تمول مبيعات الماس غير القانونية بؤر النزاعات الافريقية المسلحة والجهود المبذولة لامتلاك ترسانات عسكرية متخمة ومخالطة للواقع بدءا من سيراليون ومرورا بقوات الجيش الدموي المتمرد الذي يقوده فوداي سانكو وانتهاء بالجبهة الثورية الموحدة. وتوظف عائدات الماس المصدق عليها بشكل يلائم الاسواق العالمية والمعروض في واجهات المحال التجارية الرئيسية في عواصم العالم في عمليات شراء الاسلحة ودفع رواتب الجنود واثراء زعماء الحرب في سيراليون وانجولا وليبيريا. كذلك الامر في جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) حيث الجيوش الاجنبية التي دخلت الحرب مع سقوط نظام موبوتو اصبحت تشكل جزءاً من النزاع الدائر في سبيل السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية. ولقد دفع كابيلا الرئيس الجديد للكونغو مساعدة عسكرية لموجابي رئيس زيمبابوي على شكل امتيازات للتنقيب عن المعادن, وتخوض كل من اوغندا ورواندا, الحليفتان ضد موبوتو واللتان واجهتا كابيلا لاحقا صراعا فيما بينهما بسبب الثروات الطبيعية في المناطق التي تسيطران عليها. وسقط في سيراليون وحدها اكثر من خمسمئة ألف قتيل في معركة الماس خلال السنوات الاخيرة. وليس لدى الجبهة الثورية الموحدة اي اعتبار لاي شيء عندما يتعلق الامر بهذا المعدن الثمين الذي يمول وجودها فهي تعدم المدنيين وتستعبد الشباب للعمل في المناجم والانهار لديها اذ ان السيطرة على مناطق التعدين وطرد سكانها تعني فيما تعنيه ضمانة وجودها الحقيقية. ولقي اكثر من (500.000) شخص مصرعهم في انجولا بين عامي 1992 و1997 وحصلت حركة يونيتا الثورية التي يقودها جوناس, خلال الفترة نفسها على 3.7 مليار دولار بفضل مبيعات الألماس. ويقدر المبلغ الذي حصلت عليه قوات جوناس خلال الحرب الانجولية الاولى (1961 ـ 1975) بحوالي 4 مليارات دولار وظفت لاحقا في تمويل الحرب الثانية (1975 ـ 1991) وهكذا على التوالي. ولقد كشفت منظمة جلوبال ويتنس البريطانية النقاب عن ان (تجارة الماس كانت العائق الرئيسي امام موافقة حركة يونيتا على نتائج انتخابات عام 1992 وقبولها لاتفاقات لوساكا) . واذا كان الفساد والحرب يؤديان الى حالة من الثراء الفاحش لمجموعات الصراع حيث ان يونيتا مع مع القوات المسلحة الثورية الكولومية الممولة بالمخدرات هما اغنى حركتين ثوريتين في العالم واذا كانت الحرب هي المحرك الرئيسي لهذه الثروة ويشكل الماس مادتها الاولية فأين هي ضرورات قبول السلام والمنافسة الشرعية في السوق وبالتالي خسارة الامتيازات؟ اذا من الطبيعي ان نجد مقاومة شرسة سواء من قبل يونيتا او من قبل بعض السياسيين والعسكريين في الحكومة الانجولية امام احتمال خسارة منجم المال هذا الذي اصبح طاحونة موت في الوقت ذاته. وبالتزامن مع هذا تعيش الغالبية العظمى من السكان في ظل ظروف لاتطاق وهي تحتل ادنى درجات سلم الدخل في العالم حيث تشغل انجولا المرتبة (157) في قائمة التطور العالمي, من اصل (175) ومضى على رجائها في ان تعيش حياة كريمة 42 عاما ونسبة الامية فيها تصل الى 51 في المئة واكثر من نصف سكانها لا يتوفر لهم ماء صالح للشرب ويحتاج 3.2 مليون شخص من مواطنيها لمساعدة غذائية دولية للبقاء على قيد الحياة. الى ذلك فلقد بدأت أربع منظمات حكومية بقيادة منظمة (جلوبال ويتنيس) حملة اطلقت عليها (الصفقة المحتومة) وذلك في اكتوبر 1999 حيث وضعت لنفسها هدفا يتمثل بفضح السوق العالمية للماس وعلاقته بتمويل الحروب الافريقية. ويشار الى ان اسبانيا قد انضمت الى هذه المبادرة ايضا والتي لا تشن حملة ضد تجارة الماس بقدر ما تمثل حملة ضد الحرب ذاتها حيث يمكن لهذه التجارة ان تعود بفوائد لا حصر لها من السهل ترجمتها الى تنمية واستقرار في الدول المنتجة لهذه السلعة الثمينة. وتعتبر بلدان مثل بوتوانا ونامبيا وجنوب افريقيا نماذج ايجابية للفائدة المرجوة