ينظر الأردن الرسمي إلى القمة الثلاثية التي ستعقد يوم الثلاثاء المقبل في منتجع كامب ديفيد في الولايات المتحدة بكثير من الترقب والحذر , وسواء نجحت هذه القمة أم فشلت فان صانع القرار الأردني يراها المحطة الأهم التي تستطيع الإجابة على الكثير من الأسئلة الخاصة بمصالحه الداخلية والخارجية , بل ان هناك من يرى بأن مجرد انعقاد القمة سيوقع الأردن بين المطرقة والسندان. فلا يخفي على السياسيين الأردنيين أن من شأن نجاح هذه القمة , حسب الرؤية الاسرائيلية التي اعتادت المنطقة على سريانها على الواقع , التضحية بالكثير من الملفات الخطرة , ومنها حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين يستضيفهم الأردن على أراضيه منذ اكثر من خمسين عاما , وينتظر منذ تلك الفترة حلا مناسبا لهم يضمن تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بعودتهم الى وطنهم , مما يعني بصورة مباشرة توطين هؤلاء اللاجئين . أما في حال فشل القمة تلك التي ينظر إليها الكثيرون على أساس أنها المحطة الأخطر في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعد محطة اوسلو فان من شأن هذا الفشل زعزعة الأوضاع الأمنية في الضفة والقطاع , وبالتالي دفع موجة جديدة من المهاجرين الفلسطينيين إلى الأراضي الأردنية في الغالب , وهذا ما يرفضه الأردن بحزم , حيث أشار رئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب إلى هذا الاحتمال في بيانه الوزاري الذي ألقاه مؤخرا والذي طلب الثقة من مجلس النواب الأردني على أساسه بالرفض الشديد. ويعترف المراقبون السياسيون بأن مجموعة من الملفات المصيرية ينتظر الأردن أن تجيب عليها القمة المرتقبة , وان هذه الملفات تتشابك بحيث لا يمكن فصل مصالح الأردن الداخلية فيها عن مصالحه الخارجية المتعلقة بالمستقبل السياسي للدولة الفلسطينية وعلاقتها مع الدولة الأردنية , في إشارة إلى الدعوات التي تسمع بين الحين والآخر فيما يتعلق بالوحدة بين الدولة الأردنية والدولة الفلسطينية المنتظرة , بالإضافة إلى قضايا يعدها صانع القرار الأردني من المحرمات التي لا يمكن لأي طرف مسها بحيث تتناقض مع الرؤية الأردنية من قبيل الحدود والترتيبات الأمنية واللاجئين والمياه. ولا يخفى على الصالونات السياسية في العاصمة الاردنية عمان ان رسالة التطمين التي بعثها الرئيس الامريكي بيل كلينتون الى العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني والمتعلقة بحرص الولايات المتحدة على مراعاة مصالح الاردن في التسوية المنشودة تؤكد بما لايدع مجالا للشك ان منتجع كامب ديفيد يسعى بشكل طموح لتسوية امور تهم الاردن بشكل مباشر رغم غياب الدولة الاردنية عن هذه التسوية. بل ان بعض مرتادي هذه الصالونات يرى ان رسالة التطمين هي في حقيقتها طلب غير مباشر من الاردن للتدخل من اجل تسهيل الحصول على على اتفاق وتبادل التنازلات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي, كما حدث في وقت سابق عندما طلبت الادارة الامريكية من العاهل الاردني الراحل الملك حسين بن طلال اثناء وجودها في مشفاه مايوكلينك المساعدة لدفع عرفات ونتانياهو لتقديم تنازلات من اجل الوصول الى حل في واي ريفر. بسام حدادين نائب رئيس مجلس النواب الأردني اعتبر القمة الثلاثية شأنا فلسطينيا رغم أن هناك الكثير من المواضيع التي سيتم الحديث فيها تتقاطع مع المصالح الأردنية وقال في تصريحات خاصة لـ (البيان) : أن الجهة المخولة للتفاوض في اشكاليات القضية الفلسطينية هي منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية وليس أي طرف آخر , في إشارة إلى الأردن. أضاف حدادين أن هناك ملفات تخص الأردن كما تخص