كلنا جديرون بالوطن.. والوطن يكاد ينفجر بهمومنا ويتحمل أخطاءنا.. هكذا استوعبت الحياة منذ أول وهلة, في البداية كان يراني الأصدقاء والمعارف والمحيطون ابن عائلة ثرية ويتساءلون هل شخص مثلي يمكن أن يكون معبئا بالهموم أو على الأقل له رؤية مميزة للواقع الاجتماعي والسياسي. كنت أصطدم بهذا السؤال فأبتسم أحيانا وأحيانا ينسحب الغضب الى قلبي وتظهر ملامحه واضحة على وجهي وأرد بيني وبين نفسي ولماذا لا أمتلك هذه الرؤية, ربما تكون رؤية مغايرة ومختلفة عن الأغلبية ولكنني في النهاية صاحب الأساطير الاغريقية القديمة أصيب بالمعرفة, ومن يصاب بالمعرفة لايهدأ له بال أبدا ويظل دائما على قلق وكأن الريح تحته كما قال لنا شاعرنا العظيم المتنبي. الاختيار السياسي وضعت هذه المعادلة بيني وبين نفسي وقررت أن أقتحم السينما بشكل مختلف فاخترت أن أقدم السينما السياسية التي تتوغل في الحرية وتهاجم الديكتاتورية بكل أشكالها وتزيح الستار عن الفساد السياسي أينما كان. فكانت أفلامي مهمومة دائما بمعالجة القضايا الاجتماعية الكبيرة وتطرح مدى قلق الانسان بين واقعه الأليم وما يحلم به, والعلاقة بين نظرته الى حياته الخاصة وما يؤمن به في سبيل الانقاذ أو الخروج الى بر الأمان. بدأت في تنفيذ هذه المعادلة منذ أول افلامي (دليل وقضبان) وعبر العديد من أفلامي الأخرى ولعل أبرزه (اعدام قاضي) فكلها أفلام اجتماعية لها طابع سياسي كنت دائما أحاول من خلالها تقديم المشكلات الكبرى والأزمات التي نعاني منها جميعا كمواطنين وكأبناء لهذا الوطن الذي لم تفارقه أبدا الهموم والأحزان. وعندما فكرت في تقديم هذه النوعية من الأفلام قررت أن تكون في صورة سينمائية ممتعة حتى لايصاب المشاهد بالملل والكآبة اللذين يصادفهما في أفلام أخرى . فيلم حياتي وأعتقد أنني استطعت من خلال رؤيتي الخاصة أن أكون مسيرة مميزة لمخرج سينمائي, فأنا جزء من تاريخ صناعة السينما المصرية التي تنتج الأعمال الجميلة وتسبب أيضا أزمات ومنافسات شريفة وغير شريفة, هي مسيرة حياة بأكملها وفي الوقت نفسه مسيرة معاناة شديدة لي وعذاب لاينتهي لكنه عذاب ممتع, فحياتي هي تاريخي وأفلامي هي حياتي نفسها, فبقدر الصراعات والمشاحنات والأحداث المتلاحقة التي أقدمها في أي عمل سينمائي, فإن حياتي الخاصة أستطيع أن أقول انها بالفعل فيلم سينمائي مشحون بالصراعات والتحديات التي أحيانا يتخللها لحظات جميلة وايقاعات هادئة, ولكنها تظل في النهاية حياة مشتعلة. أقول ذلك ونحن نمر بمرحلة سينمائية وأيضا اجتماعية مختلفة, فنحن نمر بواقع الخصخصة وزمن العولمة والقرية الصغيرة. وفي نفس الوقت أصبح لدينا سينمائيين للأسف لايملك معظمهم الثقافة الفكرية الكافية التي تدفعهم لتقديم أفكار وموضوعات جديدة لجمهور بالفعل أصبح جديدا ومختلفا عن جمهور كنا نعرفه في السبعينيات أو الثمانينيات فالصورة بالنسبة للجمهور أصبحت أفضل. لقد أصبح الجمهور أكثر وعيا وادراكا والماما بالثقافة السينمائية. والآن سأحدثكم عن أحدث أفلامي والذي انشغلت بتصويره مؤخرا وهو فيلم (العشق والدم) وهو فيلم يحمل بعدا رمزيا أكثر من أي شئ آخر. ففيه شخصية (نواره) التي تلعبها الفنانة شريهان وهي شخصية حائرة بين الحب والخطيئة.. هي مكبلة بالتقاليد والأطماع وتحلم بالانطلاق من بيئتها التي تشبه الرمال المتحركة وتحاول أن تبتلعها, وهناك أيضا البحار الذي عاش خارج هذه البيئة ويقوم بدوره فاروق الفيشاوي وهو رمز للغرب أو الانسان المقبل من عالم آخر ويحمل أفكارا مغايرة لمجتمعه, أيضا نجد شخصية الزوج الضعيف بدنيا واجتماعيا ويقوم بدوره محمد رياض وهو يبني دائما قصورا من الأحلام أكبر من امكاناته وكأنها قصور على الرمال, كما تصادفنا شخصية (عساكر) التي تجسدها (سهير المرشدي) وهي شخصية قوية تقف صلبة دائما أمام العواصف التي تهب على حياتها. طريق الاحلام وهكذا نجد أن الفيلم بشخصياته ما هو إلا تجسيد مصغر لواقع اجتماعي قد نصادفه في وطننا أو أي مكان آخر في العالم. فرواية (العشق والدم) أتاحت لي الفرصة لأضيف خطوة جديدة في طريق احلامي, فأنا خريج المدرسة التسجيلية وأميل الى التصوير في الأماكن الطبيعية والحقيقية التي تسهم في تكويننا كسينمائيين, ففي هذه الرواية الشارع هو بطلي ولكن الأهم من الشارع هو الانسان الذي يمشي فيه, ولكني مؤمن بأن الفن عموما ليس نقل الواقع نقلا حرفيا, فحتى السينما التسجيلية التي تسجل الواقع إنما تسجله من زاوية المخرج الذي يصنع الفيلم التسجيلي. (العشق والدم) اسم ينطبق على حياة مليئة بالعشق ومليئة أيضا بالصراعات والمذابح على كل المستويات, ففيه أبرز التصادم والتناقض الصارخ الموجود في بلادنا بين القديم والجديد, هذا التصادم أحاول أن أقول من خلاله أن النجاة من مآسينا ليست فقط بالدعوة الى النظرة المستقبلية وإنما أيضا بدفن الماضي بكل أفكاره حتى لو كانت صالحة, لأن الأفكار والمبادئ والنظريات تمر بمرحلة بلوغ كما يبلغ الانسان. والسعادة في الحياة هي أن الانسان لابد من أن يصنعها بنفسه كما يصنع فيلما أو عملا يقوم به, هذا ما أقوله في فيلمي لأننا لو عشنا في هذا الأثر نكون مجرد اناس أموات, لكن الفرق بيننا وبين هؤلاء الأموات أننا نتنفس, ولعلني أستطيع بهذا الفيلم أن أكون قد قدمت شيئا جديدا وأضفت خطوة سينمائية واضحة المعالم, ورسمت على خارطة الوطن نقطة مختلفة تؤكد الحرية وتهزم الفساد وتنتصر لأمثالنا من المثقفين المهزومين والمطحونين دائما. يرويها: أشرف فهمي