لا يترك الانسحاب المفاجىء من جنوب لبنان من جانب القوات الاسرائيلية يوم الرابع والعشرين من مايو الماضي في اعقاب التفكك النهائي لجيش لبنان الجنوبي المدعوم من اسرائيل وراءه سلاما هشا فحسب وانما فراغا خطيرا كذلك. كل العيون مسلطة الآن على سوريا, ففي حين لا تبدو دمشق مستعدة لاستئناف محادثات السلام مع اسرائيل التي توقفت في يناير الماضي, الا ان هناك مؤشرات على انه ليس من مصلحة احد اثارة مواجهة جديدة. كان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك قد اعد عملية الانسحاب في الاصل كجزء من اتفاقية سلام مع سوريا, لكنه في النهاية فصلها عن عملية السلام. وهذا الامر ترك دمشق معزولة وجازمة في اعتقادها ان الولايات المتحدة تقف بما لا يدع مجالا للشك وراء اسرائيل. وفي غضون ذلك, لايتوقع حدوث اي تحرك مهم على صعيد العملية السلمية حتى ما بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية الامريكية في نوفمبر المقبل. وتبقى المنطقة على حد السكين, تترقب بقلق لترى ما اذا كانت ستتورط بدوامة عنف جديدة او تقترب خطوة اكثر من تسوية سلمية شاملة. وكانت الحكومة اللبنانية مترددة في نشر جيشها في المنطقة, وذلك راجع في الاساس الى ان بيروت لا تريد ان ينظر اليها كمن يحمي الحدود الشمالية لاسرائيل خاصة مع تطبيق اسرائيل مؤخرا لقرار مجلس الامن الدولي رقم 425 لعام 1978. وقال العماد ميشيل سليمان قائد الجيش اللبناني ان (الجيش لن يكون حرس حدود لاسرائيل) . ان هذا الموقف قد يتغير عندما تنتشر قوات الطوارىء الدولية العاملة في لبنان بالكامل على طول الحدود, كما كانت مفوضة للعمل في الاصل عندما شكلت في عام 1978 عقب الغزو الاسرائيلي الاول في ابريل من ذلك العام, وتعلن تحققها من الانسحاب الاسرائيلي. وكان الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان قد صرح في وقت سابق بأنه يعتزم تعزيز قوات الطوارىء الدولية العاملة في لبنان من عددها الحالي البالغ 5300 الى حوالي 8.000, بالأسلحة الثقيلة ربما, الامر الذي يبدو على نحو مريب كتحويل لمهمة حفظ السلام الى مهمة فرض السلام. وحذر عنان من انه اذا لم يتم نشر الجيش اللبناني (بشكل مناسب فإن قوات الطوارىء الدولية لن تكون في وضع يسمح لها القيام بالمهام الموكلة لها) والتي تقضي باستعادة الامن والسلام في المنطقة. واضاف بأنه في حال (غياب بدائل قابلة للتطبيق) فإن ذلك قد يعني اضطرارنا لسحب قوات الطوارىء الدولية. وحتى بالنسبة للاسرائيليين, الذين وبعد عقود من شجبهم لقوات الطوارىء ونعتها بعدم الفاعلية والذين يعتمدون الآن على قوات الامم المتحدة في منع وقوع هجمات عبر الحدود, فإن ذلك سيكون له وقع الكارثة. وتصر قوات الطوارىء الدولية على انه ليس من مهمتها ملء الفراغ القائم في الجنوب وان ذلك من واجب الحكومة اللبنانية. وبالتالي فإنه حتى تقوم بيروت بإرسال جيشها الى المنطقة لاستعادة سيادة الدولة. وقد ارسلت حتى الآن 600 عنصر من قوات الدرك تقريبا فإن حالة الغموض وبالتالي خطر استئناف اعمال العنف سيظل قائما. وقد سارع حزب الله وهو القوة الرئيسية في المقاومة اللبنانية, في الانتشار على طول الحدود اللبنانية مع اسرائيل البالغة 145 كيلومترا لأول مرة الامر الذي جعله يقابل قوات الجيش الاسرائيلي وجها لوجه عبر الحدود. وفي اعقاب الانسحاب مباشرة حذر حزب الله من انه سيواصل مهاجمة اسرائيل حتى تقوم بإطلاق سراح جميع الاسرى اللبنانيين حيث لا يزال حوالي 30 منهم خلف القضبان وتخلي مزارع شبعا ـ على الرغم من تهدئة حزب الله للهجته في الايام التي تلت ذلك. ويدعي لبنان ان ملكية هذه المزارع تعود له مع ان الاسرائيليين استولوا على المنطقة من السوريين في عام 1967. وقالت سوريا من جانبها انها تنازلت عن المنطقة الى لبنان في اتفاقية غير مكتوبة في عام 1951. وقد اربك طرح بيروت لقضية مزارع شبعا في