سينما السيارات السؤال المفضل للعملاء السوفييت ، وسام رفيع لمدة 5 دقائق للمواطن كاسيدي ، الرئيس نيكسون يغيب عن تكريم كاسيدي والسبب ووترجيت بريد عيد الميلاد حافل كالعادة في أمريكا.. مليء بشتى أنواع الرسائل, بطاقات تهنئة بالعيد.. كتيبات وإعلانات تحض على الشراء من هذا المحل أو ذاك.. وسط بريد عيد الميلاد تلقى صاحبنا (جوكاسيدي) العميل الامريكي المزدوج بين قومه الامريكيين واعدائهم السوفييت. رسالة تهنئة لا تحوي شيئا داخل المظروف اللهم إلا قطعة ورق خالية من أي سطور. كان الروس قد دربوه على (اللعبة) التي تقضي بأن يستخدم قلماً خاصاً من معدن الرصاص يقوم بتمريرة على صفحة الورق ثم يضيف اليها بعض الماء وبعد ذلك يمسح الورقة بقطعة من القطن. طبعاً تمت العملية في المختبر الجنائي التابع لمباحث مكافحة التجسس الامريكية الذي أفاد خبراؤه بأن كاتبي الرسالة الروس استخدموا مادة الباريوم في تحريرها. المهم أن المسح بالقطن بدأ يوضح الكلمات المكتوبة الآتية من مركز الاستخبارات العسكرية السوفييتية في موسكو. وتقول الرسالة: (صديقنا العزيز (الخطاب هذا الى عميلهم الامريكي جوكاسيدي أو هكذا كانوا يطنّون): ألف شكر على جهودك. وثائق سبتمبر السرية كانت ممتازة. ومن أجلها سوف ندفع 3 آلاف مقابل حزمة سبتمبر ومن ثم يصبح مجموع ما ندين به لك هو 6 آلاف. وبالمناسبة لاتشغل بالك بشأن النقود فنحن لم نخيب ظنك في يوم من الايام. انتهى) . كانت المباحث الامريكية ترصد (كما اسلفنا في حلقة سابقة. تحركات الجاسوس المكسيكي لوبيز الذي يعمل لحساب السوفييت فيما يدرس في أمريكا لاستكمال الدكتوراه في الأثربولوجيا ومن أجل هذه المتابعة. زرعوا في حياته زميلاً مباحثيا من المكتب الفيدرالي هو فلوريز وكان من اصل اسباني وسرعان ما نشأت صداقة بين العائلتين بعد أن أفلح فلوريز في أداء مهمته بوصفه زميلاً دارساً بدوره للدكتوراه في الجغرافيا. ورغم سعادة المباحث الامريكية بهذا الترتيب الذي كان يضمن لهم رصد كل تحركات الجاسوس لوبيز وزوجته بل والحصول على بصماتهما ـ إلا أن اللعبة طرأ عليها تحوّل غريب. ببساطة حاول لوبيز أن يجند صديقه العزيز فلوريز ليجعل منه جاسوساً للاتحاد السوفييتي. والمشكلة أن لوبيز كان يريد أن يرسل صديقه الى المكسيك كي يعمل من هناك لحساب موسكو والمشكلة أيضا ان رجال المباحث الامريكيين رفضوا من جانبهم انجاز هذا الترتيب. لماذا؟ لان المباحث الفيدرالية الامريكية اختصاصها محدود داخل أراضي الولايات المتحدة. وأي عملية خارج حدودها تدخل تلقائيا ضمن اختصاص وكالة المخابرات المركزية (سي آي أيه) والجماعة في المباحث لا يريدون كشف الموضوع برمته لجماعة المخابرات المركزية. الذي سافر الى الخارج هو الجاسوس لوبيز وعائلته قالوا أنهم سافروا إلى أوروبا والحقيقة كما كشفتها المباحث الامريكية أنهم أمضوا الصيف في الاتحاد السوفييتي وعندما