يعترف وزير التربية والتعليم العالي والثقافة محمد يوسف بيضون اصابة القطاع التعليمي في المدارس الرسمية اللبنانية بداء الترهل الذي لم يعد تنفع ضده المسكنات وحقن الانعاش والتي تحولت بمرور الوقت الى تخذير للمرض وتفاقمه. لكنه يكشف في الوقت نفسه ان الدواء الناجع ليس مستحيلا, وان كان صعبا: (فقد وضعنا خطة للنهوض التربوي والتعليمي, ومنها اعادة فتح الدور التي تعد المعلمين والمعلمات اعدادا كاملا وسليما للاضطلاع بمهام التعليم في القطاع الرسمي ما دون الجامعي, واعبائه, ومسئولياته الجسام) . ولتوضيح اهمية تلك الخطة يحمل (الجراح التربوي) الوزير بيضون بعض الارقام ليكشف عن واقع تعليمي مرضي يلامس الانهيار الكامل, فيقول ان 50% من معلمي واساتذة تلك المدارس تتراوح اعمارهم بين 40 الى 64 سنة (سن التقاعد) وان 1500 معلم منهم على الاقل, لم تعد لديهم الامكانات لتدريس الطلاب, او نقل اية معرفة اليهم. ويحصل ذلك, يقول بيضون, في الوقت الذي تتوافد اعداد كبيرة سنويا من طلاب المدارس الخاصة الى المدارس الرسمية, هربا من غلاء اقساط الاولى, وشبه مجانية الثانية, بالدرجة الاولى: بات 18% من طلاب المدارس الرسمية هذا العام من الوافدين من قطاع التعليم الخاص. * نسأله: ما الهدف من الخطوة الجديدة لتدريب معلمين في القطاع الرسمي وتخريجهم؟ ـ فيجيب الوزير بيضون: ان الهدف هو تطوير نظامنا التربوي لجعله اكثر فعالية وفاعلية, وتنمية طاقات ابنائنا وتطوير قدراتهم عبر توفير فرص تعليمية متكافئة لهم. ومن اجل تحقيق ذلك الهدف, والآمال الاخرى المعلقة على وزارة التربية, فانه لابد من توفير الظروف الملائمة لذلك, والتي يأتي في مقدمتها اعداد المعلمين الذين يعتبرون الركيزة الاساسية في العملية التربوية. لذلك وافق مجلس الوزراء على اعادة فتح دور المعلمين والمعلمات لاعداد 1200 معلم ومعلمة للتعليم الاساسي والروضات, كجزء من خطة خمسية تقضي باعداد 6200 معلم. على ان يتم ذلك عبر مباراة دخول يعلن عنها في النصف الثاني من شهر سبتمبر المقبل. * هل يشكل ذلك خطوة لالغاء التعاقد مع اساتذة جدد, رغم ان النظام التعاقدي سهل الكثير من المتطلبات في النظام التربوي والتعليمي خلال عقود عدة؟ ـ يجسد قرار مجلس الوزراء ذلك رغبة الدولة, رئيسا وحكومة, في تعزيز التعليم عبر تزويد المدارس الرسمية بمعلمين معدين اعدادا جيدا من الناحيتين الاكاديمية والتربوية, لان التعاقد, وان كان وسيلة نحتاج اليها لسد حاجات طارئة, وضمن ظروف صعبة عرفها لبنان, الا انه لا يشكل الوسيلة الفضلى من اجل اعداد اجيال تفهم لغة العصر وتعقل الامور, فتنمية شخصية الطفل بجميع جوانبها تتطلب اعتماد الطرائق الناشطة وتنمية المهارات في التفكير العلمي والحوار والتواصل والتعاون, وكلها امور تفرض وجود معلمين يتحلون بالخصال نفسها, من هنا تبرز اهمية اعدادهم وتزويدهم باحدث ما توصلت اليه علوم التربية. * هل يندرج ذلك ضمن خطة تربوية مبرمجة ومدروسة من قبل الدولة عامة ووزارة التربية خاصة؟ ـ لست بحاجة الى التأكيد على ان تطوير نظام اعداد وتدريب المعلمين وتحديثه شكل محورا هاما من محاور خطة النهوض التربوي من اجل رفع مستوى التعليم والتخفيف من الهدر في الرسوب والتسرب والتأخر الدراسي الذي بلغ نسبة عالية, اذ ان 47.7% من الطلاب قد اعادوا صفا على الاقل خلال دراستهم الابتدائية, ولم يتمكن قسم كبير من تحقيق الحد الادنى المقبول من الكفاءات التعليمية (الثلث في الصف الرابع الابتدائي و44.4% في نهاية المرحلة المتوسطة) كما اظهرت دراسة حول الصعوبات التعليمية للتلاميذ في الصف الثالث الابتدائي ووفقا لاراء المعلمين والاهالي فان 69.7% من التلاميذ يشكون من شرود ذهني, واكثر من الثلث يشكون من الخجل وعدم الاستقرار النفسي والخوف والعصبية الزائدة, اضافة الى مشكلات تعود الى المواد التعليمية, كما ان قسما كبيرا من افراد الهيئة التعليمية لم يتلقوا الاعداد التربوي اللازم, كذلك فان الكثير من المعلمين الرسميين تفوق اعمارهم 50 سنة, مع وجود نقص في بعض الاختصاصات الجديدة. * كيف يمكن التخلص من تلك الظواهر السلبية والاشكالات, التي تعوق النمو التعليمي خاصة والتنمية التربوية عامة؟ ـ انني على ثقة بان الكثير من تلك المشاكل والصعوبات يمكن التغلب عليها اذا ما توفر المعلم الجيد. من هنا فان القرار باعادة فتح دور المعلمين والمعلمات يلبي حاجة ملحة لدى الكثير من مدارسنا من اجل تلبية احتياجات المناهج الجديدة, خصوصا لجهة المواد المستحدثة, وهو يأتي كخطوة تعقب الخطوات التي اعلنا عنها سابقا وتهدف الى تزويد مدارسنا بالابنية والتجهيزات اللازمة, وصولا الى تأمين تعليم لائق لابنائنا, وذلك يدل على الاهمية الكبيرة التي توليها الدولة للتربية, فضخ دم جديد في التعليم يوفر تنمية حقيقية لطاقات ابنائنا, ويرفع مستواهم لمستواهم في مجالات العلم والتكنولوجيا لمجابهة كافة التحديات التي تفرضها علينا طبيعة العصر الذي نعيشه. سن التقاعد * الواضح من الاجوبة السابقة ان فتح دور المعلمين واعداد معلمين جدد يندرجان في خطة نهضوية تطويرية لقطاع التعليم, لكن البعض يربط الامرين بمحاولة مسبقة لتبرير مشروع يقضي باحالة المعلمين الرسميين الى المعاش في وقت مبكر ما ردكم على ذلك؟ ـ لا يخفى على احد ان البعض جعل من مشروع خفض سن التقاعد (قميص عثمان) ولا ادري كيف يحصل ذلك رغم ان احدا لم يطلع عليه, ورغم ذلك هناك من يعارضه, لكن بالنسبة لنا كمسئولين فقد انطلقنا من اعتبار ان 50% من معلمينا تتراوح اعمارهم بين 40 و 64 سنة. وقد خضع المعلمون, وخصوصا الكبار في السن منهم, لدورات تدريبية سريعة بعد ان بدأنا تطبيق المناهج الجديدة تدريجيا منذ السنتين الدراسيتين السابقتين وسنواصلها في العام الدراسي المقبل, لكن المشكلة انه يصعب على المعلم الذي يعطي دروسه وفقا لمنهاج معين طوال 20 او 30 سنة مثلا, ان يتأقلم مع المناهج الجديدة, وهذا امر طبيعي. من هنا ينطلق مشروع خفض سن التقاعد (المعاش) على اساس انه يريح العملية التعليمية, من دون ان يكون هناك انتقاص لأي فلس من اي معلم, لكن المرحلة الثانوية لن تخضع بالضرورة الى احكام ذلك المشروع, وبمعنى اوضح, فان