من الزاوية المفهومية البحتة, لا يبدو ثمة فرق كبير بين إعلاني الدولة الفلسطينية السابق عام 1988 والمزمع جدلا عام ,2000 فكل من الإعلانيين سيكون صادرا عن مرجعية تمثيلية واحدة, منظمة التحرير الفلسطينية, وكلاهما يقصد نطاقا جغرافيا واحدا, الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967. وكلاهما يستند إلى أساس قانوني دولي واحد, حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والسيادة على أرضه طبقا لميراث القضية الوطنية في الشرعية الدولية ولاسيما مقررات الأمم المتحدة, فضلا عن الشرعية التاريخية. الفرق الحقيقي بين الإعلانيين يدور حول علاقة كل منهما بالواقع الفعلي وهذا مرده تباين البيئة المحيطة بهما فلسطينيا وإسرائيليا وإقليميا ودوليا. ولعل الوعي بهذا الفرق هو الذي جعل بعض المسئولين الفلسطينيين يراجعون أقوالهم ويصححونها, من التصريح بأنهم سيعلنون الدولة الفلسطينية إلى أنهم سوف يجسدون إعلان الدولة. لقد حدث ذلك بشكل استدراكي متأخر بعدما تذكروا ـ أو تم تذكيرهم في الحقيقة ـ بأنه سبق لهم أن أعلنوا الدولة متطلبات التجسيد قبل أن نضيء حول متطلبات تجسيد إعلان الدولة, فإنه ينبغي الإشارة إلى المستجدات التي تحف بهذا الأمر تلك التي توضح المسافة الموضوعية بين الإعلانين. فعلى الساحة الفلسطينية, جرى الإعلان الأول في أجواء الانتفاضة الكبرى, أي في ذروة العطاء الفاعل. وكانت الدولة المبتغاة بمثابة مكافأة للانتفاضة ولمسار طويل سبقها من النضال بمختلف أنماطه العنيفة وغير العنيفة. لكن الانتفاضة غابت الآن, وغاب معها الميثاق الوطني ودور منظمة التحرير بصورتها الأولى, والحد المرضي من الائتلاف الوطني. وباتت هناك سلطة فلسطينية يدور حول جدواها جدل كبير في الساحة الداخلية. وظهرت إلى السطح قوى أخرى فاعلة لها برنامج وطني مختلف. وأصبح هناك مفاوضون وغير قابلين بالتفاوض. وبصفة عامة جرت منذ 1988 حالة انقلابية في الحقيقة السياسية الفلسطينية. كما لا يمكن إهمال تأثيرات التحولات القيمية المترتبة على هذه الحالة.. ولا يمكن أيضا عزل المتغير الإسرائيلي ذاته, الذي هو جزء أصيل في تشكيل المعادلات السياسية والاقتصادية الفلسطينية في حدود الدولة المقصودة, وهو تدخل يعزى للاتفاقات والتعاقدات مع الجانب الفلسطيني المتنفذ, وكذا لحقائق الأمر الواقع الذي تم بناؤه عبر عقود الاحتلال والسيطرة. على أن المستجدات الفلسطينية وعمليات البناء العامة وانتشار السلطة الذاتية ـ ومن ثم السيطرة الوطنية على جانب كبير من الموارد ـ والحضور السياسي الفاعل في مستقبل تسوية الصراع الصهيوني العربي.. نود القول أن هناك صلة وطيدة الآن بين عناصر الدولة المفترضة الأرض والسكان والسلطة, بما من شأنه أن يجعل للإعلان الجديد, التجسيدي, مضمونا فعليا في الواقع. على الصعيد الإسرائيلي, قد يكون المستجد الأهم هو أن إعلان الدولة الفلسطينية الأول واجه