الإنسان الأمريكي في داخل بلاده إنسان شديد التواضع, بالغ اللطف, يحب الأنس والصداقة, وجمع المعلومات الغريبة أو الجديدة (First- hand) التي لا تتيحها له الميديا ووسائط التعليم. وكثيراً ما يكون ابداء التواضع سبيلاً لجلب المعلومات من الآخرين, ولكيلا يبدو الأمريكي طفولياً جانحاً إلى اجتذاب المعلومات منك, فانه يتطوع باعطائك بعض المعلومات مقدماً, وفي الغالب يعطيكها من تاريخه الشخصي وتجاربه السالفة.. وتتم العملية التبادلية الدبلوماسي الفظ هذا عن الأمريكي في داخل بلاده. أما في خارجها فتختلف بشأنه احكام الناس, اذ يقول الكثيرون انهم وجدوه مترفعاً واحياناً عنجهياً ـ أما عن سلوك الممثلين السياسيين الرسميين فغالب الانطباع عنهم انهم اجلاف ومتجبرون. وفي مرة لم يتردد احد المسئولين الحزبيين في لبنان عن وصف السفير الأمريكي هناك (بالوقاحة) , مشيراً إلى الاملاءات المذلة التي قدمها لحزب الله حتى يعيد النظر في أعمال المقاومة, ويسلم للإدارة الإسرائيلية, بتقليص تلك الأعمال, ثم الاقلاع والاعتذار عنها وإعلان التوبة النصوح عنها نهائياً. هذا السفير نفسه لو التقيته ببلاده في جامعة, أو ميدان عام, أو مطعم, او سوق, لرأيته يقطر رقة وتهذيباً, ولا يتردد في ان يدخل معك في محادثة طويلة مليئة بالاحترام المتبادل للآراء, في غير ما تعالم أو تعال أو تعسف أو املاء. ليس لذلك التناقض السلوكي الحاد من سبب سوى ان الآخرين, خارج أمريكا قد يشعرون الأمريكي ـ مسئولاً أو غير مسئول ـ بأنه فوق البشر, وبأن مشاكل العالم يتوقف حلها جميعاً على حكمته وقوته واذن فمن حقه على الآخرين. ان يخضعوا له ويمثلوا لارادته, ومثل هذا الافتراض لو قدمته ـ صادقاً ـ لأي دبلوماسي محترف, فانه لن يضيع لمحة واحدة في اهتباله, اذ ان ذلك الافتراض سيزيد في قوته وتعزيز مكانته وقدرته على فرض وجهة نظره. عليك, وعلى الآخرين, وتحقيق مصالحه في كل حال. المكر الأوروبي ولا يظنن الظان ان من يقدمون هذا الانطباع للأمريكان هم حكام عالمنا الثالث وحدهم, بل كثير من قادة اقطار كبرى بأوروبا وآسيا يفعلون ذلك, ويصفون الأمريكان بالايثار على أنفسهم, واذ انهم يحشدون معظم بنود ميزانية الدفاع السنوية (قرابة ثلاثمئة مليار دولار) بمخصصات لحماية حلفاء أمريكا, واقل تلك البنود هو ما يخصصونه لحماية امريكا نفسها, ولذلك ـ يقول هؤلاء ـ فان: امريكا تهدر أكثر مواردها الاقتصادية في سبيل أمن العالم, مثلما كانت من قبل تعرض نفسها لخطر الهجوم النووي السوفييتي, بسبب تشبثها بحماية أوروبا الحرة!. هذه الانطباعات المغرية: تبدد أي تواضع في ذهن أي مسئول أمريكي, ممن يتجولون في عواصم الدول الأخرى, وقد عاد كثير من اولئك المسئولين ـ وأكثرهم دبلوماسيون محترفون ـ ليزرعوا تلك الانطباعات في اذهان المواطنين العاديين, وتبنوا لاجل ذلك حملة إعلام محكمة في شبكات التلفزة الكبرى وهي شبكات تتحرك ابداً بتخطيط خفي ذكي, لا يدرك اجندته ومساراته الا من ادمنوا على تعاطي التحليل السياسي بأسلوب دوري, ليدركوا من فورهم سبب انبثاق اجندة جديدة, أو تبني توجه أو مسار جديد. وقد كان صمويل هنتخبتون, وهو احد الموجهين النظريين الرئيسيين للسياسة الخارجية الأمريكية, وراء تلك الحملة الترويجية, اذ كتب يلخص حيثياتها باحكام قائلاً: (ان العالم من دون قيادة الولايات المتحدة له لن يلبث ان ينجر إلى بحار متلاطمة من الصراع العنيف, والفوضى الضاربة الاطناب, حتى تتحطم الديمقراطيات, وتنهار الاقتصاديات لمعظم بلدان العالم. ولاجل الحيلولة دون كل ذلك فلا مناص من ان تتصدى امريكا لقيادة العالم نحو الأمن والديمقراطية