لعل من أبرز سمات النظام العالمي المعاصر الاتجاه نحو التكتل, فنحن اذا تأملنا خريطة العالم لوجدنا أن هناك الكثير من التكتلات الاقليمية والدولية قد طفت على السطح خلال السنوات الماضية, والتي جاءت إقامتها من أجل تحقيق المكاسب الاقتصادية والسياسية للدول الأعضاء فيها, ومنها تكتل الآسيان, والنافتا ومجموعة الـ 15 والكوميسا, والمنظمات الاقليمية مثل منظمة الوحدة الافريقية وجامعة الدول العربية, وعدم الانحياز وغيرها. وجود هذه التكتلات والتفكير في اقامة المزيد منها جعل المراقبون يرددون أنه لم يعد هناك مكان في العالم لدول فرادى ولابد لأي دولة تريد أن يكون لها مكان في النظام العالمي الجديد أن تتواجد في إحدى هذه التكتلات..(الملف) التقى الدكتور محمد سعد أبوعامود أستاذ العلوم السياسية, والخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم لابداء رأيهما في الكثير من المسائل المتعلقة بقضية التكتلات, ومنها امكانية أن تحل التكتلات الاقليمية والدولية محل نظام القطبية, وحول الكيفية التي يمكن بها للتكتلات في العالم الثالث أن تأخذ دورا أكثر ايجابية في ظل النظام العالمي الجديد, ومستقبل النظام الاقليمي العربي وجامعة الدول العربية في ظل عصر التكتلات وهل تشكل التكتلات الاقليمية منافسا محتملا للقوى الدولية الكبرى؟ ومدى تأثيرها على دور الأمم المتحدة, وامكانية التنسيق والتكامل بينها . فاعلية النظام العربي بداية يرى الدكتور محمد سعد أبوعامور أستاذ العلوم السياسية أنه عند الحديث عن مستقبل النظام الاقليمي العربي لابد من الاشارة الى أن الواقع العالمي المعاصر يتميز بوجود العديد من العناصر الايجابية التي تدفع باتجاه زيادة قوة وفاعلية النظام العربي, ولكن في الوقت ذاته هناك مجموعة من المشكلات والأمراض المزمنة التي يعاني منها هذا النظام, فمعروف أن أي نظام اقليمي توجد به عدة عناصر مهمة تكفل استمراره, منها أن كل عضو في هذا النظام يجد أن المصالح التي تتحقق له من جراء الانضمام اليه, أكبر من تلك المصالح التي تتحقق له لو كان منفردا وبعيدا عنه.. النظام الاقليمي يجب أن يكفل لأعضائه الأمن والاستقرار ويساعدهم على تحقيق أهدافهم في التنمية وغيرها.. وهذه العناصر كانت متوافرة ـ الى حد ما ـ في النظام الاقليمي العربي حتى فترة السبعينيات من القرن الماضي, بعدها بدأت تنحسر تدريجيا وبحيث لم يعد يحقق النظام الاقليمي العربي لأعضائه ما كانوا يريدونه, ومن هنا ضعف النظام وبدأت تظهر على الساحة الاطروحات الأخرى التي يروج بها البعض مثل الشرق أوسطية وغيرها. ولكن مع ذلك وبحكم ظاهرة الاعتماد المتبادل التي تحكم العلاقات الدولية في عالم اليوم, فإن الدول العربية سواء رضيت أم لم ترض فلابد أن تحافظ على درجة ما من التنسيق والتعاون وتنظيم العلاقات فيما بينها, لأن دخول أي دولة عربية في علاقات مع دول خارجية لابد أن يكون لذلك تأثيره على عدد آخر من الدول العربية, بمعنى أن أي دولة عربية تريد أن تقيم علاقات من نوع ما مثل التحالف مع إحدى دول الجوار على سبيل المثال, فإن هذا لايمكن أن يتم بمعزل عن الدول العربية الأخرى. ويضيف: إن النظام الاقليمي العربي بوصفه اداة لتفعيل العلاقات العربية, ليس على المستوى العربي فحسب ولكن أيضا على مستوى العلاقات العربية الدولية ككل يفرض على الدول العربية ضرورة وجود درجة من التنسيق