من هذه التجارة. من جانبه انجز البنك الدولي دراسة حول (47) حربا اهلية توصل من خلالها الى معلومات متناقضة جدا تفيد بأنه كلما زادت ثروات المواد الخام في بلد ما كلما كان وضعها اسوأ. فتلك البلدان التي تستحوذ على اكثر من 25 في المئة من انتاج وتصدير المنتجات الخام (يشار هنا الى الدول التي تعيش نزاعات وبشكل خاص الدول الافريقية) لديها قابلية لنشوب حروب اهلية اكثر بأربع مرات من الدول التي لا تعيش مثل تلك النزاعات. وهذه نتيجة مهمة للغاية في زمن يبدو العنف فيه متغلغلا في عمق (اللاعقلانية الانسانية) حيث غفل علم الاجتماع التقليدي عن دراسة هذه الظواهر بالتزامن مع انحسار الماركسية. ويؤكد البنك العربي على ان التطورات الاقتصادية هي العنصر الاكثر اهمية والاكثر حسما في عملية التنبؤ بالحروب الاهلية. ان اسباب الحروب في يومنا هذا والتي نجدها متجسدة في اهداف المجموعات المتصارعة في سبيل الموارد الطبيعية الخام مثل الماس وغيرها هي الى حد بعيد اكبر بكثير من جميع الاختلافات السياسية او العرقية او الدينية بين تلك المجموعات التي تستعين بمكاسب الحرب من هذه الخامات للاستمرار والتضخم المالي لابقاء صراعها على قيد الحياة بشراء الاسلحة ودفع رواتب الجند ولترتيب وضع عالمي يعطيها الشرعية داخل وخارج مناطق نزاعها. ولقد وجد هذا الوضع في النموذج الجديد للصراع, ارضية مضمونة وسوقا عالمية للسلاح قدمتها نهاية الحرب الباردة. هكذا, تنبه اللجنة الدولية للصليب الاحمر, في دراسة حديثة لها من ان الاعتبارات العسكرية والاستراتيجية والسياسية التي سيطرت على السوق العالمية للسلاح في الحرب الباردة قد تحولت اليوم الى (اعتبارات ثانوية يتم تجاهلها بشكل كامل في احيان كثيرة) . وتتابع الدراسة لتقول: (ان ما يحرك نقل الاسلحة من قبل الدول المصدرة لها يتمثل وقبل كل شيء بالفوائد الاقتصادية وخلق فرص للعمل) والامر واضح وبسيط فالذي يصمد نهاية المطاف هو قانون العرض والطلب (بدون الاخذ بعين الاعتبار سلوك من يستقبل هذه الاسلحة) . وعملية (خصصة الحرب) هذه قد مدت المجموعات الثائرة بآليات تحرك فعالة. وتقول اللجنة الدولية للصليب الاحمر ان (السلطة لم تعد تتفرع من مصدر مركزي وانما ممن يسيطر على عمليات تهريب الاسلحة وتجارة المخدرات او من يسيطر على الخامات المعدنية او من لديه امكانية ايقاع الذعر في اوساط السكان المحليين او من يسيطر على اكبر كمية من المواد الخام ويستطيع توصيلها الى المنظومة العالمية) . ويشكل الألماس في هذه الدائرة احد اهم مصادر بث الرعب والقتل والفساد. لكن من اجل تحويل الماس الى مال او سلاح يجب (التصديق عليه) وهنا يبرز دور عمليات خداع القوانين الدولية التي تمنع بيعه بدون شهادة منشأ رسمية, ويمنع في حالة انجولا على سبيل المثال, شراء الماس الآتي من مناطق سيطرة (يونيتا) . ويشار الى ان البلاد الغنية ليست بريئة بخصوص هذه التجارة ففيها يستهلك الماس ومنها تخرج كميات كبيرة من الاسلحة. وعلى الرغم من موافقة كبرى شركات انتاج وتصنيع الماس في العالم والتي تسيطر على 80 في المئة من الانتاج العالمي لهذه السلعة على منع الاتجار بالماس الآتي من اراضي يونيتا الا انه مستمر بالوصول الى الاسواق العالمية عن طريق شهادات منشأ تصدرها دول ثالثة وبواسطة التجار المعتادين نفسهم. هذا مع عدم وجود الارادة السياسية للدول التي تسيطر على هذه التجارة غير الشرعية في وقفها ولقد كشفت لجنة من الخبراء عملت في انجولا امر تلك الانتهاكات لعقوبات مجلس الامن المفروضة على يونيتا حيث يقوم اناس من الحكومة الانجولية بتسهيل عمليات تدفقه و(غسيله) عن طريق مؤسساتهم الحكومية وذلك على الرغم من ان هذا المعدن يوظف من قبل (العدو) في اشعال حرب ضد ذات الحكومة التي يعملون لها والفائدة المادية كبيرة للطرفين معا. عن (لافا نجوارديا) اسبانيا ترجمة: باسل أبو حمدة