لبنان وسوريا وليس من المعقول أن يشارك الأردن في هذه القمة وتستثنى باقي هذه الدول , فلا يقتصر تواجد اللاجئين في الساحة الأردنية وحدها بل هم في لبنان وسوريا مثلما هم في الأردن , أما عن قضية القدس فهي تهم الجميع مثلما تهم الاردن فلا خصوصية للحالة الأردنية. من جانبه فان مروان دودين عضو مجلس الأعيان الأردني رئيس الوفد الأردني في المفاوضات الأردنية الإسرائيلية المتعلقة بقضية اللاجئين الفلسطينيين بدا متشنجا عندما طرح عليه سؤالا يتعلق بالدور الاردني في قمة كامب ديفيد الثانية وأصر على التأكيد انه لا يوجد للأردن دور مباشر في التفاوض الذي يجري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي منذ أوسلو وحتى الآن , إلا انه أشار إلى أن للأردن القدرة على الاستجابة ضمن إمكاناته المتاحة لاستخدام موقعه ومركزه وقيادته لصالح الجانب الفلسطيني إذا ما طلب منه ذلك. وقال: لا أحد يسمح لنا أن يكون لنا دور نحن لسنا الطرف المباش . في حين أستنكر دودين القول بان الأردن دفع الجانب الفلسطيني الى الذهاب لواشنطن وقال: لم يذهب الطرفان سواء عرفات أو باراك إلى كامب ديفيد باختيارهما الحر, بل لأن الأمور وصلت بينهما إلى طريق شبه مسدود , مشددا في الوقت ذاته على انه لا يمكن التشكيك بالدور الامريكي الراهن والراغب في إقفال أزمة المسار الفلسطيني الإسرائيلي والى الأبد , وقال: أيهما افضل أن نذهب برعاية أمريكية وبحرص على الحل أم أن تبقى الأمور كما هي الآن , مشيرا إلى أن الولايات المتحدة هي القوة المؤثرة على إسرائيل وهذا ما يساعد الموقف الفلسطيني من اجل زحزحة التصلب الإسرائيلي. وأعرب عن أمله في أن تكون هذه المداخلة الأمريكية مجدية , وان يخرج الطرفان المحتاجان لهذه المداخلة بشيء إيجابي. وفيما يتعلق بما يمكن أن تؤول إليه نتائج كامب ديفيد التي من المتوقع ان تؤثر على الساسة الاردنية سواء الداخلية ام الخارجية بشكل مباشر , قال عضو مجلس الأعيان الأردني: إن الفلسطينيين لن يوقعوا على معاهدة سلام , إلا انه لم ينف أن يتم التوقيع على ما وصفه (بشيء ما) , يكون اقل من صيغة معاهدة وأعلى مرتبة من الاتفاقات السابقة. أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي عبد اللطيف عربيات اكد من جهته بان قمة كامب ديفيد لا تقوم على أساس منطقي يدل على ان هناك جدية حقيقية لبحث الموضوعات التي ستتناولها القمة سواء شكلا أم موضوعا. وقال لـ (البيان) : إن ما يعلنه كل جانب من أن هناك تباعد في المواقف بين الطرفين المتنازعين , الفلسطيني والإسرائيلي , يؤكد بأننا سنشهد دفعا أمريكيا مبتورا للوصول إلى حل , مؤكدا أن حلا منتظرا لن يكون إلا على حساب الفلسطينيين والقضية الفلسطينية لأنهم الطرف الأضعف في المعادلة. وفيما أشار أمين عام الجبهة أن الصورة غامضة وتحتاج إلى مزيد من الوضوح. قال: إن على الأردن الوقوف موقفا واضحا فيما يخص حقوقه لأنه هو أيضا معني بما يترتب على هذه القمة من نتائج والتي ربما تكون على حساب مصالحه. وأضاف لا يجوز أن نسمح بتجاوز أي حد من حدود مصالحنا أو اختراق موقع من مواقعنا. ورفض عربيات التوجه الامريكي الدافع إلى إقناع الأردن باتخاذ موقف إيجابي من القمة وتطمينه بأن القمة لن تتجاوز مصالحه باي حال من الأحوال , وقال: نحن لا نريد أن نكون واسطة لإقناع طرف على حساب طرف ضعيف في موقف عام وواضح , مشيرا إلى ضرورة أن يتخذ الأردن موقفا غير ضاغط على المفاوض الفلسطيني , ولكنه في المقابل لا يجوز أن يتركه على أساس أن ما يفاوض من اجله أمر يخصه لوحده , مؤكدا بان هذا لا يعني أننا ندعو إلى أضعاف الموقف الفلسطيني, بل نرى ضرورة تقويته فلسنا حياديين في هذه القضية.