والتعاون حتى تحقق أهدافها, وإنني هنا أرى أن هذا النظام سيستمر ولكنه لابد أن يتطور, ولابد أن يدرك صانع القرار العربي وبوضوح تام أن هذا النظام هو في الأساس نظام لخدمة مصالح كل الدول العربية وهو الاطار الذي لايمكن أن تتحقق مصالح أي دولة عربية إلا من خلاله, وهذا ليس كلاما ايديولوجيا ولكنه كلام يستند الى عوامل موضوعية نابعة من التحليل العلمي لواقع الحياة السياسية المعاصرة, وبالتالي فالنظام العربي الاقليمي هو أحد الأدوات الرئيسية لتحقيق المصالح العربية الوطنية لكل الدول الأعضاء فيه, ولكن مطلوب الآن البحث عن صيغ وأساليب جديدة, واعادة الهيكلة المؤسسية لهذا النظام وبحيث يتخفف من الأعباء والمشكلات الموروثة من الفترة الماضية, وبما يؤدي الى ازدياد قدرته وفاعليته في التعامل مع الظروف الدولية المعاصرة. علاقة وظيفية وعن رأيه فيما يتعلق بامكانية أن تشكل التكتلات الاقليمية منافسا محتملا للقوى الدولية الكبرى يقول الدكتور محمد سعد أبوعامود: التكتلات الاقليمية لاتشكل منافسا للقوى الدولية الكبرى وخاصة أن بعض هذه القوى الدولية الكبرى موجودة في هذه التكتلات, وفي نفس الوقت لايمكن أن نقول أن هذه التكتلات تعد مجرد تابع للقوى الدولية الكبرى حيث أن فكرة التبعية التي كانت تمثل أحد الاتجاهات في دراسة العلاقات الدولية في السابق, لم تعد صالحة الآن بعد أن اختلفت الظروف الدولية.. التكتلات الاقليمية لها دور, ولها وظائف في اطار النظام العالمي الجديد, وكل دور تقوم به حتى وإن كان في خدمة القضايا البينية هو في النهاية يخدم النظام العالمي الجديد, أي العلاقة بين التكتلات الاقليمية والقوى الدولية الكبرى علاقة وظيفية وليست علاقة تبعية أو تنافسية, وإن كان هذا لايمنع من أن تحقق القوى الدولية الكبرى مصالح أكبر في ظل هذا الوضع من الدول الأخرى ضعيفة الأعضاء في التكتلات الاقليمية . ويوضح أنه لايمكن في الوقت ذاته أن نقول أن التكتلات الاقليمية يمكن أن تؤثر على الأمم المتحدة. فهي تعمل في اطارها وبالتنسيق معها, وميثاق الأمم المتحدة نفسه يعترف ويقر بدور المنظمات الاقليمية وخاصة في مجال حفظ الأمن والسلم الدوليين, وهناك نوع من التنسيق المتزايد بين الأمم المتحدة ومنظماتها, والتكتلات الدولية والاقليمية ومؤسساتها, وهذا التنسيق يكون غالبا في صالح الدول الأعضاء.. أي أنه لايمكن النظر الى هذه المسألة على أساس أن التكتلات ستحل مكان الأمم المتحدة, بل اعتبارها أدوات مساعدة ومساندة لدور الأمم المتحدة وهناك تنسيق مستمر بينهما. أرضية مشتركة وعن امكانية وجود تنسيق بين التكتلات المختلفة يعتقد الدكتور محمد سعد أبوعامود أن التنسيق بين التكتلات أمر مطلوب, ويجب أن يقوم على الاعتراف بالآخر, والمصالح المتوازنة, وأن يتم توفير أرضية مشتركة لكل الأطراف من أجل العمل المشترك, والتخفيف من حدة التوتر بين القوى الاقليمية المختلفة.. التنسيق بين التكتلات المختلفة ضرورة تفرضها ظروف الواقع العالمي المعاصر في ظل العولمة, لأن هذه الظروف تقوم على أساس التفاعل والتخفيف من حدة الصراع, ولكن حتى هذه اللحظة لانستطيع القول بأن فكرة التنسيق احتلت الأولوية الملائمة لها عن التكتلات المختلفة, ومازال الأمر يحتاج الى فكر سياسي جديد يتناسب مع الظروف السياسية الجديدة لعالمنا المعاصر . ويرى الدكتور أبوعامود أن التكتلات الاقليمية في العالم