صدودا كاملا هناك.. فيما أضحى للإعلان المقبل مؤيدين. ومع ذلك فإن هناك إجماعا إسرائيليا على ثوابت لا تحتمل النقاش بشأن حدود هذه الدولة ونطاق سيادتها, محتواها السكاني والجغرافي وفاعليتها السياسية وعلاقاتها الخارجية. وهكذا, فإن انتقال شطر هام من القوى السياسية الإسرائيلية إلى مربع مؤيدي الدولة الفلسطينية في الوقت الراهن, لا يعني الانفصال عن الموقف الإسرائيلي المبدأي تجاه مضمون هذه الدولة. وفي هذا الإطار, تعد الدولة المرجوة أداة رئيسية لضبط الاحقية بل والحقوق الفلسطينية ودحر مطالب تاريخية وقانونية مشروعة للشعب الفلسطيني. يرى الإسرائيليون أن الدولة الفلسطينية المقبولة لديهم هي التي تنشأ عن إرادة إسرائيلية وتكون ممرا لإفراغ الحقوق الفلسطينية من محتواها التاريخي والقانوني.. إنها بنظرهم دولة على مقاس الأهداف الإسرائيلية في فلسطين, ومنطلق لتسويق إسرائيل عربيا ودوليا. دولة لها غرض وظيفي محدد في المفهوم الإسرائيلي. وبالطبع فإن مجرد الإقرار بفكرة الدولة, يعد عند البعض مكسبا من إسرائيل. وهذه رؤية من يتعلقون بظاهر الأمور. احتمالات الصدام من جهة أخرى, كان إعلان 1988 يعني استمرار اشتباك الجانب الفلسطيني عن البعد مع إسرائيل, وإن على أرضية سياسية جديدة.. لكن تجسيد الإعلان الآن قد يعني وقوع الصدام وجها لوجه بين الطرفين وبشكل مروع, إن لم ترض إسرائيل عن محتوى هذا التجسيد أو سعت لإعاقته. وقد يبدو من نافل القول, التطرق إلى التحولات الكبرى التي اعترت النظام العربي في المسافة ما بين العام 1988 والعام ,2000 سواء على جبهة الصراع مع إسرائيل أو لجهة التعامل العربي العربي. لقد كانت هذه المسافة حافلة بالمستجدات السلبية. وجرت فيها اختراقات كثيرة أوهنت المساندة العربية لفلسطين الثورة والدولة معا. ومثلما ينظر إلى الانتشار الإسرائيلي في جوانب عربية ـ وعواصم عربية ـ كنقطة سلبية, فإن البعض يغالي بالقول بأن هذا التجاوب العربي مع إسرائيل, يسهم في طمأنتها لمستقبل الدولة الفلسطينية, التي لن تكون عامل تحريض ضد وجود إسرائيل. لكن الحقيقة غير ذلك بالمرة. فالنظام العربي دخل عالم التسوية (صيغة مدريد) وقبل صيغة أوسلو وهو في أضعف حالاته. ومن المرجح ألا يكون إعلان تجسيد سيادة الدولة الفلسطينية حافزا على الخروج من هذه الحالة بحد ذاته. ومن الجائز أيضا, ألا يبلغ رد الفعل العربي حدا ينذر بأية مواجهة ساخنة إذا ما تمخض الإعلان المزمع عن اشتباك ـ حتى لو كان داميا ـ بين إسرائيل المغتصبة وفلسطين الجديدة. ولعلنا بذلك نشير إلى أن إعلان العام 2000 سيأتي كإعلان العام 1988 في سياق مناخ عربي غير موات إلا للمؤازرة السياسية والدبلوماسية والإعلامية.. لا أكثر. إذا انتقلنا لمقاربة المحيط الدولي, سنجد على الفور كيف أن طموح تجسيد الدولة الفلسطينية يتزامن وغياب الحليف الدولي الاشتراكي بالكامل, بعد أن كان عام 1988 يعاني سكرات الأفول