انها لمصادفة ان يتزامن كشف النقاب عن التمثال الأول لسلفادور أليندي الذي سيتم نصبه قريباً في تشيلي مع اقتراب البلاد من ايجاد تسوية لمصير الجنرال أوجيستو بينوشيه, الذي اطاح بحكومة أليندي في الانقلاب العسكري الدموي عام 1973. غير ان نصب التمثال الخاص بالرئيس الاشتراكي السابق على بعد ياردات فقط من قصر مونيدا حيث انتحر خلال الانقلاب, يمثل بصورة رمزية وبسيطة جهداً للتصالح مع الماضي وفهمه. وفي هذا الاتجاه تصب أيضاً الاتفاقية التي تم التوصل اليها الشهر الماضي, والتي وعدت فيها القوات المسلحة بالكشف عن مكان دفن ضحايا النظام الديكتاتوري للجنرال بينوشيه بين عامي 1973 و 1990 والذين لا تزال جثثهم مفقودة. ومن اجل تشجيع الضباط في الجيش على تقديم هذه المعلومات, مررت الحكومة عبر الكونجرس مؤخراً, قانوناً يضمن لهم عدم ذكر اسمائهم. وجاءت هذه الاتفاقية في اعقاب عام تقريباً من المحادثات التي رعتها الحكومة بين ضباط الجيش ومحامي حقوق الانسان. وكانت هذه المحادثات قد بدأت اثناء احتجاز الجنرال بينوشيه لمدة 17 شهراً في بريطانيا, حيث كان ينتظر صدور حكم من المحكمة, حول ما اذا كان سيتم ابعاده إلى اسبانيا ليواجه تهماً تخص السنوات التي قضاها في السلطة. وتمثل الاتفاقية المرة الأولى التي تعترف فيها القوات المسلحة ولو ضمناً بدورها في تنفيذ فظائع النظام الديكتاتوري. وهذا أمر حيوي بالنسبة للاستراتيجية السياسية الخاصة بريكاردو لاجوس, وهو اشتراكي معتدل تولى مهام منصبه كرئيس لتشيلي في مارس الماضي, بعد ايام فقط من عودة الجنرال بينوشيه إلى الوطن. وقد اصر لاجوس على ان مصير الديكتاتور السابق العجوز والبالغ من العمر 84 عاماً يعتبر مسألة يقررها القضاء. وهو اراد بذلك ان يفصل هذه المسألة عن المسألتين الاخيرتين اللتين تقفان ما بين تشيلي وهدفها بالتحول المطول نحو الديمقراطية الكاملة وهما: (المفقودون) والغاء مواد في الدستور تمنح القوات المسلحة الوصاية على السياسيين المنتجين. وقد قام لاجوس دعوات من المعارضة المحافظة لاجراء مفاوضات سياسية تشمل جميع القضايا الثلاث. وفي الواقع فان القضايا الثلاث مرتبطة بشكل وثيق. وتأتي الاتفاقية الجديدة لحقوق الإنسان في الوقت الذي تعد المحكمة العليا التشيلية لمراجعة قرار محكمة الاستئناف الذي صدر الشهر الماضي والقاضي بتجريد الجنرال بينوشيه من الحصانة ضد المقاضاة التي يتمتع بها بصفته عضواً في مجلس الشيوخ للأبد, وهي مكانة منحت له من قبل نظامه الخاص. وان من شأن ذلك القرار ان يفتح الطريق أمام محاكمته المحتملة بتهم بخصوص أكثر من 100 قضية تتعلق بحقوق الإنسان كان قد تم رفعها ضده في تشيلي. وكان يتوقع دائماً ان تهب المحكمة العليا لمساعدة الجنرال بينوشيه, لكن الآن لديها سببا اضافيا للقيام بذلك. يقول محام مرموق: (لن يقوموا باثارة المزيد من المشكلات في الوقت الذي يتخذ الجميع موقفاً استرضائياً: وأحد الاحتمالات التي جرى بحثها في سينيتاجو هو ان تقرر المحكمة العليا بأن الجنرال بينوشيه يفتقر للحصانة لكنه أضعف جداً من ان يحاكم, وهو القرار نفسه الذي توصل إليه جاك سترو, وزير الداخلية البريطاني. وستشعر الحكومة وكذلك القوات المسلحة بالارتياح اذا ما سمحت الحكومة في النهاية للجنرال بالافلات من قبضة العدالة. فهذا القرار من شأنه ان يفسح المجال أمام لاجوس للتركيز على قضايا تتمتع بجاذبية أكبر في السباق إلى الانتخابات البلدية في أكتوبر المقبل. وتظهر استطلاعات الرأي ان اكثر من نصف التشيليين يعتقدون ان بينوشيه مذنب بارتكاب جرائم