قبل أيام قليلة أعلن المجلس المركزي الفلسطيني ان الثالث عشر من سبتمبر المقبل سيكون اعلان الدولة الفلسطينية, وذلك استنادا للحق الطبيعي وإلى قرارات الشرعية ذات الصلة وفي مقدمتها القراران 242 و 338 والقرار ,181 وإلى وثيقة الاستقلال في الجزائر في نوفمبر عام ,1988 واذا كان المجلس قد تراجع نسبيا بعد ذلك عندما نوه الى ان الثالث عشر من سبتمبر ليس موعدا مقدسا وأنه يمكن ان يتأخر الى منتصف نوفمبر, فالملاحظ ان الدنيا قد قامت غيره من المسئولين الاسرائيليين ان اعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد سيكون مجرد حبر على ورق, وأنه حتى لو اعترف العالم كله بهذه الدولة فلن تكون مستقلة ما لم يعترفوا بها. هذا المناخ من التوتر الذي ساد خلال الأيام الماضية جعل المسئولون في الادارة الأمريكية يسارعون بالاعلان عن القمة الثلاثية في كامب ديفيد, كما سارعت مصر الى عقد لقاءات مع كل من ياسر عرفات وباراك من أجل احتواء الموقف والدفع باتجاه تنشيط مسيرة التسوية وحتى لاتحدث انتكاسة كبيرة لها تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. (الملف) التقى الخبير الاستراتيجي الدكتور عماد جاد والدكتور حسن بكر أستاذ العلوم السياسية لالقاء الضوء على الكثير من القضايا المتعلقة بموضوع الدولة ومنها امكانية اندلاع المواجهات من جديد بين الفلسطينيين والاسرائيليين في حالة اعلان الدولة من جانب واحد, ومصير القضايا الرئيسية القدس واللاجئون وغيرها في هذه الحالة, وماذا سيكون عليه رد الفعل العربي اذا رفضت اسرائيل قيام الدولة ومستقبل العملية السلمية, وما هي ردود الفعل الدولية المنتظرة خاصة من قبل القوى المؤثرة كالاتحاد الأوروبي والصين على سبيل المثال, وهل يعني اعلان الدولة وموافقة اسرائيل انتهاء الصراع العربي الاسرائيلي كليا؟ وبماذا يختلف الاعلان المنتظر عن اعلان الدولة الفلسطينية عام 1988 في الجزائر. نتائج ملموسة بداية يرى الخبير الاستراتيجي الدكتور عماد جاد ان كلا من اسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية يفضلان اعلان الدولة الفلسطينية دون اتفاق, واذا كانت السلطة الوطنية قد أعلنتها من خلال المجلس المركزي فإنها تقصد من وراء ذلك مجرد الضغط على اسرائيل والولايات المتحدة من أجل تنشيط المفاوضات للوصول الى نتائج ملموسة تحقق مطالب الشارع الفلسطيني, وإلا ستقوم السلطة باعلان الدولة من جانب واحد وعندها من المنتظر ان تعم الفوضى وتتراجع الثقة في عملية التسوية ككل, وأن تحدث مواجهات من الشارع الفلسطيني الذي ينتظر تحقيق أي تقدم قبل ان يفكر في نموذج المقاومة في جنوب لبنان, وخاصة أنه ينتظر منذ ما يزيد على العشر سنوات دون تحقيق التقدم. الذي يأمله الفلسطينيون. ففي فترة تولي نتنياهو السلطة في اسرائيل تم توقيع واي ريفر ولم يتم تنفيذ سوى مرحلة واحدة من المراحل الثلاث التي كان تم الاتفاق عليها, وعندما جاء باراك صمم على توقيع اتفاق جديد مع الفلسطينيين فكان اتفاق شرم الشيخ ولكنه لم ينفذ كله أيضا, ولذلك فمن الواضح ان تأكيد السلطة الوطنية الفلسطينية على اعتزامها اعلان الدولة في سبتمبر المقبل هو مجرد مناورة ومحاولة للضغط وتأكيد ان الأمور اذا استمرت على هذا الوضع من عدم احراز أي تقدم في مسيرة التسوية فإن العواقب ستكون وخيمة, وسوف تحدث