والاضمحلال. لقد واكب إعلان 1988 استشعار القيادة الفلسطينية ضرورة إرضاء الولايات المتحدة, وتم الإعلان وفق الشروط الأمريكية (التخلي عن عدم الاعتراف بإسرائيل والقرار ,242 ونبذ الكفاح المسلح بدعوى الإرهاب غير أن ذلك الإرضاء تم على استحياء, ولم يكن كافيا للاعتراف الأمريكي بالدولة, تماما كما كان الموقف الإسرائيلي. ليس هذا حال العلاقات الأمريكية الفلسطينية في إطار جدل تجسيد الدولة عام ,2000 فالولايات المتحدة باتت شريكا أساسيا منفذا في تطبيق فلسطين العتيدة على هوى الحليف الإسرائيلي. ولا رغبة لدى الفريق المفاوض الفلسطيني في الصدام بأي حال مع الراعي الأمريكي للتسوية الفلسطينية, حتى وإن شاع الإدراك بأنه غير نزيه. تحصين الداخل ومن المستجددات التي استجدت دوليا, ما يلاحظ من اعتماد فلسطيني في تمويل إعادة الكينونة السياسية والاقتصادية لفلسطين المزمعة على حلفاء إسرائيل التقليديين, الولايات المتحدة وأوروبا. وهذا يثير التساؤل عما إذا كان هذان الحليفان بوسعهما المساهمة في تجسيد دولة فلسطينية ذات سيادة رغما عن أهواء الشريك الإسرائيلي؟. ومن المثير حقا, أن تكون الأوضاع الدولية غير المناسبة للنضال الفلسطيني هي المسئول عن رعاية تجسيد الدولة الفلسطينية.. فهذا يجافي المنطق الظاهر لطبائع الأمور. ولذلك يلح افتراض آخر, هو أن تكون هذه المساهمة من أعداء الأمس, وسيلة لضمان تغييب حقوق فلسطينية كبرى, حقوق لا يمكن أن تغيبها إلا في خضم جلبة تجسيد دولة فلسطينية مهيضة. إذا أخذنا في الاعتبار هذه المستجدات, المعطيات, التي تشي بالفرق بين إعلان 1988 وتجسيد هذا الإعلان, نجد أن نية التجسيد هذه محفوفة بمحاذير كثيرة.. إنها لتصبح ذات قوة فعلية حقيقية تحتاج إلى: - إئتلاف وطني فلسطيني على ثوابت القضية الأم: عروبة القدس, عودة لاجئي 1948 ونازحي (لاجئي ) ,1967 وإزالة المستوطنات (القواعد) الإسرائيلية من جسد الدولة المبتغاة. - وقفة نظامية عربية تفوق تجاوز مستوى التأييد الكلامي الدبلوماسي, تحاول كسر الحصار الإسرائيلي المنتظر للدولة عسكريا واقتصاديا. - عطف دولي واضح المعالم على تحرير الدولة الفلسطينية, على الأقل لأن تجسيدها مطلب لإقرار السلم والأمن في (الشرق الأوسط) . - ويلفت النظر في هذا الإطار, ما لإسرائيل أولا وللولايات المتحدة ثانيا من قوة فعل حاكمة لتحويل تجسيد الدولة الفلسطينية إلى حيز العمل والمصداقية على الأرض. ولأن التراضي حول الاعتراف بهذه الدولة العتيدة إسرائيليا وأمريكيا دونه شروط قد لا يفي الطرف الفلسطيني المفاوض بها.. فإن عملية التجسيد المزمعة سوف تنذر بصدام, ينبغي الاجتهاد في تعيين حدوده وآفاقه. أما إن أوفى المفاوض الفلسطيني بالشروط المطلوبة (وهي الموافقة على الثوابت الإسرائيلية) فإن خطر الصدام يصبح ضعيفا مع إسرائيل, ولكنه يقوى بالنسبة للداخل الفلسطيني. بقلم: د. محمد خالد الأزعر * كاتب فلسطيني ـ القاهرة