تتمايز المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في سنتها الماضية بمجموعة من الحالات الغرائبية, كان اشدها سطوعا انتقالها الى حالة اشبه ما تكون بحرب الاعصاب والاستنزاف السياسي المنوط بالتهديدات المتبادلة والمرهون بمجمل الظروف الداخلية التي يعيشها الجانبان المتفاوضان, اذ تبرز في الجانب الاسرائيلي حرب داخلية تبدو صورها بشكل واضح من خلال الصراع الحزبي القائم بل المتفجر في اسرائيل, مما ادى الى انتكاسات واضحة على مسيرة العملية ايهود باراك. وبذلك فإن الجانب الفلسطيني بدأ يشعر بعدم جدية اسرائيل في المرحلة النهائية بل لعله ادرك ان المواقف الاسرائيلية لها ابعاد مستقبلية مما دفع السلطة الفلسطينية الى اتخاذ مجموعة من المواقف تعتبر الاصعب والاوضح خلال مراحل العملية التفاوضية منذ اتفاق اوسلو, وهي الثبات على اسس لا تستطيع التخلي عنها اصلا. حدود الدولة وفيما يجري في الساحة الفلسطينية فإن السلطة بدأت تشعر بخطورة مواقف باراك وتهديداته ولاءاته المتشددة والكثيرة, واهمها: (لا للعودة الى حدود 1967, لا للتخلي عن القدس عاصمة موحدة لاسرائيل, لا لعودة اللاجئين, لا لازالة المستوطنات, لا للدولة الفلسطينية) . وهذه اللاءات ازدادت تعقيدا عندما اطلق المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية (الياكيم رونشتاين) قنبلته الجديدة بإعلانه ان قراري مجلس الامن 242 و338 لا ينطبقان على المفاوضات مع الفلسطينيين لانهما لا يتعلقان الا بالدول التي لها حدود معترف بها. ضمن هذه الصورة الواضحة من التعقيدات المتشابكة وجدت السلطة الفلسطينية انه من المهم في هذه المرحلة التحرك باتجاه اعلان الدولة الفلسطينية, ولعله من المفيد ان نقف على المسائل الجوهرية وعلى رأسها مسألتان بارزتان. الاولى تتمثل في نمطيتها التاريخية لاعلان الدولة فالواقع ان هذا الاعلان لن يكون اعلان استقلال كما تتصور بعض الجهات الاسرائيلية التي ترى انه سيكون اعلانا اخر بعد اعلان الاستقلال في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة عشرة المنعقدة بالجزائر بتاريخ 15 نوفمبر 1988, وحينها استطاع هذا الاعلان اكتساب تأييد اكثر من مئة دولة في العالم. واذا ما تم اعلان الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر المقبل فإنه لن يكون فقط على المناطق المستعادة حتى الآن, بل يجب ان يشمل كامل الاراضي المحددة والمعترف بها دوليا حسب القرار الدولي 242, اي حدود الرابع من يونيو 1967. وامام هذا الشكل الواقعي من اعلان الدولة فإن اسرائيل لن تستطيع بسط سيطرتها على المناطق غير المحررة رغم تهديدها بذلك. صلاحيات اوسلو ولعل المسألة الثانية التي يجب ان ننظر اليها هي نمط التأجيل في اعلان الدولة الفلسطينية. ففي اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الاخير رأينا وجهتي نظر في تحديد تاريخ اعلان الدولة, الاولى تتمسك بتاريخ مقدس وهو الثالث عشر من سبتمبر وعبر عن ذلك معظم اعضاء المجلس وخاصة اعضاء الجبهتين الشعبية والديمقراطية والاتجاه الثاني يرى ارجاء الموعد الى 15 نوفمبر من هذا العام. وبذلك بدأت الاوراق تختلط منذ البداية, وكان بعض اعضاء المجلس قد تناسوا ما حصل عندما هددت السلطة الفلسطينية بإعلان الدولة بعد انتهاء التاريخ الزمني وليس الفعلي, اي استحقاق الرابع من مايو عام 1999 وهو