عادوا قالوا أنهم بسبيل النزوح إلى ولاية مينسوتا الشمالية في أمريكا حيث سيعمل لوبيز الجاسوس استاذاً في إحدى جامعاتها. ثم انتقلت عمالة كاسيدي لموسكو إلى مستوى آخر. ابلغوه في أحدث التعليمات أن من واجباته أن يكون دوماً على أهبة الاستعداد لابلاغ موسكو في حالة ما إذا أحس أن واشنطن تستعد بصورة أو باخرى لشن هجوم عسكري على خصومها السوفييت أو حلفائهم. وماذا عساه أن يفعل؟ عليه أن يتصل مع (حلقة) معينة. وثمة هاتف حددوه له في نيويورك واسمه ادموند فرندلينس وعنوانه كذا.. في حي برونكس الشعبي المتواضع في نيويورك. وبالمتابعة اتضح أن ادموند هو عنصر يصنف في علم الجاسوسية تحت فئة (العميل النائم) أي واحد من العملاء الذين لا يظهرون على المسرح قط وانما يتم الاتصال بهم بواسطة الهاتف ومهمتهم هي الإنذار المبكر في حالة أي استعدادات يشعرون بها للحرب. اما صيغه الاتصال فكانت كالآتي: اذهب إلى هاتف عمومي. اطلب الرقم المحدد. اسأل عما إذا كانت الطلب شراء الكتب جاهزاً وقل لهم أن رقم الطلب هو كذا كذا (وهذا الرقم هو الموعد المرتقب الذي يخشى أن يقع فيه الهجوم). ومرة أخرى فرك رجال المباحث الامريكيون أيديهم سعادة وطرباً ها هي عملية الجاسوس المزدوج التي تحمل اسمها العتيد (شوكر) تؤتي ثمارها حيث كشفت النقاب عن ثلاثة جواسيس زرعهم السوفييت على أرض امريكا وهم: البروفيسور الاسباني لوبيز وزوجته اليشيا والجاسوس النائم فرندلينس المستتر وراء رقم هاتف في مدينة نيويورك. بالنسبة لصاحبنا الاخير فقد فتحوا له ملفاً جديداً في مكتب المباحث واعطوه اسما رمزيا غريبا هو (اكسورا) وهو اسم نبات استوائي كان أحد رجال المباحث قد استزرعه في حديقة منزله كان العميل اكسورا كهلا فوق الخمسين من أصل نمساوي هاجر إلى امريكا واشتغل محررا بسيطا في إحدى دور النشر الكبرى وسرعان ما استأجرت المباحث شقة مجاورة لمسكنه في حي برونكس وزرعوا في المسكن وسائلهم الاكترونية. وراقبوا تحركاته وكان قصاراه استقبال المكالمات الهاتفية من حين وآخر إلى جانب القاء بعض الرسائل في مكاتب البريد العمومية. وفي صيف 1973.. التقى كاسيدي بالجاسوس السوفييتي دانيلين.. وشد ما كانت دهشته حين فوجىء بأن دانيلين لم يكن على علم بحكاية اتصال تمت مع جاسوس سوفييتي نائم في مدينة نيويورك.. والذي حدث أن تلقى كاسيدي تعليمات بوقف الاتصال مع العم فرندلينس والذي حدث أن العم (فرندي) تلقى اتصالا من رجال المباحث الفيدرالية.. ولم يكن اتصالاً ساراً لانه أفضى إلى القبض عليه بوصفه الجاسوس العامل لحساب السوفييت في نيويورك أو (التفاحة الكبيرة) كما يسمونها من باب التدليل وهو الاسم نفسه الذي اختاره مؤلفنا عنوانا للفصل الرابع عشر من هذا الكتاب. الفصل يبدأ بتقاعد بطل القصة جوكاسيدي من خدمة الجيش الامريكي وبعدها أمره السوفييت بأن يشتري فوراً راديو جديداً ماركة (زينيت رويال 7000) .. على