قال الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل أنه اختلف مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر رغم صداقته له: (لكنها خلافات أصدقاء, وهناك شيئان كنت حريصا عليهما جعلاني أحافظ على التوازن في العلاقة وأقول رأيي لعبدالناصر بلا تردد، وهما أولا أني لست طرفا في صراعات السلطة بمعنى أن جمال عبدالناصر لايستطيع أن (يمنحني) أي منصب. ثانيا: أنني لم أطلب أية ميزة شخصية لي أو لأحد من أقاربي وعندما خرجت من الأهرام كان راتبي خمسة آلاف جنيه في السنة وكانت مقالاتي تباع في الخارج بـ 2000 جنيه استرليني, وكنت أعطي خزينة الأهرام ألف جنيه معتبرا أن الأهرام له الحق الأدبي) . وعما اذا كان اقترابه من عبدالناصر على هذا النحو أدى الى وجود من يحاربه ويثيره هذا الاقتراب الحميم, قال هيكل في الجزء الرابع من حواره لمجلة نصف الدنيا الصادرة اليوم في القاهرة: هذا طبيعي جدا خصوصا عندما يكون الحاكم جمال عبدالناصر بجاذبيته والشعبية المحيطة به التي لم تتكرر, أتذكر أنني قلت للرئيس عبدالناصر إنه لازم يشوف ناس وقلت له لابد من توسيع دائرة المعرفة واقترحت عليه في وقت من الأوقات أن يدعو عشر شخصيات عامة حتى من وزرائه في بيته ويتكلم معهم بدون قيود الرسميات, وبالفعل نفذ الاقتراح مرتين على مدى شهرين ولكن مع الأسف الشديد لم يتكلم أحد. وأرجع هيكل صمت الذين قابلوا عبدالناصر الى مجموعة أشياء لاتقف عند الخوف من مقابلة الحاكم كما يظن البعض, وضرب هيكل مثلا لذلك تتعلق بقانون القضاء وقال: كانت هناك ملاحظات سمعتها من رجل فاضل وهو ممتاز نصار وكان وقتها رئيس نادي القضاة وأنا أعتبر ممتاز نصار قطعة من أرض الصعيد بديعة وصلبة وشامخة وقد أردت في موضوع قانون القضاء أن أسمع رأيا محايدا, فاتصلت بالدكتور جمال العطيفي وكنا في الاسكندرية وطلبت منه أن يمر على في الكابينة ولما جاء, سألته أنت درست الموضوع ده؟ فقال أيوه درسته وروى لي جمال العطيفي عن تصوراته وذكر لي أخطاء قانونية في القانون وأنا أرى أن جمال العطيفي من أفضل عقول مصر. فقلت له أنا رايح أشوف الرئيس عبدالناصر وأنا سمعت منك الملاحظات جيدا, ولكني اقترح مجيئك معي في السيارة, وتنتظرني فإذا احتاج الأمر لايضاحات طلبت منك الدخول ولقاء الرئيس وفي واقع الأمر, لقد خططت الأمر هكذا من المهم أن يسمع الرئيس هذه الأمور من انسان متخصص ولديه الحيدة الكاملة, بدلا من أن يسمع مني نقلا عن وعن! ولما قابلت جمال عبدالناصر, ذكرت له أن جمال العطيفي معي في السيارة وطلب الرئيس دخوله, وخرجت وصارحت جمال العطيفي أن الرئيس يود أن يسمع منه تصوراته وملاحظاته على قانون القضاء ودخل جمال العطيفي وسواء كانت هيبة اللقاء أو هيبة الرجل أو جاذبيته, قل ما تشاء المهم أن جمال العطيفي كان لسانه انعقد ولم يستطع الكلام ولم ينطق. تذكرت أن الرئيس عبدالناصر كانت عنده فكرة عن رجال الأعمال, يصدق عليها تعبير كامل الشناوي فلان ده من رجال الأعمال وبعد ثوان يقول كامل الشناوي: المريبة فتصبح العبارة فلان ده من رجال الأعمال المريبة وذات مرة كان لي صديق اسمه نيازي مصطفى وكان خارج مصر وعاد واستأذنت الرئيس ليرى نيازي مصطفى. فلما دخل انعقد لسانه ولم ينطق بكلمة. فلما خرجنا قلت له ايه اللي انت عملته ده؟ فقال مغناطيس عينه ياهيكل!. يضيف هيكل: أنا أذكر أنه كان بيني وبين الرئيس جمال عبدالناصر خط تليفوني خاص. اذا رفع الرئيس السماعة يرن عندي, وعندما كان الرئيس الراحل السادات بييجي عندي الأهرام ويزورني ـ قبل الرئاسة كان يعرف بموضوع الخط التليفوني الساخن وأحيانا أثناء وجود أنور السادات يرن جرس التليفون, فقال أنور السادات مرة آه لو قصوا سلك التليفون يا محمد 5 دقائق, يقصوا رقبتك بعدها كنت أتكلم كمدني وصديق ومن غير عوائق, وأنا وسط مؤسسة فيها أحسن عقول مصر وعندما قال لطفي الخولي يوما إن المثقفين بيتحاورون مع عبدالناصر من خلال هيكل كان صادقا إنها طبيعة الأمور والنزعات البشرية. وفيما يخص علاقاته العامة وعما اذا كان قربه من عبدالناصر ساعده فيها قال هيكل: ما أستطيع أن أقوله إن هناك عناصر ساعدتني خصوصا الفترة التي كنت أعمل فيها مراسلا حربيا لفترة طويلة بعد الحرب العالمية الثانية. هناك قابلت كل رؤساء تحرير الصحف العالمية وكانوا وقتها شبانا مخبرين في مواقع العمل وكبرنا كلنا معا وأصبح لكل واحد منا موقعه. وعلى سبيل المثال, عندما يطلب مني رئيس تحرير التايمز أن يقابل جمال عبدالناصر فمن الطبيعي أن أعده وعندما أسافر الى لندن وأطلب منه أن يساعدني في مقابلة ما فمن الطبيعي أن يستجيب فأنت في الحالة هذه عايش حوادث وبالتالي متصل بكل ما يجري وأمر آخر هو الفترة التي اقتربت فيها من جمال عبدالناصر, قابلت عددا كبيرا من الناس وبالتالي أنشأت قاعدة عريضة من العلاقات الانسانية. مثلا. أنا قابلت نهرو للمرة الأولى مع جمال عبدالناصر وتحاورت كثيرا مع نهرو ولم أجعله يشهد أن كل اللي عاوزه منه أن أسمع كلاما على لسانه وأنشره في الجورنال حاولت أن أجعلها حوار أوسع وصل بعدها الى حدود الصداقة مثالا آخر, لما جاء خروشوف إلى المنطقة يزورها لأول مرة طلب أن يرى واحدا يعرف المنطقة كويس وليس من الرسميين واختارني لأراه وكان عندي الفرصة 4 أيام مع خروشوف في البحر على المركب ارمينيا وقبلها يومان في بيته, معنى هذا أن هذه فرصة نادرة لمقابلة هذه الشخصية. وأتذكر أن جمال عبدالناصر أعلن بيانا معلقا على غزو كوبا وهي محاولة فاشلة. البيان تضايق منه كيندي وتبادل الاثنان خطابات وكان لابد من تصفية الموقف وكنت أعرف جورج باندي مستشار الأمن القومي وسالينجر. وهنا تفيد دائرة العلاقات. فكان سهلا السفر ولقاء هذه المصادر لأوضح لهما مالايقال رسميا. هناك أيضا المصادفات تلعب دورا. كنت في جينيف وتوجهت الى أمريكا واشتريت سيجاراً كوبياً وعندما هبطت الطائرة ونزلت في مطار نيويورك وكان ينتظرني مراسل الأهرام هناك وقال لي من وراء الحاجز الجمركي أوعى تكون جايب معاك سيجار فقلت له معايا فانزعج, ولحسن الحظ فتحوا كل الحقائب ماعدا حقيبة السيجار. وذهبت الى البيت الأبيض. ودخلت المكتب البيضاوي عند الرئيس كيندي الذي بادرني قائلا أن عارف انك بتحب السيجار ثم اعطاني سيجارا فلبينيا فاعتذرت عنه وسألني ما السيجار الذي تفضله؟ فأخرجت واحدا وقلت له ده! فقال كيندي عندما رآه (ده جريمة في أمريكا) , وأضاف وفي البيت الأبيض مشكلة أكبر. ثم كان رقيقا عندما قال ومع ذلك لن أحرمك منه. فأشعلت السيجار وعندما وصلت رائحته لأنف كيندي, قال إنه جميل, وطلب واحدة وأضاف أنا ممكن أطرد من منصبي بسبب هذا السيجار. فقلت لكيندي: سيدي الرئيس سأترك كل ما معي من سيجار! المعنى المستنبط مما رويت لك هو أهمية إزالة الحواجز بين الصحفي وصناع القرار بحيث لايصبح الصحفي مجرد واحد ماسك قلم وورق وبيسأل أين ترعرع سيدي؟ القاهرة ـ مكتب البيان