ادعت أمريكا اكتشافها للغاز الفتاك فأنفق السوفييت الملايين ، أوامر موسكو إلى عميلها: اصنع صخوراً مزيفة والقها في حدائق أمريكا من محاسن الصدف التي حظى بها رجال مكافحة الجاسوسية في أمريكا ان الرقيب (جو كاسيدي) الذي زرعوه عميلاً مزدوجاً بالعمد بين صفوف منظومة الجاسوسية السوفييتية كان ممثلاً بالفطرة وتلك صفات في غاية الأهمية, وخاصة عندما بدأ الطرف الأمريكي حرب الخداع التي شنها ضد الطرف السوفييتي في معادلة الجاسوسية ومكافحة الجاسوسية. بدأت حرب الخداع عام 1965 وكان قد سبقها ـ كما ألمحنا في حلقات سابقة ـ حرب اكتساب الثقة التي اقتضت ان يقدم الامريكان إلى الروس بواسطة العميل المزدوج المزروع معلومات صحيحة ومستندات موثوقة لكي يكسب العميل ثقة المخابرات السوفييتية التي حق لها وقتها ان تتصور أنها وقعت على صيد ثمين مجسداً بضابط صف يعمل في مختبرات الحرب الكيماوية الأمريكية يقول مؤلف كتابنا: في علم المخابرات, يصدق على مادة الخداع مصطلح يستخدمونه وهو: (التضليل بالمعلومات) كان الأمريكان يعرفون ان الروس سبقوا عام 1959 إلى انشاء إدارة كاملة بين صفوف مخابراتهم كي9 جي 9 بي حملت الاسم الرمزي (الإدارة دال) وكانت مهمتها التضليل الإعلامي أو الخداع المعلوماتي. وشملت عملياتها بالتالي اصطناع أو تزييف المستندات وبث معلومات مضللة القصد منها ارباك وتضليل الحكومات الأجنبية,وخاصة المعادية لموسكو. على الجانب المقابل انشأ البنتاجون الأمريكي آلية مناظرة أو موازية تشرف عليها لجنة المخابرات العليا المشتركة بين وكالات ودوائر الاستخبارات والعمليات السرية في أمريكا. والأهم في عمليات التضليل اياها تحقيق الهدف الذي يحدده القاموس الدولي للمخابرات الصادر عام 1990 في العبارات التالية: (انها تقصد إلى اضعاف ومحو وتدمير الثقة في الأفراد والمنظمات والحكومات من خلال بث معلومات تمت صياغتها وتشويهها بكل دقة وخبث) . استنزاف الخصم كانت هذه الثقة (الخبيثة) استنزاف الخصم كما وصفها القاموس المخابراتي المذكور تعني ان تستند الوثائق المصطنعة إلى جزء ما من الواقع والحقيقة.. وإلا انفجرت العملية في وجه صانعيها.. فالروس رغم كل شيء كان لديهم أجهزة استخبارات مقتدرة وكان بها ولاشك اختصاصيون من مستوى رفيع في تقدير المواقف وتقييم المستندات. ولهذا كانت المستندات اصلية والمعلومات قابلة للمقارنة والمضاهاة على ما سبق, ولكن كانت تحمل انماطاً شتى فرضتها حرب الدهاء والخداع من الحذف والاضافة ومن ايراد ارباع الحقائق في اطار من الخلط الذكي المتعمد بحيث تفضي إلى خيوط متشابكة من شأنها ان تسلم بدورها إلى ضروب شتى من الحيرة والتشتت والارتباك. هكذا قالت الوثائق المصطنعة التي تمت (دكترتها) كما يقول المصطلح الأمريكي ان واشنطن قد امتلكت بالفعل غاز الاعصاب من المستوى (زاي) ولم يكن ذلك صحيحاً والصحيح ان العلماء الأمريكان في مختبر (اد جوود) للحرب الكيماوية حاولوا بلوغ هذا المستوى وفشلوا ـ وكل ما هنالك ان تناولني المعلومات المقدمة بوصفها طُعماً للصنارة الروسية بعض هذه الجهود ثم ادعت زوراً انها كللت بالنجاح لترويج الخصم السوفييتي وربما دفعه دفعاً إلى الركض لبلوغ المستوى الأمريكي المزعوم. وكان هذا الركض يعني مزيداً من الجهود والطاقات والوقت والأموال التي ناءت بها خزانة الاتحاد السوفييتي على مر السنين وفي هذا تقول ملفات مكافحة الجاسوسية في مكتب المباحث الأمريكي (ص 50 من كتابنا) : كان الهدف الأساسي هو دفع السوفييت إلى إجراء بحوث واسعة