تتجه الانظار اكثر فأكثر, وينصب الاهتمام, عربيا وعالميا, نحو التطورات المستجدة على الساحة الفلسطينية واحتمالات المسار التفاوضي الفلسطيني الاسرائيلي وتداعياته مع اقتراب الموعد المحدد لاعلان الدولة الفلسطينية والتهديدات المتكررة من جانب اسرائيل في حالة الاعلان عنها من جانب واحد, وما يطرحه ذلك من امكانية المواجهة المباشرة وعودة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية, وربما بشكل اكثر عنفا وحدة. وفي اطار استطلاع الاراء والتحليلات حول هذه التطورات وتداعياتها المحتملة خاصة في اطار القمة الثلاثية الامريكية الاسرائيلية الفلسطينية في كامب ديفيد, التقى (الملف) الخبير الجزائري في النزاعات الدولية الاستاذ في جامعة الجزائر الدكتور محمد بوعشة حيث اجرينا معه الحوار التالي: * هل تحسم القمة الثلاثية في كامب ديفيد مسألة اعلان الدولة الفلسطينية؟ وما مدى فاعلية الدور الامريكي خلال الفترة المتبقية من ولاية كلينتون؟ ـ اريد اولا ان اشكر جريدة البيان على اتاحة هذه الفرصة للصوت الجزائري ليساهم في هذا الملف الذي عشناه بكل جوارحنا ولا نزال, اعني ملف القضية الفلسطينية. اما فيما يخص المحور الاول من هذا الملف فإني اعتقد انه تصعب الاجابة على هذا بشكل دقيق على اساس ان قمة كامب ديفيد (الثانية) سوف تتحاور في قضية الدولة الفلسطينية المقبلة وان الحوار سوف يكون صعبا, فلليهود محددات وشروط معينة وللفلسطينيين ايضا حقوق يطالبون بها منذ امد بعيد, وان التسرع في ايجاد حل بطريقة غير مدروسة, وغير عقلانية لا يمكن ان يخدم العملية السلمية في الشرق الاوسط, ولا سيما على المسار الفلسطيني ولذلك اعتقد ان الفلسطينيين مضطرون للتنسيق مع الاسرائيليين ولا سيما امريكا الحليف الطبيعي والتقلدي لاسرائيل ومن ثمة فإنه من مصلحة الامريكيين ان يضغطوا على الاسرائيليين والفلسطينيين لايجاد حل قد يرضي الطرفين ولكن هناك نقطة اخرى, الامريكيون مطالبون ايضا بالنسبة للعرب ان يضغطوا اكثر على اسرائيل على اساس انها الطرف الذي يحتل الارض, والذي يحتل الارض معناه لديه ـ اكاد اقول ـ هذه القوة التي تفرض على الفلسطينيين الاستجابة لمطالبهم, وعلى الامريكيين ان يسهلوا الحوار, وايجاد حل منصف ولا سيما بالنسبة للفلسطينيين لاقامة دولتهم المستقلة. يبقى شيء آخر في هذه النقطة وهو ما هي العاصمة التي ستكون للدولة الفلسطينية المستقلة؟ وهذه كما هو معروف مسألة خلاف بين الفلسطينيين والاسرائيليين, وكذلك مسألة خلاف في الاطار الدولي, حيث نجد العديد من الدول غير موافقة ان تكون القدس عاصمة لفلسطين المستقلة في حين نجد في المقابل دولا اخرى تقف الى جانب القضية الفلسطينية على اساس ان تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة المنتظرة. اما الشق الثاني من السؤال فإن السياسة الامريكية معروفة في هذه الفترة الحرجة لانها فترة انتخابات ومن ثمة فإن دور الرئيس كلينتون في هذه القضية سوف يكون مجتهدا جدا لمساعدة المرشح الديمقراطي على الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة وفي هذا الاطار يستغل القضية الفلسطينية او الصراع العربي الاسرائيلي لخدمة هذه النقطة بالذات. اما دوره من الناحية الفعلية فاعتقد انه سيكون دورا ثانويا محددا وان المسألة سوف تطرح بشدة بعد فوز الرئيس المقبل. * وهل يعني اعلان الدولة من جانب واحد اندلاع المواجهات من جديد بين الفلسطينيين واسرائيل وربما في المنطقة بشكل عام؟ ـ طبعا المواجهات بين الفلسطينيين والاسرائيليين مستمرة, حتى اليوم هي مواجهات في شكل مناوشات, في شكل اعتقالات في شكل انفجارات وهي مستمرة كما قلت حتى يومنا هذا, ولكني اعتقد انه بخصوص مواجهات في المنطقة فلا اعتقد ذلك, لأنه ليست هناك دولة عربية على مستوى المنطقة كلها, مستعدة لخوض صراع مع اسرائيل من اجل الفلسطينيين. كلنا يعرف ان القضية الفلسطينية استغلت بشكل او بآخر من طرف معظم الدول العربية في خدمة الصالح الخاص, ولذلك استبعد هذه المسألة اي وقوع نزاعات او حرب او ما شابه, بين العرب واسرائيل. * ما مصير القضايا الرئيسة (القدس, اللاجئون, المستوطنات) في حال اعلان الدولة دون موافقة اسرائيل؟ ـ ربما لا نستطيع الدخول في هذه المعطيات على اساس ان اسرائيل قائمة وهي المتحكمة في الوضع ـ اقولها بصراحة ـ وان الفلسطينيين ليس لهم هذه القوة التي يمكن من خلالها ان يفرضوا دولتهم المستقلة على اسرائيل اولا, ضف الى ذلك ان الرأي العام الدولي, خاصة الرأي العام المؤثر يقف الى جانب اسرائيل لا سيما امريكا واوروبا الغربية وعليه فإن اسرائيل يمكن ان تؤثر فعلا في ابقاء القدس معلقة واللاجئين والمستوطنات كل ذلك معلقا من خلال تحريك المعارضين للعملية السلمية في اسرائيل. * كيف سيكون رد الفعل العربي, وخاصة مصر, اذا رفضت اسرائيل قيام الدولة الفلسطينية؟ وما مستقبل العملية السلمية في هذه الحال؟ ـ انا اجبت منذ قليل على اساس ان (مصر) وقوفها او دخولها في الحرب مع اسرائيل مستبعدة جدا, مصر تراهن على العملية السلمية لانها تخدمها بشكل افضل وتخدم المصلحة المصرية ايضا بشكل واضح والمصريون بالمناسبة اذكياء, وقد استطاعوا اولا الخروج من الصراع العربي الاسرائيلي بإعادة سيناء ثم ايضا وظفوا العملية السلمية بذكاء, كذلك وظفوا حرب الخليج الثانية بذكاء وقد استفادوا في مسح الديون وبالمساعدات العديدة لذلك يمكن لمصر ان ترغب ضمن اطار سلمي, في تحريك العملية السلمية للضغط على اسرائيل اما دورها من ناحية استعمال السلاح والقوة, فهذا بعيد جدا. * ما هي ردود الفعل الدولية المنتظرة خاصة من قبل القوى المؤثرة كالاتحاد الاوروبي والصين على سبيل المثال؟ ـ هناك الكثير من الدول الاوروبية التي تؤيد هذا السعي بتحفظ كما هو الحال لفرنسا, وكثير من الدول الاوروبية في الشمال الاوروبي, ولكنها لن تذهب في الضغط على اسرائيل الى الدرجة التي يمكن من خلالها ان تقام الدولة الفلسطينية حقا, ولكن دورها يمكن في مستوى المساعدات المالية وفعلا حتى الآن نجد ان الممول الحقيقي الرئيس هو الاتحاد الاوروبي وامريكا فقط هي المؤثر السياسي, اما الصين فأقول انها منذ حرب الخليج الثانية اصبحت تتأرجح في موقفها فهي لا تريد احراج الولايات المتحدة زعيمة النظام الدولي الراهن, من ناحية كما انها لا تريد من ناحية ثانية المس بمصالحها الموجودة على الساحة العربية, وهي الآن مصلحتها في ضمان العلاقات التجارية مع امريكا والتي تصل الى عشرين مليار دولار, ولذلك فإن مصالح الصين مع العالم العربي الاسلامي لا تتجاوز الاربعة او الخمسة مليارات, ولهذا استبعد ان يكون للصين ذلك الثقل الذي تؤثر