مواجهات واسعة النطاق تشبه الى حد ما انتفاضه عام ,87 بل ستكون أشد لوجود السلطة الوطنية في الداخل, ولو حدث وأخذت اسرائيل خطوة مضادة وانتقامية من السلطة وكما سبق وأن أعلنت وهددت عندما أكد الفلسطينيون على اعلان الدولة في سبتمبر المقبل, فإن التوتر سيزداد وسيكون لذلك تأثيره السلبي الكبير على عملية التسوية. وعن رد الفعل العربي المتوقع في هذه الحالة يقول الدكتور عماد جاد: من الممكن ان تحدث فوضى في جنوب لبنان وتعود أعمال المقاومة هناك مرة أخرى, كما يمكن ان تحدث أعمال عنف داخل حدود المناطق التي يسكنها عرب ,48 فضلا عن اعادة النظر في العلاقات العربية الاسرائيلية بشكل عام, وخلق جو من عدم الثقة لدى الجانب العربي وبعدها يصبح هناك صعوبة في العودة الى مائدة المفاوضات, واذا وصلت الأمور الى حدوث مواجهات شديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وحدثت انتكاسة لعملية التسوية فمن المتوقع ان تأخذ مصر الجانب الفلسطيني, ولكن مع ذلك فمن الواضح ان مصر تحاول جاهدة هذه الأيام من أجل تشجيع الطرفين للتوصل الى اتفاق والحيلولة دون الاعلان عن قيام الدولة من جانب واحد لأنها تدرك جيدا مخاطر ذلك ومن هنا كانت اللقاءات التي أجراها الرئيس مبارك مع كل من عرفات وباراك مؤخرا. إن مصر ملتزمة بتأييد الدولة الفلسطينية في حال اعلانها وحشد التأييد الدولي لها, ولكنها في الوقت نفسه تدرك حجم التوتر الذي سيحدث في المنطقة لو أقدمت السلطة الوطنية على القيام بذلك دون الاتفاق مع السلطات الاسرائيلية. تكثيف الضغط ويضيف الدكتور عماد جاد: ومما يوضح ان السلطة الوطنية تريد من وراء هذه الخطوة الضغط على الطرف الآخر وأنها تدرك جيدا حجم المخاطر التي قد تحدث إذا هي فعلت ذلك دون الاتفاق مع الاسرائيليين هو تصريحات بعض المسئولين الفلسطينيين بعد ذلك وتلميحهم ان موعد الثالث عشر من سبتمبر المقبل ليس موعدا مقدسا وأنه قد يتأخر الى نوفمبر وهو ما يعد مؤشرا على ان السلطة بامكانها التراجع عن هذه الخطوة إذا أقدمت اسرائيل على تنفيذ بعض مما تم الاتفاق عليه من قبل مثل اطلاق المعتقلين, وتنفيذ المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار. وحول موقف القوى الداخلية في اسرائيل من موضوع اعلان الدولة يقول الدكتور عماد جاد: هناك اتفاق بين قوى اليسار واليمين في اسرائيل على ضرورة ان يكون اعلان الدولة الفلسطينية من خلال اتفاق مع اسرائيل, وبالتالي فإن اقدام الفلسطينيين على الخطوة يعد خروجا من مسيرة التسوية السلمية, وعندها سوف تطلب القوى السياسية داخل اسرائيل من الحكومة ضرورة استعادة الأراضي التي سبق وأعطوها للفلسطينيين وسيكون موقفها متشددا في هذا الشأن وخاصة اليمين الاسرائيلي. مباركة أمريكية وفيما يتعلق بموقف الأطراف الدولية كالاتحاد الأوروبي وبعض القوى الأخرى كالصين على سبيل المثال من اعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد, يوضح الدكتور عماد جاد ان الاتحاد الأوروبي يلتزم أمام نفسه بقرارات الشرعية ومن المفترض أنه سيعترف بالدولة الفلسطينية, ولكنه في الوقت نفسه يدرك جيدا أنه لو تم ذلك بدون مباركة أمريكية ومشاركة اسرائيلية فإنه سيكون مدمرا ومهددا للاستقرار في المنطقة, ولذلك فهو يعمل جاهدا على ألا تعلن الدولة من جانب واحد وأن يتم ذلك بالاتفاق مع الاسرائيليين, أما بالنسبة للقوى الدولية ومنها الصين فلها علاقات استراتيجية مع اسرائيل ولن تضحي بها فهناك علاقات تعاون في مجال تكنولوجيا الأسلحة بين الصين واسرائيل ولايوجد مقابل ستحصل عليه الصين إذا هي أخذت موقفا معاديا لاسرائيل, وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا التي تتهم دولا عربية عديدة بمساعدة الثوار الشيشان, فكيف تأخذ موقفا مؤيدا لمواقف الطرف العربي؟ وعن رأيه في ان اعلان الدولة الفلسطينية بموافقة اسرائيل يعد بمثابة نهاية للصراع العربي الاسرائيلي يشير, الى ان انتهاء الصراع يعتمد على حل جميع المشاكل الخاصة باللاجئين والقدس والمياه وغيرها, والانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة في عام ,67 وبدون ذلك لن تكون هناك تسوية عادلة أو انتهاء للصراع لأن الطرف العربي لن يقبل بأقل من ذلك. وفي النهاية يعتقد الدكتور عماد جاد ان هناك اختلافا كبيرا بين اعلان الدولة في عام 88 والاعلان المنتظر في عام 2000 حيث ان الاعلان السابق كان في الجزائر وهو على غرار اعلان حكومات المنفى, أما الاعلان الحالي فقد صدر من مجلس مركزي فلسطيني يتمتع بالشرعية على أرضه وتم انتخابه, وتوجد الآن سلطة شرعية, وياسر عرفات يعامل كرئيس دولة, أما وقت الاعلان السابق فكانت منظمة التحرير الفلسطينية لاتزال تعامل كمنظمة ارهابية.. لقد جاء قرار الاعلان عن الدولة هذه المرة من خلال المجلس المركزي وهو الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وقراره لابد ان يؤخذ على محمل الجد, ومن هنا كان رد الفعل الاسرائيلي العنيف. خطوات أكثر ايجابية ومن جانبه يشير الدكتور حسن بكر أستاذ العلوم السياسية الى ان عدم اعلان الدولة الفلسطينية في الموعد الذي حدده المجلس المركزي الفلسطيني يعد مضيعة للوقت, وخاصة ان هذا الموعد لم يأت فجأة فقد تم تحديده بشهر مايو 98 طبقا لاتفاق أوسلو ولكن تم التأجيل وقتها, أما الآن فليس هناك ما يدعو للتأجيل مرة أخرى فالرئيس كلينتون لم يعد أمامه إلا شهور قليلة حتى يغادر البيت الأبيض وهو الآن في وضع أفضل حيث اختفت وتوارت الفضائح التي كادت تهدد مستقبله السياسي ومن هنا فهو يمتلك القدرة على اتخاذ خطوات أكثر ايجابية في اتجاه اعلان الدولة الفلسطينية, وخصوصا ان اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والذي كان يمكن ان يقف في وجه هذه الخطوة هو الآن في موقف أضعف من ذي قبل, وهناك خلافات موجودة حاليا بين الادارة الأمريكية واسرائيل بسبب صفقات السلاح بين اسرائيل والصين والتي تعارضها بشدة الولايات المتحدة, أيضا لقد استنفذ القادة العرب جميع الوسائل للتعامل مع اسرائيل دون التوصل للنتائج التي كانوا يرجونها من انطلاق المسيرة السلمية فيما يخص القضية الفلسطينية, ولذلك فهم مطالبون الآن بدعم الخطوة الفلسطينية باعلان الدولة. وعن رأيه في مدى امكانية ان تتخذ اسرائيل اجراءات انتقامية في حالة اعلان السلطة الفلسطينية الدولة من جانب واحد, يقول الدكتور حسن بكر. لاأعتقد ان اسرائيل سوف تتخذ اجراءات انتقامية رادعة, فهي ليست بالقوة التي كانت عليها بالماضي خصوصا بعد انسحابها أمام المقاومة اللبنانية, أيضا الفلسطينيون موجودون الآن بحكم الأمر الواقع على أرضهم وهناك سلطة شرعية تمثلهم, ولايمكن القيام بخطوات غير مدروسة