من يتقاعد عن ستين سنة, بحسب المشروع الجديد, فانه سينال حقوقه وكأنه تقاعد في سن الرابعة والستين وفق ما ينص عليه المشروع القديم. وتدل احصائياتنا في وزارة التربية على وجود 1500 معلم ليس لديهم اي امكانات او طاقات تؤدي الى نقل المعرفة الى التلميذ, ومعنى ذلك ان هؤلاء عبء مادي ومعنوي لبلوغهم عمر 62 سنة, وقد افنوا عمرهم مع الاولاد. وما ارغب به تماما ان يطمئن هؤلاء المعلمون الى انهم سيحصلون على حقوقهم كاملة, وانا مسئول عن كلامي, فليوقفوا هذه الضجة حول ذلك, خاصة وانهم لم يطلعوا على المشروع الجديد حتى الآن. المتقاعدون * ما مصير المتقاعدين مع صناديق المدارس؟ ـ اننا ننتظر الاحصائيات التي سيؤمنها (المركز التربوي) بحيث انها تبين حاجة المدارس الى الاختصاصات المختلفة, وبالتالي يمكن اقامة دورة تدريبية لشهرين او ثلاثة للمتعاقدين, كل في حقل اختصاصه, على ان يخضعوا لمباراة فنختار من نحن في حاجة الى اختصاصه من بين الاوائل, وبحسب حاجة المناطق ليدخل الى الملاك. اضافة الى ان طلاب دور المعلمين في حاجة الى سنتين للتخرج في الوقت الذي يتزايد فيه الضغط على المدارس الرسمية, مع توافد التلاميذ الجدد من المدارس الخاصة اليها (18 في %) لذلك فانه مهما ادخلنا من دم جديد في عدد المعلمين فان اعداد الوافدين تتخطى طاقاتنا, وبالتالي سنجد المتعاقدين امامنا, اي اننا في حاجة اليهم, فلا اعتقد اذن, ان فتح دور المعلمين يشكل اي خطر عليهم, فليطمئنوا هم بدورهم ايضا. * كيف تضمن عدم قيام وساطات ومداخلات سياسية لصالح بعض المرشحين (المدعومين) للدخول الى تلك الدور؟ ـ اذا كنت في الوزارة بتاريخ مبارة الدخول ـ اي اذا لم تكن الحكومة الحالية قد استقالت فرضا ـ فانني اطمئن الجميع الى عدم امكان حصول اي مداخلات سياسية, اطلاقا, وغير مسموح بالتدخل السياسي في المباراة, يجب ان يأخذ الكفؤ دوره ولا يجوز مطلقا ان نخالف الدستور والمبادىء والاخلاق اذا قبلنا بالتدخل السياسي, وتعلمون انني حاسم في هذه الامور. بين المركز والكلية * ما هو دور المركز التربوي في دور المعلمين؟ ـ تعمل دور المعلمين والمعلمات بادارة واشراف هذا المركز فهي تابعة لمكتب الاعداد والتدريب فيه, ودوره كلي في هذه المسألة بالتعاون مع المديرية العامة للتربية التي ترصد الاحتياجات, ويضع المركز الاحصائيات ويتم تحديد الحاجة بتنسيق مستمر من اجل تحقيق الغاية المنشودة. وضمن هذه الغاية, مثلا, في الدورات الجديدة انه سيتم اعداد طلاب الدور وفق المناهج الجديدة التي سيحدد المركز التربوي مقررات طلاب الدور على اساسها, فيتخرج المعلمون وفق تلك المناهج, وهذا ما نخطط له, ونصبو اليه. * هل من ضمن ما تخططون اعادة فتح كلية التربية في الجامعة اللبنانية والتي كانت تخرج اساتذة للمرحلة الثانوية؟ ـ هناك بحث مع كلية التربية لاعداد اساتذة, وعلمنا ان هناك اعدادا كبيرة من خريجي الكلية وفي اختصاصات مختلفة يمكن اجراء مباراة بينهم, بحيث انه يمكن لنا بعد ذلك ان ندخلهم الى الكلية لنيل الكفاءة, ومن ثم انخراطهم في ملاك التعليم الثانوي.