كيف جند الأمريكيون عميلهم المزدوج ، حرب الخداع ضد العدو تبدأ بتزويده بالوثائق والمعلومات الصحيحة هكذا كانت العملية (شوكر) تدور في جوهرها على تشغيل جاسوس ـ عميل ـ أمريكي مزودج لدى السوفييت, وقد حمل العميل ـ كما المحنا في حلقة سبقت ـ اسم وولفلاور (زهرة الجدار) , وكان شكله وهيئته أبعد ما يكونان عن الزهرة ان لم يكن جسمه العريض وقامته الطويلة أقرب ما يكونان إلى حكاية الأسوار والجدران, يقول مؤلف كتابنا ديفيد وايز: لأن العميل المزدوج يقوم بتمرير معلومات سرية إلى الجانب الآخر المعادي وحتى مع وجوب ان تجتاز المستندات التي يسلمها اختبارات للافراج عن المعلومات التي تتضمنها, فإن محركيه يريدون باستمرار شيئا في المقابل. طبعا من أهم أسباب تمرير المستندات هو كسب ثقة الطرف الآخر ومن ثم لابد وان تحمل أسرارا حقيقية وإذا ما حازت هذه الثقة فإن ذلك يفتح بابا لممارسة خداع الطرف الآخر المذكور ويتم ذلك بتسريب معلومات مضللة ومستندات مزيفة بإحكام بهدف تضليل وارباك الحكومة المعادية. وكل هذه الجهود التي تقوم بها وكالات المباحث والأمن القومي والمعلومات والمخابرات في أمريكا تتداخل في مسمياتها مصطلحات من قبيل (مكافحة الجاسوسية) و(مخططات خداع العدو) و (تشغيل العملاء المزدوجين) , وفي عقد التسعينيات الماضي بدأت تلك الوكالات السرية تستخدم مصطلحا مستجدا هو: (ادارة الخداع) , ومهما تعددت المسميات فكلها تصب في معين واحد يصفه مؤلف الكتاب بعبارة تقول: تضليل العدو وحمله على الاعتقاد بصحة المعلومات المكذوبة المقدمة إليه من خلال ما يقتنع به بأن ثمة مصدرا مؤتمنا لديه أصبح على استعداد لأن يبيع الأسرار الأمريكية. وطبعا كان الهدف هنا هو بناء صرح ضخم من صروح التضليل والخداع المعلوماتي لدى الخصم ـ الاتحاد السوفييتي ـ لكن كان ثمة أهداف أخرى للعملية (شوكر) ومنها مثلا: الاطلاع على هوية أكبر عدد ممكن من ضباط المخابرات السوفييتية الذين ستعذر للعميل الأمريكي المزدوج المزروع ان يتعامل معهم, وخاصة الضباط الجواسيس السوفييت العاملين على أرض الولايات المتحدة ذاتها. ـ اكتشاف الأساليب التي تطبقها موسكو ومخابراتها في تجنيد واستخدام عملاء أمريكيين وكيفية ادارتها لهؤلاء العملاء. ـ التعرف على ثغرات المعلومات التي يعاني منها السوفييت في معرفتهم لما يدور على صعيد الجانب الأمريكي وخاصة في المجالات العسكرية. هز الثقة كان مكتب المباحث الفيدرالية ـ اف. بي. اي ـ يهدف إلى كشف الأغطية عن الجواسيس السوفييت في أمريكا وكانت أغطية شتى منها بداهة الغطاء الدبلوماسي في واشنطن ومنها غطاء العمل الدبلوماسي أيضا في البعثة السوفييتية الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك ومنها العمل في الوظائف الدولية في مقر الأمم المتحدة في مانهاتن. ومن عجب ان توخى المكتب المباحثي المذكور هدفا آخر كان يتحقق بمنطق السلب أو منطق المخالفة كما قد نسميه وهو ان تظل الـ (كي. جي. بي) مشغولة بتشغيل و (ادارة) عميل أمريكي مدفوع أمامها بالعمد والتدبير من جانب الطرف الأمريكي ويسيطر عليه طبعا الطرف الأمريكي, ومن ثم لا ينطلق السوفييت إلى التماس عملاء آخرين وتجنيد جواسيس لهم في أمريكا يكونون بعيدين عن سيطرة الطرف الأمريكي ومباحثه ومخابراته. بل ان فيليب باركر (وكان من كبار رجال مكافحة الجواسيس في مباحث أمريكا يضيف هدفا غريبا وطريفا أيضا حين يقول انه حتى في حالة كشف العميل المزدوج أو حتى التشكك في مصداقيته فإن ذلك كفيل بأن يجعل السوفييت يتشككون في عملائهم الحقيقيين وجواسيسهم (الأصلاء) الذين طالما تعبوا في تجنيدهم لحساب موسكو من بين صفوف الامريكيين. من جانب آخر لم تكن هذه العملية من الجاسوسية أو العمالة المزدوجة خالية من الاخطار والاحتمالات يكفي انها انطوت في جوهرها على تزويد السوفييت بمعلومات حقيقية يمكن ان يستفيد منها العدو بصورة أو بأخرى مما قد يشكل اضرارا بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة بشكل يجعل الأمر يبدو وقد صدقت عليه المقولة الشهيرة: من حفر حفرة للخصم وقع فيها. والسؤال المطروح هو: كيف أمكنهم تجنيد مواطنهم جو كاسيدي لكي يصنعوا منه عميلا مزدوجا يراوح في تجسسه بين الأمريكيين والسوفييت؟ ـ لقد اقتضى الأمر أصلا عدة اتصالات ومراسلات بين البنتاجون ودوائر الجيش الأمريكي حيث كان يعمل (كاسيدي) وبين دوائر المباحث الفيدرالية المسئولة عن حكاية زرع العملاء المزدوجين, وهي مسئولة أيضا عن مكافحة النشاط التخريبي الأجنبي, خاصة من جانب السوفييت, الخصم اللدود خلال الحرب الباردة, داخل أراضي الولايات المتحدة, هذا في حين ان مكافحة أنشطة التجسس, دع عنك الحصول على المعلومات السرية وتجنيد العملاء خارج الحدود, وفي سائر أنحاء العالم هو بالطبع من اختصاص وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. المهم ان وقع الاختيار على عدد من المرشحين, منهم الرقيب جو كاسيدي, فأبلغوه ذات يوم ان يقدم نفسه, ـ حسب تعبير الجيش ـ إلى اجتماع هام معقود في احدى المكتبات, في هذا السياق يحكي (كاسيدي) بضعا من ذكرياته لدى لقائه مع مؤلف كتابنا, يقول: (عندما وصلت إلى المكان, راعني ان أجد نحو 25 إلى 30 من ضباط الصف, فتساءلت ماذا يدور هنا وأول ما دار بخلدي ان المسألة فيها مشكلة أمنية خطيرة, ثم بدأ المرشحون الثلاثون يدخلون إلى قاعة فيها مائدة صغيرة جلس إليها شخصان يتبادلان طرح الأسئلة على كل مرشح ليحكي عن حياته ومدة خدمته وبعض جوانب شخصيته, وعندما اختاروا كاسيدي كان أول ما طلبوه منه ان يتوجه مساء كل خميس ليلعب الكرة الطائرة في مركز للشباب عينوا له موقعه وعنوانه على وجه التحديد, بعدها قالوا له: ـ عليك ان تتسكع قليلا قبل انتهاء اللعب وترصد ماذا عساه يحدث هناك, وربما يقترب منك, وأنت في لباسك الرسمي العسكري شخص يتحدث بلكنة أجنبية. ـ وماذا أفعل حينذاك؟ ـ كل ماعليك هو ان تسايره وان تتذكر دوما ان اسمك الحركي الذي اخترناه لك هو وولفلاور. يعلن مؤلف كتابنا قائلا: بهذه الطريقة شبه العفوية, وبغير سابق تدريس أو تعليم في مجال جمع المعلومات السرية أو التجسس أطلقوا جو كاسيدي في أولى مراحل مهنته كجاسوس, ولم يكن من سبيل أمامه كي يعرف ان هذه المهنة سوف تشغل سنوات عمره كلها. النجاح أو الموت هكذا تحولت مسارات حياة الرجل قبل ان ينتظم في سلك الجندية كان قد تنقل في أعمال ومهن شتى من ساق في ناد ليلي إلى عامل في مصانع الصلب إلى ان أصبح