أن يدفع ثمنه نقداً ولا يسجل اسمه لدى البائع وأن يشتريه من موقع خارج المدينة. كان ثمن الراديو باهضا 250 دولاراً وكانت التعليمات تقضي بأن يستمع كاسيدي إلى إذاعة موسكو في أوقات حددوها هي: صباح الاثنين الاول والثالث من كل شهر ومن خلالها كان يتلقى تعليمات ظاهرها البراءة الإعلامية طبعا وباطنها توجيهات كان يستخدم قاموساً خاصاً لفك شيفرتها وفهمها. كانت التعليمات توجه العميل الامريكي إلى الوثائق والمعلومات المطلوبة وايضا إلى أماكن اللقاءات المتعددة حيث يضع الحصيلة ويلتقي بالجواسيس السوفييت.. وكانت كلمات السر في تلك اللقاءات من قبيل: يقترب الجاسوس السوفييتي من العميل الامريكي كاسيدي قائلا: سيدي.. هل يمكن أن تدلني على أقرب سينما سيارات في هذا المكان؟ أما الرد المطلوب حرفيا فكان: أقربها هي سينما بلترفيل ولكن أفضل سينما سيارات أعرفها شخصيا هي سينما روكفلر. وعندما ازادات ثقة موسكو في عميلها الامريكي المزدوج طرحوا عليه السؤال من خلال الضابط الروسي: هل تصادف مصاعب في دخول القواعد العسكرية في البلد؟ اطلاقاً .. على مقدمة سيارتي شارة ملصقة تسهل لي هذه الأمور. طيب ما رأيك في أن نقوم بجولة في بعض أنحاء الولايات المتحدة لتفقد أحوال هذه القواعد وبالذات مختبرات تطوير غازات الاعصاب؟ بيد أن المهمة الأصعب كانت تكليف كاسيدي بأن يعمل على تجنيد صف ضباط آخرين من الجيش الامريكي للعمل جواسيس لحساب الاتحاد السوفييتي. وهنا واجههم كاسيدي بالرفض بحجة أنه لن يأمن على نفسه إذا ما فاتح زميلاً عسكرياً آخر بأمر عمالته للسوفييت. بعد اعتزال كاسيدي السلك العسكري شجعه الضابط السوفييتي على أن يلتمس عملاً جديداً في السلك المدني شرط أن يكون من شأنه تسهيل حصوله باستمرار على المعلومات, عمل من قبيل موظف في وكالة لرسم الخرائط أو في هيئة حكومية مسئولة عن طباعة المستندات والوثائق الرسمية. كم تحمّل الرجل على مدى 15 سنة كاملة من الصعوبات العملية والنفسية لكي يكسب ثقة السوفييت وهم أعداء بلاده ويديرون واحدة من أكفأ وأخطر منظومات الاستخبارات في العالم. وكم عرض نفسه لأخطار الانكشاف أو الخطأ ولو غير المقصود ومنها أخطار لا رجعة فيها ولا اعتذارات بل أن منها ما يوصل إلى حد التصفية الكاملة ولا من عين رأت ولا من أذن سمعت. دفع (جوكاسيدي) الرقيب الامريكي ضريبته كاملة على امتداد الأعوام الخمسة عشر وخاصة بالنسبة للأعباء النفسية التي كان يكابدها وهو يمثل دور الجاسوس الخائن للبلد الذي انجبه ورباه ورعاه وأي عميل مزدوج لابد وأن يكون موفور الذكاء ولأنه كذلك فهو أول من يدرك أن أول من يحتقرونهم هم الذين يعملوا لحسابهم ويزودهم بالمعلومات عن اسرار بلاده.. أو هكذا كانوا يظنون. وكم كان القريبون من حكاية كاسيدي وقد جسدتها العملية (شوكر) إياها.. يدركون عن يقين أن الرجل بحاجة إلى التعبير عن التقدير لتلك الخدمات التي قدمها