإذا ما راق المقام لفترة طويلة لضيفيه في المنتجع, رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود باراك والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, فإن ذلك قد يؤثر بالسلب على الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع المستمر منذ نصف قرن. ويدرك كلينتون من واقع التجارب السابقة أن أية مفاوضات ينبغي أن يكون لها نهاية ولكنه لم تكن في جعبته مثل تلك النهاية في مفاوضات عام 1998 التي جرت في واي بلانتيشن شرقي ولاية ميريلاند, وهو مكان جميل هو الآخر. ونتيجة لذلك, ظل عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو يساوم كل منهما الآخر حتى الساعات الاولى من صباح كل يوم من أيام المفاوضات التسعة المضنية حتى أعلن كلينتون في النهاية أنه لا يرغب في المواصلة. وكانت تلك نهاية غير مرضية لمؤتمر لم يتم الاعداد له بشكل جيد. وكان ينبغي لكلينتون في ذلك الحين أن يقوم ببعض الاعداد للقمة قبل انعقادها بما في ذلك دراسة الوسائل التي استخدمها وزيرا الخارجية الامريكيان السابقان هنري كيسنجر وجورج شولتز. فقد أمضى الرجلان أسابيع في بحث قضايا الشرق الاوسط الشائكة. وأدرك الاثنان أنه في بعض الاحيان يرغب الجانبان في الاستمرار في المفاوضات للا بد بدلا من التزحزح عن موقفيهما بشأن بعض النقاط المهمة. ووضع كلا الوزيرين نهاية للمساومات بين الجانبين عن طريق تحديد مواعيد نهائية مصطنعة. وفي عام ,1974 أمضى كيسنجر 34 يوما متنقلا بين سوريا وإسرائيل في محاولة لاقناع الجانبين بإبرام اتفاق سهل نسبيا حول فصل القوات في مرتفعات الجولان حيث كان يدور بينهما قتال ضار بالمدفعية. وكان كيسنجر يلمح للطرفين بأن لديه أعمالا أخرى يجب أن ينجزها. ولسوء الحظ, أدلى المتحدث الرسمي باسم البيت الابيض آنذاك جيرالد وارن بتصريحات متسرعة قال فيها أن كسينجر مستعد لمواصلة العملية (طالما تطلب الامر ذلك) . وعندما أذيع هذا التصريح, احمر وجه كيسنجر واستشاط غضبا. ونفى الوزير على الفور تصريحات متحدث البيت الابيض وذكر العالم بأنه يتعين عليه العودة إلى واشنطن لحضور اجتماع من نسج خياله وصفه بأنه (حيوي) . وفي عام ,1983 كان شولتز يحاول التوسط في مفاوضات لسحب القوات الاسرائيلية من لبنان واستمرت مجهوداته على مدى أسبوعين, تشبث خلالها كل جانب بموقفه ولم تكن تبدو في الافق أية نهاية. وانتهز شولتز فرصة اجتماع كانت ستعقده منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس, وقال انه يجب أن يحضره. وانتهت المفاوضات بتوقيع اتفاق بين إسرائيل ولبنان. غير أن شولتز كانت تعوزه الحكمة لانه لم يستشر السوريين الذين كانوا يمثلون السلطة الحقيقية في لبنان, الامر الذي دفع بالرئيس السوري الراحل حافظ الاسد إلى رفض الاتفاق ووصفه بأنه لاغ وباطل. ولكن مبدأ تحديد موعد نهائي كان فعالا على أية حال. ومن ثم, قام كلينتون عند دعوته لكل من باراك وعرفات إلى كامب ديفيد بإضافة موعد نهائي جاهز, فقد أعلن أنه يجب أن يتوجه إلى الاجتماع السنوي لمجموعة الثماني الذي يعقد في جزيرة أوكيناوا اليابانية منتصف الأسبوع المقبل. ويدرك أي من يحضر مثل تلك القمة متعددة الاطراف أن أغلب النتائج تم التفاوض عليها مسبقا بواسطة المساعدين الذين قاموا بالاعداد للقمة. غير أن كلينتون كان بحاجة إلى موعد نهائي ليقول من خلاله لضيفيه عرفات وباراك أن اجتماع كامب ديفيد لابد وأن يصدر عنه قرارات, وأن التلكؤ في التوصل إلى نتائج ملموسة ليس تكتيكا تفاوضيا مقبولاً. وسيرى العالم هذا الاسبوع ما إذا كان هذا التكتيك قد نجح أم لا. د.ب.ا