الثالث يمكن أن تأخذ دورا أكثر ايجابية في النظام العالمي, إذا تم التوصل الى اطار يحقق المصالح فيما بينها ومع الدول الأخرى, وتمت ترجمة هذا الاطار الى برامج وسياسات عمل محددة.. ويمكن في هذا الصدد أن نشير الى مجموعة الـ 15 كأحد التكتلات الاقليمية التي قطعت شوطا في هذا الاتجاه, فقد نجحت في بلورة رؤية متوازنة للأسس التي يجب أن تكون عليها وبحيث تحقق المصالح المتبادلة والمتوازنة بينها, وفي نفس الوقت تعترف أن هناك مسئوليات على دول الجنوب يجب أن تضطلع بها لكي يتحقق هذا التوازن, ولكن الاشكالية في كيفية ترجمة هذا الى سياسات وبرامج عمل يمكن تنفيذها. أما التكتلات الأخرى مثل الكوميسا وغيرها فهي تكتلات ضعيفة لأن قدراتها الاقتصادية محدودة ومليئة بالمشكلات الأمنية والسياسية والاقتصادية, وحتى هذه اللحظة تأثيرها محدود الى حد كبير. نظام أحادي أما بالنسبة لما يقال من أن التكتلات الاقليمية والدولية يمكن أن تحل محل نظام القطبية السابق يشير الدكتور أبوعامود الى أنه ومنذ تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار مجموعة دول الكتلة الشرقية حدث تحول مهم في طبيعة النظام العالمي, أصبحت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة فيه, أي أننا الآن في ظل نظام أحادي القطبية, ولكن مع ذلك لايمكن أن نغفل أن هناك محددات وقيود على حركة الولايات المتحدة, بمعنى اذا كانت هي قوة اقتصادية كبرى, فهناك قوى اقتصادية أخرى تؤثر في فعاليات استخدامها لعناصر قوتها المختلفة, اضافة الى أن الواقع العالمي المعاصر شهد تطورا كبيرا وفيه ترسخت فكرة الاعتماد المتبادل, أي أن جميع الدول في حاجة الى بعضها البعض وبما في ذلك الولايات المتحدة لأن أية آثار سلبية تنتج عن موقف ما, من شأنها أن تؤثر على مختلف الأطراف. نحن نعيش في ظل نظام عالمي تقوده قوة عظمى رئيسية هي الولايات المتحدة, والى جانبها مجموعة من القوى الكبرى التي لاترقى الى مستوى هذه القوة العظمى, ولكنها في ذات الوقت تستطيع بطريقة أو بأخرى أن تحد من امكانية استخدام الولايات المتحدة لعناصر قوتها.. إن فكرة التكتلات الاقليمية والدولية هي أداة لادارة التفاعلات في نطاق النظام العالمي الجديد, ومن هنا نفهم السر في وجود الولايات المتحدة في مختلف التكتلات الدولية مثل حلف الأطلسي وغيره, كما توجد في كل التكتلات الاقتصادية الدولية لأنها أداة من أدوات تسيير المعاملات في ظل النظام العالمي الجديد, ولكن يظل هناك تساؤل حول متى ستظل الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الرئيسية؟.. الاجابة عن هذا التساؤل تتوقف على عدة أشياء, منها مدى رضى القوى الكبرى القائمة عن استمرار هذا الدور للولايات المتحدة بوصفه يحقق مصالحها . تكتل والتحام ومن جانبه يرى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن النظام الاقليمي العربي سوف يعمل على تجديد نفسه مضطرا, على اعتبار أنه لن يستطيع التواجد والمنافسة مع التكتلات الاقليمية والدولية الأخرى وهو على صورته الحالية.. النظام العربي لابد أن يطور من نفسه باتجاه التكتل والالتحام حتى يستطيع مواجهة تحديات عصر التكتلات الذي نعيشه الآن, حيث لم يعد هناك مكان لدول فرادى, ولكن هذا التطور الذي نريده من المنتظر أن يأخذ وقتا طويلا نسبيا نظرا لأن ماحدث في العقدين الأخيرين من تراجع للعمل العربي