اللحظة الاخيرة الجميع بمن فيهم حلفاء بيروت العرب ووصفت على نطاق واسع بأنها محاولة سورية لتقويض الانسحاب وذلك لان دمشق ستفقد بذلك عنصرا مهما في ابقاء الضغوط العسكرية على اسرائيل للتنازل عن مرتفعات الجولان. غير انه وفي اعقاب المحادثات بين وزير الخارجية السوري فاروق الشرع ومبعوث الامم المتحدة تيري رود لارسون في الحادي والثلاثين من مايو في دمشق, وافقت سوريا على قرار مجلس الامن الدولي, الذي لا يعتبر مزارع شبعا المتنازع عليها ارضا لبنانية. ويقول هيثم الكيلاني, محرر مجلة (قضايا استراتيجية) التي تتخذ من دمشق مقرا لها ان دمشق (لم تجعل مزارع شبعا قضية كبيرة نظرا لأن الامين العام للامم المتحدة صرح بأن مشكلة السيادة على المزارع المتنازع عليها يمكن تسويتها بالاتصالات الدبلوماسية بين سوريا ولبنان والامم المتحدة) . وقالت مصادر سورية ان دمشق ربما اختارت تهدئة الوضع في جنوب لبنان (كبادرة حسن نية لتشجيع اسرائيل على تفعيل محادثات السلام) . ومن غيرالواضح حتى الآن ما اذا كان الاستقرار في جنوب لبنان سيكون دائما ام مؤقتا الى حين توقيع معاهدة سورية ـ اسرائيلية. غير ان العديد من المراقبين يتوقعون ان تأخذ الامور بالتوضح بصورة او بأخرى بعد مؤتمر حزب البعث السوري الذي بدأ اعماله في دمشق. وقال محلل سوري ان اسرائيل ربما تكون قد جردت دمشق من عناصر المساومة الكبيرة لديها بانسحابها الاحادي الجانب من جنوب لبنان. غير انه من المستبعد ان تكون سوريا راغبة على الرغم من ضيق الخيارات المتاحة لديها الآن, في صراع مباشر مع اسرائيل بسبب ضعفها الاقتصادي ولأن قواتها المسلحة ليست ندا للجيش الاسرائيلي الآن نتيجة عدم حصولها على اسلحة جديدة مهمة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. كما ان على القيادة السورية ان تواجه مشكلات سياسية وامنية داخلية, الامر الذي يستبعد اي عمل عسكري من جانب سوريا في هذا الوقت. وقال رئيس اركان الجيش الاسرائيلي السابق والعضو الحالي في مجلس الوزراء الاسرائيلي آمنون شاحاك, الذي يتخوف من تجدد هجمات حزب الله: (ان غموض الواقع الجديد هو الامر الذي يقلقني) . وقد اوضح الاسرائيليون لدمشق بأنهم سيردون بقوة ساحقة على الاهداف السورية في لبنان اذا تدهور الوضع. وكان القادة العسكريون الاسرائيليون قد حذروا دمشق من انها ستعتبر مسئولة عن اي اندلاع للعنف سواء من جانب حزب الله او المتشددين الفلسطينيين الموالين لسوريا في لبنان. وعلى نحو لم يكن مستغربا قالت الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ان السوريين يقومون بتدريب التنظيمات الفلسطينية المتشددة لشن هجمات على اسرائيل عبر الحدود. وكانت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت قد صرحت يوم الرابع والعشرين من مايو بأن السوريين (يتحملون مسئولية خاصة في ضمان عدم تفاقم الوضع) . وفي داخل لبنان ايقظ الانسحاب الاسرائيلي المخاوف من تجدد الصراع الطائفي, فظهور حزب الله في الجنوب وميليشيات اخرى يغلب عليها المسلمون اثار خوف المسيحيين في المنطقة وباقي لبنان عموما. وبينما كانت هناك بعض الاعمال الانتقامية ضد العملاء الا ان القادة المسلمين سعوا الى تطمين المسيحيين بأنه لن تكون هناك اعمال انتقامية او سفك دماء وحتى الآن لم تشهد المنطقة اية اعمال عنف وقد هرب معظم افراد جيش لبنان الجنوبي الى اسرائيل او سلموا انفسهم للحكومة اللبنانية على امل الحصول على احكام مخفضة من جانب المحاكم. ولا تزال الانتخابات النيابية اللبنانية المقرر اجراؤها في اغسطس المقبل في مسارها الصحيح. وسيجد حزب الله في استغلاله لانتصاره صعوبة في استقطاب الاصوات له اذا قام بشن هجمات جديدة على اسرائيل لا تؤدي سوى الى تشجيع اعمال انتقامية واسعة النطاق على البنية التحتية للبنان التي تعاني بالفعل من التدهور. عن (جينس ديفنس ويكلي) ترجمة: ضرار عمير