جاءت قمة كامب ديفيد الامريكية ـ الاسرائيلية ـ الفلسطينية بعد وصول المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية, المعلنية منها والسرية, الى حائط مسدود, وهو حائط القضايا المصيرية والقرارات الحاسمة. وقد سبقت القمة قرع طبول الحرب من الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي الى درجة ان حدوث انفجار كبير لم يكن يحتاج سوى الى اشعال فتيل. فالسلطة الفلسطينية ذهبت في طريق اعلان الدولة من جانب واحد (هذا في العلن) فيما اتجهت حكومة ايهود باراك الى لعب تكتيك تفاوضي مع السلطة الفلسطينية بخصوص القرار 242, بهدف تأجيل القضايا النهائية والتي تشكل اولوية لدى الفلسطينيين: القدس, اللاجئين.. الخ وفق مجرى التفاوض في اطار الاولويات الاسرائيلية: الامن, المستوطنات, انظمة السيطرة.. الخ. وعليه فإن قمة كامب ديفيد جاءت لانقاذ مفاوضات الحائط المسدود, وفي الوقت نفسه لانقاذ السلام الامريكي في المنطقة. سيناريو امريكي ولكن ابعد من هذا: هل يمكن ان تكون هذه القمة قمة اتفاق على حل ما للقضايا النهائية؟ وهل التصعيد الاخير من قبل الجانبين (الفلسطيني والاسرائيلي) كان سيناريو مدروسا يحتاج اخراجه الى القمة الثلاثية؟ الجواب القت الادارة الامريكية بثقلها للوصول الى المطلوب. وبالرغم من تأكيد الرئيس الامريكي بيل كلينتون: (ان على الزعيمين (عرفات وباراك) ان يتخذا قرارات تاريخية, وهما وحدهما القادران على اتخاذها.. ان القرارات الاكثر صعوبة ستأتي) , فإن الولايات المتحدة كانت قد اعدت مسودة اتفاق لقضايا الحل الدائم, شكلت الاطار الاساسي للقمة وقد ركزت هذه المسودة على القضايا النهائية على النحو التالي: ـ حق العودة: مقيد جدا, مع توفير نحو 100 مليار دولار لتأهيل اوضاع اللاجئين في الداخل (الضفة والقطاع) والشتات (لبنان وسوريا والاردن). ـ القدس: تصنيف شرقي القدس (ليست القدس الشرقية) في منطقة (ب) , الى سيادة اسرائيلية واشراف مدني فلسطيني. ـ مناطق نهر الاردن وغور الاردن والجسور: تكون تحت السيادة الفلسطينية مع امكانية استئجار مناطق لمدة طويلة ووجود مراقبين وقوات عسكرية اسرائيلية... وتدخل هذه القوات في الحالات الطارئة. ـ ايجاد حل لمشكلة المستوطنات من خلال تبادل مناطق صغيرة من الضفة الغربية مع مناطق فيها كثافة فلسطينية في اراضي عام 1948, ومشكلة المستوطنين الموجودين خارج المستوطنات من خلال البقاء تحت السيادة الفلسطينية ان ارادوا ذلك. منطق باراك من الواضح ان القضايا التي ركزت عليها المسودة الامريكية هي القضايا التي تشكل اولويات باراك وتكتيكه التفاوضي بخصوص قضايا الوضع النهائي. وعليه هل للمعارضة الامريكية ـ الاسرائيلية الشكلية لمسألة اعلان الدولة الفلسطينية علاقة بدفع عرفات الى التمسك بشعار اعلان الدولة وبحيث يشكل التمسك بهذا الشعار فخا له للتسليم بالمسودة الامريكية؟ اي القبول بمنطق الحل الاسرائيلي مقابل الاعتراض الامريكي الاسرائيلي بـ (الدولة الفلسطينية) وبالتالي تنتهي القمة بنجاح ثلاثي: ينجح باراك في تحقيق ما قصده من عدم تطبيق القرار 242 على الاراضي الفلسطينية, وينجح كلينتون في انقاذ السلام الامريكي في المنطقة قبل اشهر من مغادرته البيت الابيض, وينجح عرفات في اعلان الدولة الفلسطينية ويتحول من رئيس سلطة حكم ذاتي الى رئيس دولة حتى لو كانت دون سيادة وقوة وامن. انه منطق باراك التفاوضي مع عرفات في حشره بزاوية الدولة مقابل حل قضايا الوضع النهائي وفق المنطق الاسرائيلي او تأجيلها الى ما لا نهاية واذا لم يكن الامر كذلك فما سبب الغضب الاسرائيلي الجماعي والتهديد بضرب غزة بالطائرات الحربية وضم الاراضي الفلسطينية اذا اقدمت السلطة الفلسطينية على اعلان الدولة؟ في حين يعرف الجميع ان الدولة الفلسطينية المنتظرة امرمفروغ منه, لا لانه حق طبيعي للفلسطينيين بل لان جميع الاتفاقيات الفلسطينية الاسرائيلية اقرت بذلك. وعليه فإن قمة كامب ديفيد هي قمة انقاذ السقف التفاوضي المسدود على المسار الفلسطيني, بعد ان نجح باراك في دفع التصور الاسرائيلي لقضايا الحل الدائم الى حيز التطبيق وافراغ الموقف الفلسطيني المشحون من خلال الموافقة على اقامة الدولة الفلسطينية, حتى لو كانت هذه الموافقة مرهونة بتأجيل موعد اعلان الدولة في 13 سبتمبر المقبل الى وقت لاحق, والذي كان مقررا في الاصل في مايو عام 1999. انقاذ ام التفاف؟ ان قمة كامب ديفيد ليست قمة عادية, ويصح ان نسميها بقمة كامب ديفيد الثانية. فحين سئل الرئيس كلينتون عن مغزى عقد القمة في كامب ديفيد اجاب: (ان المكان يتميز بمناخ ايجابي) واضاف انه يأمل (ان يكون موحيا للزعيمين) وذلك في اشارة واضحة الى اتفاق السلام التاريخي بين مصر واسرائيل المعروف اتفاقية كامب ديفيد عام 1978. وبما ان اتفاقية كامب ديفيد الثانية ستكون اتفاقية غير عادية فقضايا الوضع النهائي: القدس اللاجئين الخ لا تخص الفلسطينيين وحدهم بل جميع الدول العربية والاسلامية, فإن الادارة الامريكية ألغت معظم نشاطاتها الدبلوماسية والسياسية وحصرتها بموضوع القمة للوصول الى اتفاق (اجلت الادارة الامريكية الزيارة المقررة للرئيس التونسي زين العابدين بن علي الى واشنطن ولم تشارك وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت في قمة الدول الصناعية في اليابان رغم غضب طوكيو..). وقد طلبت الولايات المتحدة من بعض الدول العربية العمل لنجاح هذه القمة نظرا لما يمكن ان يترتب على الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي من مسئوليات وواجبات, وحتى تحسبا لمواجهات قد تحدث اذا تم الاقرار بالسيادة الاسرائيلية على كامل القدس, وتجاوز القرار الدولي 194 او الالتفاف عليه والذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى اراضيهم التي طردوا منها عام 1948 والتعويض عليهم ومثل هذا الامر ممكن ما دامت شعبية باراك مفتوحة وعرفات مشغول باعلان الدولة. ان قمة كامب ديفيد الثانية بقدر ما هي في الشكل قمة انقاذ للمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي وصلت الى طريق مسدود, بقدر ما هي في الواقع سيناريو مدروس لحسم قضايا الوضع النهائي وفق المنظور الاسرائيلي, حتى لو تم ذلك من خلال بوابة الدولة الفلسطينية التي ناضل عرفات من اجلها طويلا.. طويلا! بقلم: خورشيد دلي كاتب سوري