لأمريكا ودفع لقاءها ثمناً أكثر من باهظ من صحته وسعادته وراحة باله حيث لم يكن أحد في الدنيا يعرف عن عمالته المتعمدة المزدوجة بين امريكا والاتحاد السوفييتي. طبعا باستثناء زوجته وعدد محدود من رجال مكافحةالجاسوسية في المكتب الامريكي للمباحث وهم المكلفون بمتابعة العملية (شوكر) . وعندما جاء عام 1974 أبلغوه بانه سيمنح ميدالية تقدير في حفل خاص يسلمها إليه ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة شخصيا.. وهنا يصرح كاسيدي لمؤلف الكتاب قائلا: المفروض ان الاحتفال كان سيتم في البيت الابيض لكن للأسف أصبحت اقامته مستحيلة والسبب كان فضيحة ووتر جيت التي أودت برئيس البلاد الى الاستقالة.. وعليه فقد نقلوا الاحتفال الى مبنى الدفاع في البنتاجون. وفي 2 فبراير 1974 تسلم (كاسيدي) ميدالية التقدير وسلمها له نيابة عن رئيس الجمهورية الجنرال ابرامز رئيس هيئة اركان الحرب المشتركة وكانت الميدالية هي الأرفع من نوعها التي تمنح لمدني وقد منحت باسم رئيس الجمهورية (إلى السيد جوزيف إدوارد كاسيدي اعترافاً بخدماته ذات الجدارة والاستحقاق والاستثنائية التي أداها على أعلى مستوى من الشعور بالواجب والنهوض بالمسئولية) . ومن عجيب, أو فلنقل من أسف أن جوزيف كاسيدي استمتع بتعليق هذا الوسام لمدة 5 دقائق فقط لاغير! وهي مدة التقاط صورة تذكارية بهذه المناسبة. وفي هذا يعلق مؤلف كتابنا قائلا: لم يكن من طريقة يتاح بها لكاسيدي ان يعلق على صدره الوسام الذي استحقه بجدارة.. إن الوسام لو رأه أحد كان ينطوي على إمكانية إلحاق خطر بأمن العملية (شوكر) بأكملها وسلامة المشاركين فيها. والذي حدث انه فور انتهاء هذا الاحتفال بادر الجنرال ابرامز رئيس الاركان إلى استرداد الوسام من أجل ايداعه من جديد في البنتاجون. اما صاحبنا كاسيدي فقد انطلق بدوره من جديد إلى تنفيذ تعليمات أصدقائه السوفييت مستقلاً سيارته وبصحبته ماري زوجته و(بو) كلب العائلة الأثير في جولات يستطلع بها أحوال القواعد العسكرية الامريكية ويزود السوفييت عنها بمعلومات بعضها حقيقي وبعضها مصطنع.. وتلك كانت بداهة مقتضيات حرب الخداع بين الطرفين. ***** أحياناً كانت اللعبة تروق للجاسوس كاسيدي بمعنى أن يحاول (سبك) المسألة لاكتساب المزيد من ثقة السوفييت وكان أهم عوامل هذا السبك المصطنع أن يصطنع بدوره ثورة غضب أو نوبة ضيق إزاء تأخير المدفوعات أو قلة المكافآت شأن أي عميل رخيص يبيع اسرار الوطن من أجل المال أحيانا كان يشعر باحتقار العميل السوفييتي الذي يسهر على تشغيله.. وأحيانا أخرى كان يراوده خوفاً على حياته ومستقبله ليسهر ليال طوال مسهدا قبل هذه المقابلة السرية أو تلك. وفي تلك الفترات كان يفقد شهيته للطعام ويستبد به قلق عميق.. خاصة عندما كانت المقابلات تتم أحيانا في منتصف الليل أو تحت جنح الظلام وفي أماكن نائية شبه معتمة حيث لايعلم العقبى سوى الله..