تاريخ انتهاء المرحلة الانتقالية ومن المهم ان نذكر ما جاء في اتفاق (اوسلو 2) في المادة الثانية من البند الرابع والتي ترى ان الصلاحيات المعطاة لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية والمجلس التشريعي ينتهي مفعولها في الرابع من مايو 1999, فهذه الصلاحيات معطاة بحيث لا تتجاوز خمس سنوات بدءا من توقيع الاتفاق في 4 مايو 1994, ورأينا كيف كانت صورة تأجيل الاعلان وكيف ظهر فجأة المشروع الامريكي الذي يدعو الى استمرار التفاوض. فهل ستكون قمة (كلينتون, عرفات, باراك) اسقاطا مباشرا لما حصل في مايو 1999؟ الواقع ان التحرك الامريكي الاخير يرى بأن استمرار المفاوضات يبقي الوضع الراهن على ما هو عليه, وبالمقابل هو حل يرضي اسرائيل اي انها ترى شكلا من اشكال الحكم الذاتي الفريد والعجيب في اراضي السلطة الفلسطينية, وهو ما يرفضه الفلسطينيون خوفا من وقوعهم في مطب الحكم الذاتي الذي لا ينتهي. فلذلك ترى السلطة الفلسطينية نفسها امام خيارين الاول الاستمرار في المفاوضات مما يعني تأجيل اعلان الدولة حتما والثاني هو اعلان الدولة مما يفتح الباب لحالة من التصادم والصراع الجديد مع اسرائيل, فتكون المعركة في هذا الجانب مختلفة ولها اسس جديدة تتجلى بداية في الحالة القانونية لاعلان الدولة. المرجعية القانونية ان اعلان الدولة الفلسطينية يستند الى مرجعية قانونية, وصحيح ان هذه المرجعية رفضت في وقتها لكنها لا تزال قائمة واول تبيان قراءتها مستمد من قرار التفسيم الدولي رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر عام 1947, حيث جاء في الفقرة (ب) البند الثالث: (تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية واليهودية والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس... على ألا يتأخر ذلك في اية حال عن 1 اكتوبر 1948, اما حدود الدولة العربية والدولة اليهودية ومدينة القدس فتكون كما وضعت في الجزأين الثاني والثالث..) . وقد حدد الجزء الثاني الحدود على الشكل التالي: الدولة العربية 44.5% من مساحة فلسطين الدولة اليهودية 55.5% من مساحة فلسطين. والقدس خاضعة لنظام دولي خاص كيان منفصل (Corpus Separatum) وبالطبع فإن القرار لا بقصد القدس الشرقية. ومهما يكن فإن هذا القرار الذي رفضه العرب والفلسطينيون وما زال مرفوضا من قبل قطاعات فلسطينية وعربية واسعة هو صيغة قانونية دولية لاعلان دولة فلسطين. وجاء قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 273 الذي قبل اسرائيل عضوا في الامم المتحدة في 11 مايو 1949 مؤكدا للقرارين 181 (قرار التقسيم) و194 (قرار عودة اللاجئين) حيث جاء فيه (ان الجمعية العامة.. تذكر بقراراتها رقم 181 ورقم 194 واذ تأخذ علما بالتصريحات وبالايضاحات التي صدرت عن ممثل حكومة اسرائيل امام اللجنة السياسية الخاصة فيما يتعلق بتطبيق القرارات المذكورة..) . ولعل القرار الدولي 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967 يضمن كذلك قانونية اعلان الدولة الفلسطينية من خلال المبدأين الاول والثاني من الفقرة الاولى حيث نقرأ: أ ـ (انسحاب القوات المسلحة الاسرائيلية من الاراضي التي احتلتها في النزاع الاخير) . ب ـ (انهاء ادعاءات او حالات الحرب واحترام واعتراف بسيادة ووحدة اراضي كل دولة في المنطقة) . بقلم: محمد احمد يوسف كاتب فلسطيني مقيم في دمشق