من جانب اسرائيل لأن هذا يشعل الموقف في المنطقة, فضلا عن ان الواقع الدولي والاتفاقات السابقة كلها في صالح السلطة الوطنية الفلسطينية وتؤيد حقها في اعلان الدولة, وأخيرا ان إقدام اسرائيل على المغامرة باتخاذ اجراءات انتقامية ضد السلطة في حال اعلانها الدولة من جانب واحد, يعني أنها تغامر بمجمل عملية السلام في المنطقة لأن القضية الفلسطينية كانت وستظل حجر الزاوية في عملية التسوية بالنسبة للصراع العربي الاسرائيلي. تهديد للأمن والاستقرار ويضيف أنه اذا ضمت اسرائيل الأراضي التي سبق وأخذتها السلطة الوطنية الفلسطينية بالقوة وكخطوة انتقامية فإن هذا يهدد بقيام حرب في الشرق الأوسط, فإذا لم تكن حربا مباشرة فإنها ستقوي التيار الأصولي على مواجهة التيارات الأخرى, واذا اختفى عرفات فلن تجد اسرائيل من تفاوضه, أي ان مثل هذه الخطوة لابد ان يتبعها تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة كلها. وعن رد الفعل العربي في حال اعلان الدولة الفلسطينية دون اتفاق مع الاسرائيليين, يرى الدكتور حسن بكر ان كلا من سوريا ومصر والسعودية تؤمن بحق الفلسطينيين في اقامة دولتهم سواء باتفاق مع الاسرائيليين أو بدون اتفاق رغم أنهم يعلمون جيدا ان ذلك قد يسبب مشاكل, لأنهم يدركون أنه لم يعد هناك بديل في ظل التعنت الاسرائيلي المستمر وعدم تنفيذ غالبية ما تم الاتفاق عليه. أما عن رد الفعل الدولي فمن المنتظر ان يحاول الاتحاد الأوروبي جاهدا حث الطرفين على ضرورة الاتفاق على اعلان الدولة وألا يكون هذا الموضوع ذريعة لتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة, أما الولايات المتحدة فهي ترفض اعلان دولة دون اتفاق وتوافقها اليابان على ذلك, ولكن الصين قد يكون موقفها مختلفا فهي ورغم ما تردد من وجود اتفاقات بينها وبين اسرائيل, خاصة باستيراد تكنولوجيا السلاح فإنها غالبا سوف تقف مع الفلسطينيين اذا هم أعلنوا دولتهم ونفس الشيء بالنسبة لفرنسا فهي تؤيد وتدعم الحق الفلسطيني. مجرد خطوة وينفي الدكتور حسن بكر ان يكون اتفاق الاسرائيليين والفلسطينيين على اعلان الدولة هو نهاية الصراع العربي الاسرائيلي. ويرى ان ذلك يعد مجرد خطوة على الطريق الصحيح, أما انتهاء الصراع فلن يحدث إلا اذا عاد اللاجئون وحصلت السلطة على التعويضات, وعادت جميع الأراضي العربية المحتلة وأظهر الطرف الاسرائيلي رغبته في العيش بسلام وذلك من خلال موافقته على اخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. ويعتقد الدكتور بكر ان هناك اختلافا كبيرا بين اعلان الدولة في عام 88 والاعلان المنتظر هذا العام, حيث ان الاعلان الأول كان من خلال منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت مصنفة في هذا الوقت على أنها منظمة ارهابية وكان الغرض من ذلك الاعلان لفت أنظار العالم وتخويف اسرائيل واجبارها على ان تبدي مرونة في مواقفها المتشددة تجاه القضية الفلسطينية ولكن هذا الاعلان على المستوى العملي لم يكن له قيمة كبيرة, أما الاعلان المنتظر فهو يأتي من خلال مجلس مركزي فلسطيني وسلطة وطنية تعد الممثل الشرعي للفلسطينيين, ويتم من على أرض فلسطينية وليس من أراضي الغير, ولذلك فالأمر جدي وخطير وهو ما أشعل الموقف في الداخل الاسرائيلي وأدى الى اسراع اسرائيل باطلاق تهديداتها. القاهرة ـ مكتب البيان