رقيبا في الجيش الأمريكي ومن بعدها قذفوا به إلى الحلبة السرية بالغة الخطورة ليعمل جاسوسا محترفا ويواجه في مباراة لم تبد عادلة ولا متكافئة مساعد الملحق البحري في سفارة السوفييت في واشنطن وينشئ علاقة عمل مع هذا الجاسوس الروسي ذي التدريب الرفيع, وكانت الأسئلة تحف هذه العملية بل هذه المغامرة من كل جانب. أسئلة من قبيل: هل يستطيع جاسوس مستجد هاو من طراز كاسيدي الأمريكي ان يخدع جاسوسا سوفييتيا شديد الاحتراف؟ وماذا لو كشف السوفييت لعبته المزدوجة؟ وكيف يكون انتقامهم منه؟ لقد كان جو كاسيدي يلعب لعبة اسمها النجاح, أو هو الموت المحتوم. عاد كاسيدي من كوريا في فبراير 1962 واتصل من جديد بمسئولي المباحث الفيدرالية الذين فركوا ايديهم فرحا وأبلغوه ان يطيع تعليمات السوفييت كي يعاود اتصاله بدوائر الجاسوسية الروسية. ظل كاسيدي يذهب الى المواقع التي سبق وحددها (مديروه) السوفييت وفي فمه غليون يشتعل بالتبغ.. وعلى وجهه علامات الترقب انتظارا لعميل سوفييتي يبادله كلمات السر المتفق عليها. ظل ذلك بغير جدوى. هنالك لم يطق رجال المباحث الامريكيون صبرا. واقدموا على مغامرة في غاية الخطورة.. كتبوا بطاقة عليها عبارات تقول: لقد عدت من كوريا.. صديق لعبة الكرة الطائرة القديم ورقم هاتفي هو كذا.. وكذا. توجهت سيارة من المباحث الى شارع السفارة السوفييتية.. ورابطت قرب المكان وما كان من سائقها الا ان استدعى صبيا كان يلعب الكرة مع رفاقه واعطاه نصف دولار لكي يسلم البطاقة الى حارس الباب في السفارة. ولم تمض ايام الا وغمزت السنارة من جديد.. دق جرس الهاتف في مكتب كاسيدي وكان المتكلم يتحدث بلكنة اجنبية قائلا بصوت وئيد وخفيض انه سعيد بالعودة من كوريا وانه سيكون سعيدا اكثر عندما يتم اللقاء في مكان حدده المتكلم في ضواحي واشنطن. وهكذا عادت زهرة الجدران الى النشاط من جديد. كان الجاسوس الروسي مهتما اشد الاهتمام بناء على تعليمات موسكو طبعا بما يجري في مختبرات منطقة إد جوود الامريكية التي سكنها عميله الامريكي الرقيب كاسيدي. وكان اخطر ما يتم داخل تلك المختبرات العسكرية هو تطوير غاز الاعصاب حيث تمكن علماء الجيش الامريكي في ظل اقسى ظروف السرية وفي غمار الاستعداد للحروب الكيماوية في تجهيز وتجريب اخطر العوامل والعناصر الكيماوية واشدها فتكا بالبشر. وهكذا طلب الجاسوس السوفييتي معلومات عن نشاط هذا المختبر العسكري الامريكي وهنا نشط مكتب المباحث الامريكي الى العمل. اصدروا قرارا بنقل كاسيدي الى المختبر وكان في ذلك مدعاة لحماس شبه محموم من جانب السوفييت الذين بادروا الى ارسال ضابط اتصال وسطي من جانبهم ظل يتعامل مع كاسيدي على امتداد 8 سنوات كان اسمه دانيلين وكان مهتما غاية الاهتمام بالمعادلات الكيماوية وسجل تنفيذها وخاصة بالنسبة لغازات الاعصاب والاصابة بالاغماء وغازات مكافحة الشغب والحشود. اصل الحكاية لما كان كاسيدي الامريكي قد حصل قسطا اقل من متواضع من التعليم كان عليه ان يقرأ شيئا مذكورا عن حكاية غاز الاعصاب. لم يكن غاز الاعصاب عنصرا معروفا حتى قيام الحرب العالمية الثانية. وكان النازيون هم اول من طوروا هذا العنصر الكيماوي من اجل وضعه قيد الاستخدام. وأول من اكتشف غاز