النطاق وإلى اعتماد أموال طائلة وإلى حشد الطاقات البشرية المتخصصة وتنظيم عمليات التدريب المتقدم وتعبئة الامكانات المادية والمؤسسية اما الإنتاج أو صد الحظر (المرتقب) من جراء عنصر كيماوي شديد الخطورة والفتك لم تكن الولايات المتحدة في واقع الأمر قد توصلت اصلاً إلى إنتاجه ومن ثم فلم يكن لديها نية اصلاً لاستخدامه. بيد ان العملية الخداعية كان لها جانبا آخر ينطوي بدوره على مخاطرة. وكانت المخاطرة تتمثل في خشية الأمريكان من ان ينجح الروس في تصفية وتقطير المعلومات المختلطة المقدمة لهم.. ويعزلوا من ثم المعلومات المفيدة مع القاء المعلومات الزائفة في سلال المهملات مما قد يضعهم على أول طريق تطوير مواد الحرب الكيماوية. وقد يحققون بهذا فتوحات علمية ومختبرات تقنية يسبقون بها علماء امريكا وبأشواط بعيدة بعيدة. بالنقاط والصخور! الحاصل ان سفارة روسيا في واشنطن بدأت تتلقى المعلومات المجهزة بواسطة العميل المزدوج كاسيدي وبعدها بدأ جسر المعلومات ينشط في دورة محمومة بين موسكو وسفارتها في واشنطن واستمرت هذه الدورة حتى صيف عام 1969 حيث كانت المخابرات السوفييتية تلح باستمرار في طلب المزيد من المعلومات عن غاز الاعصاب الجديد الذي اكتشفه الامريكان.. وكان العميل (كاسيدي) يزودهم بالمزيد من الوثائق بعضها كان حقيقيا والبعض الآخر كان مزيفا أو مضللا بطبيعة الحال. ولما زادت أهمية كاسيدي بالنسبة لمنظومة الجاسوسية الروسية, اطلعه مسئوله الجاسوس الروسي دانيلين على احدث وسيلتين وقتها لممارسة هذا اللون من التجسس: الوسيلة الأولى كانت الميكرودوتس أو هي النقاط أو النقيطات المتناهية الصغر.. عبارة عن بقع فيلمية مستديرة يمكن بواسطتها تصغير أكبر حجم من البيانات لدرجة لا تزيد على حجم نقطة الطباعة التي تقرأها على هذه السطور. اما الوسيلة الثانية فهي صناعة صخرة مزيفة ومجوفة حيث لا يستغرق الأمر بعد التدريب طبعاً سوى ساعة واحدة لا غير ليتم بعدها صنع صخرة غير حقيقية من الورق اللاصق الباريسيما الرمادي اللون الملفوف حول جسم من الشمع الخفيف الذي يكسوه بعد ذلك ورق التغليف المصنوع من رقائق الزنك المفضضة وبعدها ينثر على الصخرة المزيفة قدر من الطين أو الرمال وتلقى على جانب الطريق وسط حديقة أو غابة شأنها شأن أي صخرة من صنع الطبيعة وفي داخلها توضع الكاميرا الدقيقة ونقط البيانات المتناهية الصغر وبهذا يمكن للطرفين الجاسوس ومسئول الجاسوس.. ان يتبادلا الرسائل والصور ونقاط البيانات دون ان يلتقيا معاً ودون ان يثير أي منهما شبهات.. ومن ذا الذي يشتبه في رجل يعالج صخرة ملقاة هنا أو هناك في زاوية حديقة أو بين اشجار دغل كثيف؟. وكان طبيعيا ان يضع كاسيدي الصخرة الموعودة أو ان يسلمها بكل محتوياتها إلى رؤسائه في المباحث الأمريكية الذين عمدوا لفورهم إلى تكبير النقاط الميكروية ومن ثم عرفوا كل تعليمات موسكو إلى عميلها الأمريكي (المزدوج حتى لا ننسى) وان يصوروا بالمرة مبالغ النقود التي كانت موسكو تدفعها للسيد العميل. من ناحية أخرى, لاحظ رجال مكافحة الجاسوسية ان المسئول الروسي كان يختار اماكن وجوده بدقة متناهية ويعمد إلى ان تكون مواقع خلوية, حدائق أو ادغال قريبة من العاصمة واشنطن لماذا؟ لان هذه المواقع يسهل فيها على المرء ان يتبين وجود اي عناصر بشرية فيها, فما بالك اذا كان هذا المرء جاسوساً سوفييتيا مدرباً. لهذا استبعد الأمريكان متابعة تحركات غريمهم السوفييتي دانيلين فهو دبلوماسي في كل حال, وهو شديد الحذر وحاد الذكاء في كل الأحوال, واكتفوا بوضع شقته الدبلوماسية الفارهة تحت المراقبة كما اكتفوا بتصويره عن بعد في لقاءاته مع عميله وعميلهم كاسيدي وكانت تتم باستمرار في ساحات انتظار السيارات حيث لم يكن لدى أي منهما وثائق أو مستندات اذ كان تبادل المستندات ـ كما ألمحنا ـ يتم داخل الصخور المجوفة في أركان الحدائق وزوايا الغابات. ذات مرة ارادوا ان يصوروا الهدف السوفييتي وهو يفرغ احدى الصخور من محتوياتها عرفوا من كاسيدي اسم المكان وذهبوا إلى هناك.. لكن ما اشد احباطهم حين اتضح ان الجاسوس السوفييتي اختار مكاناً شبه معتم لا يصلح فيه التصوير إلا بالاشعة تحت الحمراء.. وازداد احباطهم حين ادركوا مسبقا انه قادر على تمييز الأمر بدقة مما قد يسلمه إلى شعور بالارتياب. الحظ العنيد كم كان احباطهم ايضاً حين اتيحت لهم فرصة تصوير سائغة وسانحة وقد علموا ان المقابلة ستتم في ساحة الانتظار التابعة لسوبر ماركت كبير. رصدوا المكان واختاروا بيتا مطلاً على الساحة وزاروا أصحاب البيت وابرزوا لهم شخصياتهم على انهم رجال أمن يتابعون احد المشبوهين ثم نفحوا صاحب البيت 25 دولارا طالبين منه بأدب جم محسوب ان يتفضل بمغادرة البيت ساعتين كي يتناول مع (المدام) طعام الغداء وطمأنوا الاثنين ان المنزل سيكون في الحفظ والصون وكل ما هنالك استخدامه من أجل اطلالة يلقونها من زاوية شباك. واذ حانت اللحظة الحاسمة واستعدت الكاميرات كي تدور.. فوجىء رجال المباحث بقاطرة تراكتور ضخمة لم يفتح الله على سائقها الهمام إلا بأن يوقفها أمام المنزل المختار بل عند الزاوية التي كان يتم منها التصوير وطبعاً ضاعت الفرصة وحل محلها الاحباط. وجاءت مطالع عام 1967 لتشهد تحولاً في الأحداث رصده بالطبع رجال المباحث الأمريكان. ذهب عميلهم كاسيدي كالعادة إلى موعد مع (مايك) الروسي وهو في الحقيقة دانيلين الجاسوس السوفييتي. فوجىء كاسيدي بان ثمة شخصاً آخر كان بصحبة مسئوله الروسي ركب الثلاثة سيارة الاولدز موبيل الزرقاء التي يملكها العميل الأمريكي وبعد ان قطعت السيارة شوطاً في الارياف.. أشار الروسي بالوقوف وبالخروج من السيارة.. وكان ذلك امراً غير عادي اذ درجت العادة ان تقف السيارة ويهبط منها الروسي وحده بينما يواصل الأمريكي المسير. المهم ان خرج الثلاثة إلى زاوية في الطريق وكان قلب الأمريكي يخفق ترقباً واستغراباً وفوجىء أولاً بالروسي دانيلين يقول: ـ مايك.. هذا صديقي (مايك) وهو رجل طيب وسوف يعتني بك جيداً وفوجىء أكثر حين تقدم منه الروسي واحتضنه باعزاز قائلا: انا لن اراك مرة اخرى. كان الظلام مسدلاً ولكن وسط الاضواء البعيدة لمح الأمريكي دموعاً في عين الجاسوس الروسي دانيلين الذي رافقه على امتداد نحو 8 سنوات. بالنسبة للعميل الأمريكي كاسيدي كان المشهد عاطفياً بحق. أما بالنسبة لرجال المباحث الأمريكية, فلم تكن العاطفية بالأمر المهم في قليل أو كثير بل كانت الدلالة المهمة هي ان الروس قد وضعوا ثقة كبيرة وعميقة في العميل الأمريكي المزدوج.. وها هو رجلهم في واشنطن دانيلين يفترق عن عميلهم كاسيدي وسط مشاعر حزن وأسف عميقين.. غير انه يفترق عن عميل بالغ القيمة جم الفائدة.. واذا ما كان الروس يثقون في كاسيدي, فهم قد يثقون بالتالي في معادلات غازات الاعصاب التي قدمها كاسيدي اليهم وكانت معادلات مشوشة في احد جوانبها ومصطنعة ومزيفة في جوانبها الأخرى. كلام صور: * كاسيدي في صورة التقطها الأمريكان وهو ينفذ تعليمات السوفييت: كتاب في اليد وغليون في الفم * أخبار الغاز الفتاك أثارت الخوف في موسكو