وتضغط به خاصة وان لها علاقات قوية مع اسرائيل خاصة في الاسلحة ناهيك عن بعض النواحي التجارية وغيرها. موقف الصين اذا واضح خاصة منذ حرب الخليج الثانية, التي لم نجد لها اي موقف صارم ومؤثر, وانسحبت حتى من اتخاذ بعض القرارات على مستوى مجلس الامن حيث امتنعت عن التصويت وهذا في نظري يكفي لوصف الموقف الصيني بخصوص القضية الفلسطينية بشكل عام والدولة الفلسطينية المنتظرة بشكل خاص, وهي من حيث المبدأ موافقة وتؤيد هذا المسعى ولكن يبقى ذلك مسعى سياسيا ليس إلا!! * ما هو دور المجلس المركزي الفلسطيني وقرارات اجتماعه الاخير على مسار الاحداث والتطورات؟ ـ أقول ان في المجلس الوطني الفلسطيني بعض قوى المعارضة وفيه بعض التيارات التي ترفض المسعى العام, وترفض حتى الموقف الاسرائيلي ولكني اجد بشكل عام ان عرفات وحركة فتح هي التي تسيطر على الموقف ومن ثمة فإنها سوف تسير وراء ما يقول عرفات في مسعى الدولة الفلسطينية او في مساع اخرى, وليس هناك اية معارضة. اما المعارضة الاخرى فيمكن ان نلمسها بشكل جدي على مستوى الحركات الاسلامية وكذلك الى حد ما على مستوى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي كان يقودها جورج حبش. وهذه ايضا لها مواقف تقترب الى حد ما مع سوريا وطبعا سوريا الآن تتريث في العملية السلمية رغم اعلانها الاستعداد لاستنئاف المفاوضات. * هل يعني اعلان الدولة وموافقة اسرائيل, انهاء الصراع العربي الاسرائيلي كليا؟ ـ يصعب الاجابة على هذا السؤال, اتصور ان اعلان الدولة الفلسطينية سوف يأتي يوما ما بعد الموافقة الاسرائيلية اما الصراع فإن من الصعب القول بأنه سوف ينتهي, حتى اذا انتهى على الصعيد العسكري والحروب فإنه يستمر على الصعيد التجاري, ثم على الصعيد الحضاري والثقافي وطبعا اليهود يدركون الثقل الحضاري والثقافي العربي وهم بالتالي يخططون لهذه المسألة على اساس عدم احتواء هذا الثقل الحضاري العربي وان لهم حضارة وثقافة ويعملون على ان يكون لهم موقع في هذه المنطقة من العالم العربي, وعليه فإنه على مستوى هذه المسألة فسوف يبقى الصراع متواصلا, هذا الصراع يمكن ان يؤدي مستقبلا الى انتقال الصراع من هذا المجال الى العولمة الجديدة, الى الصراع على المستوى السياسي من جديد ولا ادري هل يمكن ان يندمج هذا مع ذاك: اليهودية في الهوية العربية او العكس مع التأكيد على صعوبة ان تندمج الهوية العربية في الاسرائيلية اليهودية. * بماذا يختلف الاعلان المنتظر عن اعلان الدولة الفلسطينية عام 1988 في الجزائر من الناحيتين الاساسية والقانونية؟ ـ الاعلان عن الدولة الفلسطينية في الجزائر عام 1988م كان مرتبطا بالاعتراف بالدولة الاسرائيلية, وفقا لقرارات الامم المتحدة ولاسيما 242/338. ومن ناحية اخرى في ذلك الوقت كان العرب والفلسطينيون يبحثون عن مسار معين, عن اطار للتفاوض مع الاسرائيليين, هذا التفاوض حصل. اعلان الجزائر اذن انتهى, والاطار الذي حكمه انتهى ايضا, والان هناك شروط اخرى, شروط دولية اخرى, واقع عربي اخر, وعليه فإن اعلان الدولة اليوم يكون قد مر بعد عملية سلمية, واتفاقات عديدة, بعد عوائق امام هذه العملية, السلمية, وعليه فالمسألة في حال اعلان الدولة الفلسطينية, لن تكون في تقديري على اي علاقة مع ظروف اعلان الجزائر عام 1988. حاوره في الجزائر: محمد دحو