الذين يظنون ان جو الحريات الاكاديمية في الجامعات الامريكية جو حر مئة بالمئة, اناس واهمون او مغشوشون, تهولهم كثرة ما ينشر ويذاع من الآراء المتخالفة المتقاطعة هناك فيظنون ان حرية الاختلاف الفكري عندهم لا حد لها, ولا يدرون ان ثمة حدودا لا تسمح بالنشر ـ ولا بالقول ـ فيما ورائها. ان كثيرا من الجامعات الامريكية لا تسمح بتدريس بعض الآراء المستحدثة, او الغريبة, وحتى عندما ترفع تلك الجماعات شعار: (لا تقتل فكرة في مهدها, ولا تسمح لفكرة بأن تنمو وتزدهر بدون ان تعترضها وتتحداها) وهو شعار جميل, ولكن يتغلب عليه في كثير من الاحيان طبع (المحافظة) الذي هو من طبائع البشر عموما وليس من طبع الامم المتخلفة وحدها, كما يحاول ان يوهمنا بذلك بعض السوسيولوجيين. التعبير على استحياء وما اكثر ما رأينا بعض اساتذتنا رغم تمكنهم وجسارتهم الفكرية ـ يتحرجون احيانا من البوح ببعض الآراء التي تتحدى او تعترض التيار الفكري (الاكاديمي) العام, او يعودون على اعقابهم فيعتذرون بطريقة حيية طريقة عندما يفرغون من الاداء بتلك الآراء, ويرون في اطراق المستمعين وذهولهم دليلا على عدم الاستحسان وعدم القبول. وما لم تكن للمرء طبيعة عرام مارد ففي الغالب يتخلى تدريجيا عن ذلك (المروق) على الرأي الفكري العام, ويلجأ الى خلق (المهادنة) و(المحافظة) .. فها هو (فريدريك حايك) احد اقوى هؤلاء الاكاديميين يعترف بأنه قد ارتد (محافظا) نوعا ما بعد ان صدعه التيار الفكري السائد, وافقده (او اعاد اليه) صوابه على اثر نشر كتابه المارد عن التخطيط والعبودية. والبروفيسور فريدريك حايك هو احد اعظم, ان لم يكن اعظم مفكري الاقتصاد السياسي بعد كارل ماركس, وماكس فيبر الالمانيين ولكن مع ذلك تمكن الوسط الاكاديمي الامريكي من ترويعه وردعه بعد ان وصمه اولئك الاكاديميين بأنه تحول فجأة من عالم كبير الى ديماغوجي كبير, ورفضت ثلاث دور نشر امريكية كبرى نشر كتابه ذاك, بل كتبت احداها في حيثيات الرفض انه لا توجد دار نشر محترمة يمكن ان تنشر مثل ذلك الكتاب!!) . وفي البدء اقنعت تلك العبارة عددا كبيرا ممن يسمعون بأسماء الكتب ولا يقرأونها بأن الكتاب لا يحتوي على اكثر من بدع مبتذلة منكرة ولا يستحق بالتالي غير ان يلقى في النفايات. ولكن الكتاب اتيحت له يد مقدرة دفعت به الى مطبعة جامعة شيكاغو, الجامعة نفسها التي رفضت ان تعين مؤلف الكتاب استاذا فيها, وصدرت الطبعة الاولى في ألفي نسخة فقط, وباعتبار ان الكتاب نمط شاذ من التأليف ربما لن يلقي إلا الانكار والبوار ولكن نفدت تلك الطبعة في اسبوع واحد, فصدرت الطبعة الثانية في ستة آلاف نسخة ونفذت ايضا في ايام قلائل, ثم تتوالت طبعاته وترجمات الكتاب تباعا, وقد باعت منه مؤسسة (ريديرد ايجست) في طبعة واحدة مليون نسخة وبلغت ترجماته الى اكثر من عشرين لغة عالمية, وكان غريبا, بل كان حدثا تاريخيا ان يطبع من كتاب اكاديمي في علم ليس له شعبية واسعة, ملايين النسخ, وبالتالي وصف فريدريك حايك بأنه اكثر مفكري الاقتصاد السياسي نصيبا من القراء ونال لذلك جائزة نوبل في علم الاقتصاد السياسي. الدولة ام الشعب؟ لقد عملت الاوساط الجامعية الامريكية على قتل كتاب حايك في مهده والجامعات الامريكية كما يصفها احد مفكري التجديد الامريكيين هي اكثر المؤسسات تحجرا بعد المؤسسات الكنسية. ولكن الكتاب انفلت عنها الى اوسع رقعة قراء. فهل كان ذلك مؤثرا الى تأثير او نجاح عملي للكتاب؟! لم يكن ذلك بأي حال من الاحوال فقد ظلت آراء الكاتب مغالية في نظر الجميع, اذ شن المؤلف أعنف حملة تعد على التخطيط الاقتصادي, باعتباره اهدارا للحرية السياسية واكد انه لا توجد اي منطقة وسطى ما بين التخطيط المركزي من جانب, وجهة السوق من جانب آخر, لأن اقل قدر من التخطيط لأي مشروع يدعو الى التدخل على اثر التدخل لحماية المشروع والعمل على انجاحه ولو بالتضحية بقيمة الحرية, والقيم السياسية الاخرى. اما عن محاولات المعادلة بين التخطيط الاقتصادي وحرية السوق فهي ليست في نظر حايك محاولات مستحيلة وحسب, او لا جدوى منها فقط, وانما هي محاولات تجمع بين اخطاء الاسلوب معا, وتفشل في تحقيق اي ميزة ايجابية من ميزات اي من الاسلوبين. ان الاشتراكية ـ حايك يفضل استخدام لفظ التخطيط المركزي لهذا المعنى ـ لا مستقبل لها, ليس لأن المواطنين غير مهيأيين اخلاقيا لتقبلها وتطبيقها, وانما لأن ايكال امور الاقتصاد للقيادة السياسية لتخطط وتدير شئونه هو سبب الفشل, فهذه الزمرة القيادية لن يتاح لها ابدا ان تلم بكل المعلومات مهما تحسنت لديها اجهزة حفظ وعرض وتحليل المعلومات كالكمبيوتر ولذا فمن يخطط على عجز من الرؤية الصحيحة, فلا منتهى له الا في اودية الفشل السحيق. هذا الفكر المغالي كان من حظه السيء انه انبثق مع ايام ازدهار الاشتراكية التي اصبحت العقيدة السياسية المفضلة للملايين خارج وداخل المعسكر الغربي ولذا فقد اكتسحت الاشتراكية البريطانية خصوصا افكار حايك وزعزعرتها كثيرا, ولكن الى حين, فرغم ان صاحبها ارتد محافظا نوعا ما, الا ان غلاة اخر فاقوه في الغلو تلقفوا افكاره وتبنوها وفعلوها وفي طليعة هؤلاء كانت مارجريت تاتشر, ورونالد ريجان, واحزاب لهم ممن شكلوا دعائم ما يسمى باليمين الجديد, او الاصولية اليمينية او (الثورة الثقافية) اليمينية ذات التطرف المضاد لتطرف ماوتسي تونج في الستينيات! (الموضة) اليمينية ومن بريطانيا وامريكا انتقلت موجة اليمين المغالي في شبه موضة ايديولوجية تخلب ألباب المفكرين الذين كانوا حتى بالأمس القريب يستهجنون افكار حايك. ومن العجيب ان اكثر من رحبوا بافكار حايك هم بعض المفكرين الاشتراكيين البولنديين الذين نفضوا ايديهم من تراث الحزب الشيوعي. وكانت تلك مفارقة نادرة من مفارقات تاريخ الفكر: ان يصبح الكتاب اليميني, الذي اعتبره اليمنيون في امريكا, كتابا يمينيا مغاليا ومتطرفا وحاولوا منع نشره لذلك السبب, ان يصبح رائدا لمفكري التيار الاشتراكي الذي انحسر في بولندا وفي دول اخرى كثيرة من بينها روسيا نفسها. ومع الالتماعة الجديدة لفكر حايك اصبحت اهم علامات التحرر والانفتاح السياسي والاقتصادي ان تسعى الدول الى الغاء التخطيط الاقتصادي, والى تحجيم او تحطيم القطاع العام, والتضييق في العرف على قطاع الخدمات.. وجاءت الى العالم الثالث بخاصة عبارة (الخصخصة) وهي ترجمة عربية حرفية غير موفقة للفظ (Privatization) في اللغة الاعجمية وكان يمكن استخدام كلمة او كلمتين عربيتين او اكثر لاداء هذا المعنى بشكل اجمل واكمل ولكن القاموس اللغوي المحدود ـ لمن نقلوها الينا ـ لم يسعفهم بأكثر من ذلك مثلما ان افقهم الفكري لم يسعفهم بالالمام بمجمل افكار حايك, التي وقفت ضد الاتجاه للانتقال الى الرأسمالية بعملية اجرائية جراحية تصحيحية خاطفة, او عملية قفز متسارع فهذا اشبه بدعوى تجار الكتب ممن يدعونك لتعلم الانجليزية, او الفرنسية او ربما الصينية, في سبعة ايام بدون معلم! ان الدعوة الى (الخصخصة) لا تتوافق مع افكار حايك ولا تتعارض معها ولا شأن لها بها فالرجل كان اصيلا في فكره ولذا وزع كتابه ملايين النسخ بأكثر من عشرين لغة وقد كانت فكرته الاساسية هي تقليص قوة الدولة, من التخطيط للاقتصاد الكلي والجزئي معا, حتى لو تطلب ذلك منع اعانتها للفقراء والمعدمين ان حايك يعرض هنا منهجا كليا متكاملا بادي الصرامة والقسوة ولذا استحق ان يصفه البروفيسور جون جيري رئيس مركز الابحاث السياسية (Demos) الذي يقدم الاستشارات لتوني بلير, بأنه منهج تفكير ميكانيكي لا انساني وقد اخذ بلير بتلك الاستشارة وغدا يقلص من آثار تطبيقه طوال فترة حكم المحافظين وكذلك فعل كلينتون في تخفيفه لحدة تطبيق ذلك المبدأ طوال فترة حكم الجمهوريين. ان الغربيين لهم اساليبهم الخاصة في ضبط الفكر وترويضه فبالانكار عليه اولا يدفعون صاحبه ويضطرونه الى الاعتدال والمحافظة نوعا ما بالممارسة يحورون الافكار ويعيدون النظر في جوهرها وفي تفاصيلها. وهذا ما جرى لفكر فريدريك حايك طوال نصف قرن من الزمان وهكذا سقط منه سقط كثير وبقيت فكرته الاساسية وحدها محط القبول وهي فكرة تقليص قوة (الدولة) باستمرار. هذه الفكرة الاساسية تغيب عن هواة (الموضات) الفكرية ففي كثير من الدول الاشتراكية السابقة ودول العالم الثالث يتهافت المفكرون على تطوير فكرة ما يسمى (بالخصخصة) وفي الوقت نفسه فهم يدعمون فكرة تقوية الدولة سياسيا وامنيا في تناقص واضح مع اطروحة حايك التي كان هدفها الاول تخليص الناس من سلطان الدول! بقلم: محمد وقيع الله