تتعلق بحقوق الانسان وانه يتوجب محاكمته, لكن القضايا المعيشية الواقعية مثل ادخال تحسينات على الخدمات الصحية تعتبر قضايا أفضل بكثير للحصول على أصوات الغاضبين. ومع ذلك, فان اتفاقية حقوق الإنسان تعتبر مغامرة قد تنقلب سلباً على لاجوس. فالقوات المسلحة أمامها ستة اشهر, قابلة للتمديد لسنة, لتقديم معلومات عن رفات حوالي 1000 شخص ممن (اختفوا) خلال حكم النظام الديكتاتوري, ومعظمهم اختفى أثناء احتجازهم من قبل الجيش أو الشرطة, وعن 200 ضحية اخرى تسلمت عائلاتهم اشعارات بموتهم ولكن بدون ان تتسلم جثثهم. وللقوات المسلحة أسبابها التي تدعوها للاذعان, فقادتها الحاليون, الذين كانوا ضباطاً صغار الرتبة ابان الانقلاب, يريدون ان يحظوا بمكانة اجتماعية محترمة بين الناس. لكن مصدراً في الجيش يقول بأن المعلومات قد تتوفر لما بين (400 ـ 600) من الحالات فقط, وحتى في هذه الحالة, فانها قد لا تكون مفصلة بما فيه الكفاية. ففي العديد من الحالات, يعتقد بأن الجثث قد تم التخلص منها برميها من الطائرات في البحر أو على قمم جبال الانديز. وعندما يتم العثور على الرفات او اثبات حالات الوفاة, فلن يكون بمقدور القضاة بعد ذلك المراوغة والالتفاف على قانون العفو الخاص بالديكتاتورية من خلال التعامل مع (حالات الاختفاء) على انها حالات اختطاف لم تحل وبالتالي كجرائم مستمرة. وقد اعتمدت المحاكم على هذا التفسير في رفعها لحصانة الجنرال بينوشيه وفي اصدارها أوامر باعتقال ضباط آخرين متقاعدين. وتنفي الحكومة ان يكون الاتفاق يضمن الافلات من العقوبة لمرتكبي الجرائم المتعلقة (بحالات الاختفاء) . ولكن هذا ما تأمل القوات المسلحة بحدوثه ـ وما يتخوف منه العديد من اقارب الاشخاص (المختفين) . وهؤلاء الاقارب لايريدون الحقيقة فحسب وانما يريدون تطبيق العدالة وربما الانتقام أيضاً. ولكن اذا قام الجنود بتقديم المعلومات, فان هذا سيؤدي في حكم المؤكد تقريباً إلى وضع حد لأية محاكمات, على الأقل فيما يتعلق بالفترة ما بين 1973 ـ 1978 التي يغطيها العفو. ويقول ريكاردو دزرائيل استاذ العلوم السياسية في جامعة تشيلي ان (هذه الاتفاقية تعتبر شيئاً جيداً, ولكنها تمثل المفترق الذي ينفصل عنده الحزن العام والحزن الخاص) . والقضية الثانية أمام الحكومة تتعلق باصلاح الدستور الذي صاغه النظام الديكتاتوري السابق. وتحد هذه القضية من صلاحيات الحكومة المنتخبة والسيادة العامة. فالرئيس لا يستطيع, على سبيل المثال, ان يفصل قادة الجيش الكبار من الخدمة. وقد اتاحت أصوات تسعة أعضاء غير منتخبين في مجلس الشيوخ, أربعة منهم تعينهم القوات المسلحة, خلال العقد الماضي للمعارضة المحافظة اعتراض طريق إجراء التغييرات الدستورية التي تتطلب أغلبية الثلثين. وتقول المعارضة انها تدعم الآن العديد من الاصلاحات المقترحة من جانب الحكومة. ولكن في حين يريد لاجوس التحرك بسرعة, فان اليمين يفضل الانتظار حتى نهاية فترة الحكومة الحالية على أمل ان يحقق نتائج أفضل في الانتخابات لاستبدال أعضاء مجلس الشيوخ. ومعظم الناخبين لا يبالون بالاصلاح الدستوري. وبعض التشيليين من اليسار واليمين سيظلون متخاصمين بفعل اتفاقية حقوق الإنسان. فقد قامت مئات عدة من انصار الشيوعيين, على سبيل المثال, بالتشويش على عملية كشف الستار عن تمثال أليندي. ولكن العديد من التشيليين قد يخلصون إلى القول بأن اعتراف الجيش باخطائه هو أقصى ما يمكن ان يحصلوا عليه. وحتى ان ذلك بدا مستبعداً قبل قيام الجنرال بينوشيه برحلته المصيرية إلى لندن. عن (ايكونوميست) ترجمة: ضرار عمير