رجحت تقارير صحافية عبرية ان تحين لحظة الحسم في كامب ديفيد الأربعاء المقبل وقالت ان شهر اغسطس المقبل سيكون سوريا بمعنى ان الرئيس الأمريكي يضغط لانتزاع اتفاق فلسطيني اسرائيلي يعقبه اتفاق بين دمشق وتل أبيب يعرضهما معاً ايهود باراك على الاستفتاء. ونشرت صحيفة (معاريف) أمس مقالاً لمراسلها للشئون الحزبية الاسرائيلية قوله ان باراك كان مكلفا خلال سنوات خدمته في الجيش مراقبة ومتابعة تحركات عرفات على مدار اليوم والذي كان يعطيه اسماً حركياً (رأس السمكة) . كلينتون نجاح قمة كامب ديفيد (غير الواضح في هذه المرحلة) سيكون البداية فقط: كلينتون يحتفظ في هذه الحالة بمشاريع كبيرة, أغسطس كما يخططون في واشنطن سيكون (شهر سوريا) , إذا نجح كلينتون في الخروج باتفاق ربما فيه اطار الاتفاق الذي سيسبقه من كامب ديفيد فسيتوجه على الفور نحو دمشق, الاتصالات موجودة منذ الآن, التلميحات السورية واضحة وقسم منها يعبر علنيا, الامريكيون يخططون لعقد قمة أخرى كلينتون ـ بشار ـ باراك خلال شهر اغسطس الذي سينتج اتفاق سلام اسرائيليا ـ سوري سريعا ومتقنا. وعندئذ سيذهب باراك للاستفتاء الشعبي أو للانتخابات على كل الرزمة: إنهاء شامل ونهائي للصراع في الشرق الأوسط بثمن مناسب: كل هضبة الجولان تعود لسوريا (تسوية ابداعية لقضية الساحل الشمالي الشرقي من طبريا) كل الضفة الغربية تعود لعرفات (على مراحل), القدس موسعة (ولكن مقسمة بعض الشيء أيضاً) أغلبية المستوطنين تحت سيادتنا وسلام على اسرائيل. كلينتون من ناحيته سيتوجه على الفور مع كل الرزمة للحصول على جائزة نوبل للسلام, هذه هي الخطط والمشاريع, الا ان الواقع كما هو معروف أكثر قسوة وصعوبة, حتى يحدث ذلك يتوجب على باراك وعرفات التوصل الى التسوية, كلاهما ملزمان باتخاذ قرارات يصعب تحملها وتقديم تنازلات رهيبة وقطع جلدهم الحي والمقامرة على مستقبلهما وكل ميراثهما. السير حتى النهاية وعدم الخوف أو التنازل, التسامي فوق اللحظة فوق المصاعب وفوق المعارضات .. فوق الجميع, ليس من المؤكد أن هذا سيحدث والأكثر احتمالاً وتوقعاً انه لن يحدث .. ورغم ذلك كانت أيام القمة الأولى جميلة وذات أجواء طيبة تتسم بالانفتاح والابتسامات وشعور بهبوب الريح القوية وتوفر الفرصة والقدرة على القيام هذا, ذلك لانهم اذا لم يفعلوا ذلك الآن في كامب ديفيد فليس واضحا متى ـ هذا إذا توفرت فرصة أخرى ـ سيكون من الممكن القيام بذلك مستقبلاً. باراك في يوم الثلاثاء في الساعة الخامسة والنصف صباحا, حسب توقيت واشنطن هبطت طائرة ايهود باراك في مطار (اندروز) , هبط من طائرته مصحوبا بالسفير ديفيد عبري وفي حالة مزاجية ممتازة, الجو كان صافيا باردا, والاجواء رغم الوقت المبكر كانت احتفالية بهيجة, الحضور لمسوا بوضوح ان هذه الرحلة ليست مجرد رحلة أخرى لرئيس الحكومة الاسرائيلي في واشنطن وانما شيء آخر مغاير تماماً. باراك قفز مع حاشيته الى احدى المروحيات الامريكية المنتظرة, وبعد عدة دقائق حلقت المروحيات بلون أخضر زيتي متوجهة نحو الشمال, بعد ذلك الوقت بأربع عشرة ساعة جلس باراك في مقره في كامب ديفيد وشاهد برنامج (من يريد أن يكون مليونيراً) في التلفزيون الأمريكي, أحد المشاركين قفز بسرعة في السلم المالي, وعندما وصل الى سؤال (125) ألف دولار لمعت عيون باراك, السؤال كان: في أية دولة تعنى عبارة (معركة المواجهة) مصارعة؟ العبارة كتبت بأحرف انجليزية نقلاً عن الكلمة العبرية KRAV MAGA باراك اتصل مع أحد مساعديه المتواجدين خارج كامب ديفيد حتى يشاطره انفعاله. في تلك الأثناء طلب المتسابق مساعدة الحاسوب الذي شطب أجابتين من بين الامكانيات الاربعة وتركه مع خيارين آخرين فقط: روسيا وإسرائيل, كان من الممكن قطع هذا التوتر بالسكين, المتسابق اختار روسيا, الا ان الجواب الصحيح كان بالطبع اسرائيل, باراك شعر بالخيبة الشديدة, الشاب خسر فرصة لكسب 125 ألف دولار على الطريق نحو الربع مليون. باراك يكره خسارة الفرص, وقد بذل جهودا مضنية حتى يتيح هذه الفرصة لنفسه في كامب ديفيد وهو لن يتركها تفلت منه بسهولة, وهو يعتقد ان على الميزان وزنا يزيد على مبلغ الربع مليون دولار, وهو يعتقد انه سيرسم في كامب ديفيد استمرارية بقاء الشعب اليهودي في اسرائيل. عرفات شريكه هو ياسر عرفات, ما العمل, هذه هي الحياة, فليس كل شيء فيها كاملا, باراك كان قد تعرف على عرفات قبل سنوات كثيرة تحت الاسم السري (رأس السمكة) كما كان عرفات يلقب في قسم الاستخبارات في جيش الدفاع الذي كان باراك يترأسه, وبحكم هذا المنصب عرف باراك أين يوجد عرفات كل الوقت وما الذي يفعله, متابعة (رأس السمكة) كانت دقيقة ومتواصلة طوال 365 يوما في السنة و24 ساعة في اليوم. ما الغريب اذا ان يحاول باراك الآن دفع عرفات الى الأمام بكل قوة الذراع تقريبا وهما ينويان الدخول الى مكان التفاوض في الأحراش من أجل عقد التسوية الدائمة, هذه الدفعة هي نوع من السيطرة على الوضع, ادخل أنت أولاً وأنا سألحقك, ولكن عرفات مانع بالاصبع, وهكذا تطورت عملية الدفاع المتبادل الشهيرة التي أسماها أحدهم في الوفد الاسرائيلي (بادرة اسرائيلية أولى في المفاوضات) . باراك أمل الوصول الى كامب ديفيد مع مجموعة مبرمجة جدا من الاشخاص, دفيد ليفي, شلومو بن عامي, امنون شاحك وهو ينادى بن عامي بكنية (شبع) اختصاراً لاسمه ويلقب شاحك بـ (الش) (اختصارا لاسمه) ايضا. الا ان باراك يعرف ان الشخص الذي يريده هناك أكثر من أي واحد آخر هو يوسي بيلين, يجب ولكنه لا يستطيع وهو يتشبث باسحق ليفي وشيرانسكي بكل قواه حتى اللحظة الأخيرة لا يريد أن يكون الاتفاق المستقبلي مرتبطا باسم بيلين بأي صورة كانت. الطاقم التفاوضي يجب أن يكون جذابا بحيث يقنع الجماهير بالتصويت معه في الاستفتاء الشعبي امنون شاحك من الجانب العسكري, وديفيد ليفي من الجانب الشعبي ـ الشرقي, من دون أية اشارة لبيلين أو ساريد أو سفير (الذي لمس غيابه عن الطاقم الاعلامي الذي شكله باراك في الولايات المتحدة في هذا الاسبوع), الا ان ليفي هدم له خططه هذه, باراك توسل له تقريبا حتى يشارك بعد ذلك أرسل داليا ايتسيك وامنون شاحك, الا ان شيئا من هذا لم يساعده في ذلك, ليفي ظل في البيت, ما العجب اذا ان صحيفة (واشنطن بوست) لقبت شلومو بن عامي بـ (عضو الحكومة الشرقي الابرز في حكومة باراك) (أما جلعاد شير فقد لقبته (بطل اسرائيل في الكاراتيه سابقا) لذلك استل باراك دان مريدور بسرعة كبديل جيد وملائم, أمير ليكودي من اليمين التقليدي, وان وقع هو على الاتفاق فبامكان كل واحد ان يوقع عليه. التسوية يتوجب الاصغاء لباراك بشكل جيد, في