رفض 50 شابا أو حوالي نصف المطلوبين للتجنيد الالزامي في بلدة أوبنسك الواقعة الى الجنوب الغربي من موسكو, الحضور لأداء الخدمة العسكرية في اطار الاستدعاء نصف السنوي الاخير للالتحاق بالجيش. ولكن عندما قررت السلطات اتخاذ اجراءات صارمة بحق الممتنعين, اختارت متهماً واحداً فقط للمحاكمة, وهو مبرمج حاسبات يبلغ من العمر 26 عاما لديه تاريخ عريق في مقاومة الخدمة العسكرية. وقد أمضى ديميتري نيفروفسكي 146 يوماً في السجن لرفضه الخدمة في الجيش وعلى الرغم من انه قد تم اطلاق سراحه من السجن بأمر من المحكمة, الا أنه لايزال يخضع للتحقيق ومعرض في أي وقت لمحاكمة أخرى ولقضاء فترة أخرى خلف القضبان. ومن ناحية عملية, فان نيفروفسكي يعيش في منفى داخلي, وهو شكل غريب من اشكال العقاب التي برزت في القضايا الاخيرة ذات الأبعاد السياسية فقد تحولت صلاحية المدعين العامين الروسيين باطالة التحقيقات وبتقييد تحركات هؤلاء (المتهمين) الى نوع من الاداة الخارجة عن القانون المستخدمة في العقاب. وكان ناشط في مجال البيئة يدعى الكسندر نيكيتين, وهو ضابط سابق في البحرية, قد احتجز لمدة 18 شهرا بتهم تتعلق بافشاء اسرار عن مخاطر الغواصات النووية الروسية لجماعة بيئة نرويجية. وحتى عندما لم يكن رهن الاعتقال خلال السنوات الاربع الحافلة بالمحاكمات والتحقيقات المتكررة, منع نيكيتين من مغادرة سانت بطرسبرج, مسقط رأسه. وهذا الحظر تم رفعه العام الماضي. وتعتبر حكاية نيفروفسكي واحدة من سلسلة من اللمحات عن القانون والحريات المدنية في روسيا, حيث تخضع العلاقات بين الدولة والفرد الى صراع حاد ففي غضون الاشهر الستة التي خدم فيها فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا, كرئيس بالوكالة في البداية ومن ثم كرئيس منتخب, ألمح الى انه سيضع (مصالح الدولة) في موقع متقدم على حقوق الفرد. وقد تسبب جهود الكرملين في فرض رقابة على عرض ساخر للدمى على شاشة تلفزيون ان تي في المستقل والسجن لفترة قصيرة بحق صاحب المحطة التلفزيونية فلاديمير جوسينسكي, في دق جرس الانذار في اوساط الليبراليين حول مستقبل حرية الرأي في روسيا. وكذلك كان تأثير الاحتجاز في بداية هذا العام لاندريه بابتسكي, وهومراسل لاذاعة صوت الحرية الممولة من قبل الولايات المتحدة في الشيشان, وتسليمه من قبل قوات الامن الروسية لمسلحين شيشانيين مقنعين. وفي كلتا الحالتين اعقبت قرارات المنع من السفر عمليات الاحتجاز. وقد تم في وقت لاحق اطلاق سراح بابتسكي من جانب الشيشانيين لكنه لا يزال يخضع للتحقيق لتعاونه مع العدو ويحظر عليه مغادرة موسكو ولم يسمح لجوسينسكي الذي يخضع للتحقيق حول جرائم مالية مزعومة بمغادرة موسكو. ويحظر على نيفروفسكي مغادرة اوبننسك التي تبعد عن موسكو قرابة 100 كيلومتر وقال القاضي الذي يتولى امر القضية يعقوب ماكاروفسكي ان لجنة من الاختصاصيين تعمل على دراسة اجراء فحص نفسي لنفروفسكي لتحديد ما اذا كان يتعين اتخاذ خطوات قانونية اضافية بحقه. وقد امتنع القاضي عن تحديد ماهية القضايا النفسية ذات العلاقة بدقة بهذه القضية, وقال لا ارى سببا يجعل اي شخص ـ الاذاعة والصحف ـ تهتم بنيفروفسكي فقضيته ليست بالشيء الخاص. وقال القاضي ماكاروفسكي ان نيفروفسكي يمكنه تجنب المحاكمة من خلال اعترافه بالتهمة ومن ثم قبوله بالعفو. ومن جانبه رفض نيفروفسكي الاعتراف باقترافه لاي ذنب, وقال في مقابلة اجريت معه في اوبننسك التي كانت في يوم من الايام مركزا بالغ السرية للطاقة النووية قال: لا اريد التوصل الى حل وسط, فأنا اريد ان اثير موضوعا اساسيا, واضاف نيفروفسكي بأنه رفض الخدمة على اساس يتناقض مع الخيار العسكري لان الجيش يعتبر قمعيا بطبيعته. وقال: ان جيشنا قد استخدم لقمع المواطنين في الفترة السوفييتية والوقت الحاضر وهو بهذا يشبه الحرب الدائرة في الشيشان الانفصالية بالجهود التي قام بها الجيش السوفييتي لقمع الحركات الاستقلالية في مناطق اخرى في القوقاز وفي دول البلطيق قبل ان تصبح مستقلة. ورفض حجة الحكومة من ان الحرب في الشيشان هي صراع حياة او موت ضد العصابات والارهابيين. واكد على ذلك بقوله: هنالك عصابات كثيرة في جبال الاورال تماما كما في الشيشان. ومن الجدير بالذكر ان التهرب من الخدمة العسكرية امر شائع في روسيا وخاصة في المدن الكبيرة غير ان الاساليب عادة ما تكون سرية مثل رشوة المسئولين او الاطباء لاصدار شهادات مرضية. وتعتبر الطلبات المقدمة للخدمة البديلة نادرة حيث لا تتجاوز 1500 طلب في العام بحسب الجماعات السلمية, ووفقا للمادة 59 من الدستور الروسي فإن المستنكفين ضميريا اي الذين يرفضون الخدمة في الجيش لاسباب تتعلق بالمبادىء او الدين, فلهم الحق في القيام بعمل مدني بدلا من الخضوع للخدمة في القوات المسلحة لكن البرلمان الروسي لم يضع او ينشر خطوطا اساسية لهذه الخدمة. وكان نيفروفسكي قد رفض التجنيد الالزامي لاول مرة في عام 1997 وبعد نزاع قانوني كبير حكم عليه بالسجن لمدة عامين وبعد ذلك بثلاثة اشهر نقضت محكمة استئناف في كالوجا الحكم واعادت القضية الى محكمة اوبننسك المحلية لكن المدعي العام رفض اطلاق سراحه, وبعد شهرين آخرين امرت محكمة كالوجا باطلاق سراحه. ويشك نيفروفسكي ومؤيدوه بألا يكون هو المستهدف من قبل الادعاء العام وانما والدته تاتيانا كوتليار وهي ناشطة ديمقراطية كانت تقوم بتوزيع صحف سرية اثناء الحقبة السوفييتية, وهي الآن تقدم المشورة والنصح للشباب حول كيفية التهرب من الخدمة العسكرية. ووفقا لتقارير صحفية فإن سلطات التجنيد الالزامي قد ارسلت رسائل لمكتب المدعي العام وجهاز الامن الفيدرالي هيئة المخابرات المحلية الروسية تشتكي فيها من نشاطاتها. عن (هيرالد تربيون)