الاعصاب كان الدكتور جيرهارد شرادر الكيميائي الالماني الذي جاء اكتشافه مصادفة حيث كان العالم الالماني عاكفا على البحث في المركبات الكيميائية القاتلة للحشرات. بعدها اكتشف البروفيسور شرادر اقوى غازات الاعصاب واسمه (الزارين) وكان ذلك عام 1938 وغاز سومان وكان ان شيد النازيون معملا سريا لتطوير هذه العناصر الكيماوية القاتلة في منطقة برسلاو وعمدوا الى التمويه على هوية هذا المصنع فاطلقوا على منتوجاته اسم تريلون وهو نوع من الصابون الشعبي. وعند ختام الحرب العالمية الثانية, استولى السوفييت على المخزون الالماني من غاز الاعصاب وقاموا بتفكيك مصنع تريلون ونقلوه معهم الى الاتحاد السوفييتي. وبعدها تحولت الامور الى ما يشبه افلام مغامرات جيمس بوند. لقد بحثت المخابرات العسكرية الامريكية في كل انحاء المانيا المهزومة عن الدكتور شرادر مكتشف غاز الاعصاب ووجدته فعلا فكان ان اعطاهم سر المعادلات الكيماوية لانتاج هذا السلاح الكيميائي الخطير. ومن ثم استطاع العلماء الامريكان ان ينتجوا كميات من عناصر زارين وسومان بل امكن للتعاون العلمي الامريكي ـ البريطاني ان يوصل الى انتاج اخطر غازات الاعصاب على الاطلاق وهو العنصر المعروف باسم (في إكس) . ومن المفارقات العلمية ـ الواقعية ان غاز الاعصاب تعبير مضلل الى حد كبير لان هذا العنصر الكيماوي هو في حقيقته سائل يتم استخدامه لينتج ما يشبه غلالة الغمام من رشاش (غاز او عنصر زارين استخدمه الارهابيون اليابانيون في مترو الانفاق في طوكيو في مارس 1995 مما ادى الى مصرع 12 شخصا واصابة 5 آلاف فرد). اما سومان فهو عنصر سائل عديم اللون له رائحة الفاكهة ويمكن ان يقتل البشر في ظرف دقيقة او دقيقتين, في حين ان في اكس عديم الرائحة يميل لونه الى الصفرة وله مفعول قاتل بالنسبة للبشر. كان السوفييت يتلهفون لمعرفة مايدور في معامل الكيمياء العسكرية الامريكية وخاصة انتاج غازات الاعصاب واساليب استخدامها كسلاح حربي. وكانت هذه اللهفة مجسدة في الاشياء التي كان يطرحها الضابط السوفييتي الجاسوس دانيلين على عميله الامريكي المزدوج طبعا جو كاسيدي. وبعد الاسئلة المطروحة وطلب الاجابات عليها على شكل معلومات وارقام.. جاء طلب تصوير المستندات ومرافق التجهيز والانتاج. وهنا سلم دانيلين عمليه كاسيدي كاميرا تفنن السوفييت في صنعها وكانت متقدمة للغاية في تلك الايام (عام 1966) كانت في حجم علبة السجائر وكانت اقل سمكا منها وكل المطلوب هو تسليط الكاميرا على الوثيقة وهي تتكفل بكل شيء. وكان من الطبيعي ان تصل الكاميرا العجيبة الى ايادي رجال المباحث الامريكان الذين فحصوها ودرسوها قبل ان يعيدوها الى العميل المزدوج جو كاسيدي وكانت الصور حقيقية والمستندات سخية بالمعلومات التي استمتع بها الروس ولا شك اذ كانت صحيحة بنسبة فائقة.. وجاء اليوم الذي اعرب فيه دانيلين عن سعادته البالغة بالتعاون مع جاسوسه الاثير كاسيدي. وهو ايضا اليوم الذي اعربت فيه المخابرات السوفييتية بعد طول بحث وتمحيص عن ثقتها في عميلها الامريكي جو كاسيدي. وهو كذلك اليوم الذي قرر فيه مكتب المباحث الفيدرالي الامريكي ان الوقت قد حان لبدء عملية الدهاء ضد السوفييت, عملية الخداع المتعمد والتضليل.