الطائرة تحدث عن الاصرار والثبات على مصالح اسرائيل الحيوية مع التنازل عن المصالح غير الحيوية, (المصالح التي يوجد استعداد لدي انا وانت للموت من اجلها) حسب الاستطلاعات الموجودة لديه لايوجد استعداد لدى الاغلبية الحاسمة من الشعب الاسرائيلي للموت من اجل شعفاط او قلنديا او ابو ديس هذه الاستطلاعات تظهر لباراك ان اغلبية الجمهور قالت بوضوج نعم للسؤال: هل انت مستعد للتنازل عن قلنديا (مثلا) مقابل ضم معاليه ادوميم للقدس؟ هذا ما سيقوله لعرفات (وربما يكون قد قاله) انت تحصل على حق ادارة المسجد الاقصى وكل الاماكن المقدسة لكم في الحرم وسيكون هناك علم فلسطيني وممر آمن حتى الحرم, لنفترض مثلا ان ولي العهد السعودي قدم لزيارتك فبامكانك في هذه الحالة ان تصحبه للحرم وتصلي معه من دون ان يقابلك جندي اسرائيلي على الطريق, وتكون انت كأنك الحاكم الوحيد في المنطقة, بهذه الطريقة سيحاول باراك اضفاء الغموض على حقيقة ان عرفات لن يحصل على السيادة الحقيقية الدستورية في الحرم, وانما مكانه شبه اقليمية مثل السفارة, وهذا هو مبدأ التسوية كلها: الالتفاف على المسائل الرمزية مع ايجاد حلول مادية للاوضاع, ولكن السؤال هو هل سيشتري عرفات هذا العرض؟ الجواب غير واضح. مسار محادثات شير ـ بن عامي (الذي قام المحامي جلعاد شير باغلبية مهمة الصياغة خلاله) وضع على ورقة اسرائيلية ـ فلسطينية مشتركة كل (التفاهمات) ليست اتفاقات وانما طرح لمواقف الطرفين مع صياغة الامور المشتركة, وما هو الامر القريب والامر غير القريب. في القدس اجروا عملية دراسة مكثفة تحضيرا للتفاوض حول القدس, ويميزون هناك بين المنطقة البلدية من المدينة اليوم وبين المنطقة البلدية التي كانت قبل حرب الايام الستة, هكذا مثلا يمكن الادعاء ان الاحياء التي لم تكن من ضمن شرقي القدس قبل حرب الايام الستة (مثل شعفاط قلنديا) وانما جزاء من الضفة الغربية ليست جزءا من (القدس التاريخية) ولذلك يمكن التنازل عنها. النبي يعقوب, راموت, بسغات زئيف وجبل ابو غنيم وجيلو كلها احياء اسرائيلية لم تكن قائمة في حينه, في كل الاحوال التوجه هو خلط القدس من جديد واعادة تقسيمها مثل لعبة ورق الشدة, وما سيخرج في النهاية سيكون قدسا لاتقل كبرا ولكن اثر يهودية بكثير مع سيطرة فلسطينية رمزية في الاماكن المقدسة في الحرم (ما يوجد اليوم على الارض تقريبا) مع حي يهوي ـ اسرائيلي. في المباحثات التحضيرية المسبقة وافق الفلسطينيون الاعتراف بالحي اليهودي في شرقي المدينة كجزء من عاصمة اسرائيل, وهذا انجاز لا بأس به كل ما تبقى واضح تقريبا: عرفات يتحدث عن 95% باراك عن 85% وسيكون الرقم النهائي في الوسط بينهما, الجور سينتقل للسيادة الفلسطينية بعد 15 سنة مع اعتبارات استراتيجية اسرائيلية ومع امكانية للتفاوض المسبق, اللاجئون سيعودون بأعداد محدودة جدا رويدا رويدا (20 سنة) الفلسطينيون ايضا يعرفون ان اللاجئين لا يستطيعون العودة باعداد كبيرة وخلال مدة زمنية قصيرة, الحكاية كانت ومازالت القدس, نهاية الاسبوع ستكون هادئة, وفي يوم الاحد ستندلع الازمة, وفي يوم الاثنين سيطرح الامريكيون ورقة التسوية الخاصة بهم (التي نشرت اهم نقاطها في صحيفة (معاريف) في هذا الاسبوع) وفي يوم الاثنين ـ الثلاثاء ـ الاربعاء ستحين لحظة الحسم.