والرخاء. الفيدرالية العالمية وفي مسعى من هنتخبثون لاكمال نظرية سلفه في امامة فكر العلاقات الدولية ـ هانش مورجانثو ـ فقد أوحى بأن فكرة مورجانثو بضرورة وجود الحكومة المعالمية لاجل حفظ الأمن الدولي, فكرة صحيحة, وقد آن وقت انجازها, ولذا فعلى أمريكا الا تدع تلك الفرصة السانحة تفلت من بين ايديها, وعليها الآن لا غداً ان تسعى لتكوين (فيدرالية) عالمية ضخمة, تكون هي مركزها وعاصمتها, وتتمدد اطرافها على مختلف القارات ويدخل فيها من دول العالم ما يشاء, ومن يأبي يذوق امر العذاب (كدول العالم الإسلامي والصين.. أو المسلمون والكونفشيوسيون) كما قال! وبالطبع فقد عاد د. هنتخبتون وتخلي عن دعوته تلك لفرض القيادة الأمريكية على العالم, بعدما رأي من تمادى البعض في قبولها بغرور مطلق, تماماً مثلما عاد د. جورج كينان مخطط سياسة حصار الاتحاد السوفييتي, عن كثير من فرضيات تلك السياسة, بعدما اتضح له خطؤها, واتضح له في نفس الوقت تمادى ومبالغه بعض السياسيين ـ كتكسون ـ في قبولها وتنفيذها بهوس وتنطع شديد. ان امريكا متمسكة ولاشك بفرضها لهيمنتها على العالم, ولا ترضى بأن تضيع فرصة ضخمة مثل تلك التي حازتها فجأة بسقوط الاتحاد السوفييتي السابق. ولكن الحساب العقلاني لفوائد تلك الهيمنة لن يلبث ان ينقرط كما لاحظ ذلك هنتخبتون وآخرون. فهاهم الأوروبيون يستفيدون من هيمنة امريكا على العالم اكثر مما تستفيد هي من ذلك, لذلك السبب فان الأوروبيين قد دأبوا على تغذية (غرور) الأمريكيين اكثر واكثر بوضعيتهم تلك في قيادة العالم بلا منازع, حتى قال قائلهم: هنيئا لكم.. تلك الوضعية الفريدة التي لم تتهيأ لدولة اخرى قط منذ عهد الامبراطورية الرومانية ولم يحذر ذلك القائل امريكا من مغبات ماحدث لتلك الامبراطورية, التي استمرأت وضعية القيادة والاجتياح للمعارضين, حتى ادى ذلك إلى اهتراء قواها وانهيارها على ايدي الغاضبين. في غضون الطرب الأمريكي بقيادة العالم, تتجه أوروبا إلى التوحد اقتصادياً بما يهدد قوة أمريكا الاقتصادية, وتتجه دول أوروبا إلى تقليص ميزانياتها العسكرية باطراد, طالما ان امريكا تقوم بواجب حماية وإدارة النظام العالمي بالنيابة عنها, وتقوم بالتدخل حتى في قلب أوروبا نفسها, كما حدث في أزمتي يوغسلافيا في البوسنة وكوسوفو, لاقرار السلم والأمن الاقليمي الأوروبي. حلم المجد وفي آسيا وافريقيا تسعى دول كثيرة لاستغلال أمريكا وتسخيرها لتنفيذ أهدافها القومية. وبعضها لا يدفع ثمناً أكثر من التصويت لصالح القرارات الأمريكية في المنظمات الدولية, وهو ثمن لم تعد أمريكا تحتاج إليه كثيراً بعد سقوط الاستقطاب السابق في النظام الدولي, وبعضها يحاول ان يوهم امريكا بوجود مؤامرة عليها من دولة اخرى, هي عدو له في الحقيقة لا لأمريكا. ونفس الدولة الأخرى المتهمة تجدها تسعى لنيل الدعم الامريكي ضد الدولة الشاكية بنفس دعوى التآمر, كما حدث ذلك أخيراً بشكل مكشوف ومضحك في حروب بعض الدول الافريقية. والغريب ان امريكا انساقت مع كل تلك الدول, وقامت بدعمها معاً حتى وهي تتحارب, فهي لا تريد ان تغضب اياً منها, طالما انها جميعا مؤمنة ومسلمة بزعامتها, وقيادتها, ولا تفكر مجرد تفكير في التمرد عليها أو انتهاج خط لا يرضيها, أو اطلاق عبارات النقد ضدها, أو سحب عبارات التودد اليها!! هل الانتفاخ بحلم الهيمنة يخدر عقلانية الأمريكيين إلى هذا الحد؟! ويوهمهم بأن الهيمنة هدف في حد ذاته, حتى ولو ادى على المدى الطويل إلى سياسات متضاربة وخسائر متراكبة؟! هذا ما قد يراه الرائي في تصرفات كثيرة, تتلاءم مع الحساب العقلاني في تخطيط السياسة الخارجية الأمريكية.