المشترك بسبب بعض الأحداث كان آخرها حرب الخليج الثانية, أدى الى وجود آثار سلبية عميقة أضعفت النظام الاقليمي العربي, في الوقت الذي كانت فيه شعوب مناطق أخرى من العالم تسرع الخطى باتجاه التكتل والتجمع سواء في آسيا أو في أمريكا الجنوبية وغيرها من المناطق. وحول رأيه في امكانية أن يكون للتكتلات في العالم الثالث دور أكثر ايجابية في النظام العالمي الجديد, يقول اللواء طلعت مسلم: الأساس في وجود هذا الدور الايجابي هو التعاون فيما بين هذه التكتلات ووجود مزيد من الاعتماد على النفس والتعامل مع التكتلات الأخرى بدرجة عالية من الندية وليس التبعية لها, وإدراك أن الاجراءات التي تتخذها التكتلات الكبرى الأخرى تهدف الى إضعافها, وتكتل الآسيان أبرز مثال على ذلك فقد تآمرت عليه التكتلات الدولية الكبرى من أجل إجهاضه ونجحوا في ذلك, ومن هنا لابد للتكتلات الاقليمية في دول العالم الثالث أن تحذر من ذلك وأن تعد عدتها لمواجهة مثل هذه الأعمال عن طريق اتخاذ الاجراءات المضادة لها . تأثير محدود ويعتقد اللواء طلعت مسلم أنه حتى الآن لم يظهر للتكتلات الاقليمية والدولية تأثير على الأمم المتحدة, بل أن ما يؤثر على الأمم المتحدة حاليا هو الولايات المتحدة, فهي كقوة عظمى وحيدة ومن خلال تواجدها في الكثير من التكتلات الدولية تستطيع أن تمارس تأثيرا على الأمم المتحدة وهذا قد وضح عند الاقتراع على الأمين العام للمنظمة الدولية ومساندتها لمرشح دون الآخرين, وتهديدها بعدم تسديد حصتها في المنظمة الدولية وهو ما يعني تعطل أنشطتها وفاعلياتها, حتى أنها استطاعت أن تدفع بحلف الأطلسي لأن يقوم بدور هو أحد الأدوار التي تقوم بها الأمم المتحدة ودون أن تعترض على ذلك, أي أن التكتلات لم تؤثر على الأمم المتحدة ولكن الولايات المتحدة هي التي تقوم بذلك في الوقت الراهن. وحول امكانية أن تشكل التكتلات الاقليمية والدولية منافسا محتملا للقوى الدولية الكبرى يوضح أن هذا الأمر ممكن من الناحية النظرية, ولكن على المستوى العملي لم يحدث أن نافست التكتلات الاقليمية القوى الدولية الكبرى, ولكن مع ذلك يمكن أن يحدث هذا التنافس على المدى الطويل, وهو يتوقف على سلوك التكتلات وقدرتها ومحاولتها الخروج خارج نفوذ الولايات المتحدة لأنه بدون ذلك لن يكون هناك مجال للحديث عن تنافس أو ما الى ذلك. وفيما يتعلق برأيه في أن التكتلات الاقليمية يمكن أن تحل محل نظام القطبية السابق يقول اللواء طلعت مسلم: لايمكن الجزم بذلك لأننا لو رجعنا بالذاكرة لوجدنا أنه حتى في ظل نظام القطبية السابق كانت هناك تكتلات مثل تكتل حلف الأطلسي, وحلف وارسو. ولكن هذه التكتلات قامت على أساس القطبية حيث كان حلف وارسو يتبع القطب الشرقي الروسي وحلف الأطلسي للقطب الغربي الأمريكي, ووجد الى جوار هذه التكتلات مجموعة عدم الانحياز التي اكتفت بعدم الانخراط في أي من التكتلين وبالتالي لم تطرح نفسها ككتلة منافسة أو مضادة لما هو موجود من تكتلات. أما الآن فهناك الكثير من التكتلات الاقليمية وفي مختلف مناطق العالم مثل الآسيان, والنافتا, ومنظمة الوحدة الافريقية وجامعة الدول العربية, وغيرها من التكتلات, هذه التكتلات لم تعد تقبل بنظام القطبية واستطاعت أن تجتاز مرحلة الاستقطاب الحاد السابقة وتحاول العمل على تحقيق مصالحها بصورة مغايرة لما كان وقت نظام القطبية السابق . القاهرة ـ مكتب البيان