في مواجهة هذه التناقضات تطرح التكتلات الاقليمية والدولية نفسها باعتبارها معطى تاريخيا لمرحلة أسبق من التطور الاجتماعي, بديلا جاهزا أو مختبرا يسمح تطويره على ما يبدو لأول وهلة بتحقيق وحيازة أهم أهداف العولمة مع تقليص وتحطيم الشروط المجحفة المنوط بها تحقيق هذه الأهداف وفقا لهذه السياسة. الرفض والتململ رد الفعل الذي تجسد في تطوير التكتلات الاقليمية والدولية سياسيا واقتصاديا جاء من جانب جميع الأطراف التي شعرت أنها مضارة , وسواء من أقطاب البلدان الغنية أو من جانب البلدان النامية وتشمل افريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية, والمفارقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تبتعد عن هذا التوجه بل كانت سباقة, وعلى ما يبدو فإنها كانت تحاول من خلال تقديم صياغة (عصرية) لبناء التكتلات الاقليمية الجديدة واحتواء القديم منها من أجل قطع الطريق على توجه برهن السياق اللاحق وعلى مدار تسعينيات التململ ضد العولمة على قدرته على شق طريقه الخاص فالتكتلات الاقليمية كما أشرنا معطى تاريخي جاهز (أغلبها) والأهم (توجهها) سابقا على طرح العولمة دينا للعصر, لم تأخذ منها العولمة موقفا بالشطب بل بالاحتواء وفق نصوص اتفاقات (أورجواي) . فالولايات المتحدة نشطت منذ التسعينيات المبكرة من أجل بلورة (نافتا) مع كندا والمكسيك ونجحت في حشد ايبيك كتجمع آسيوي - باسيفيكي خلف سياساتها, أوروبا جرت محاولة اذلالها وتعكير أجواء سعيها نحو الوحدة منذ ماستريخت عبر تذكيرها طيلة اعوام التسعينيات بالحماية العسكرية المسبوغة عليها, ومحاولة القمة الأوروبية الأخيرة التي جرت في أسبانيا تشكيل قوة قوامها 000.60 جندي أوروبي بعيدا عن تحالف (ناتو) , تبدو على محدوديتها بداية تملص تاريخي من الهيمنة العسكرية الأمريكية. ولكن على الرغم من هذا الاذلال فلقد عرف التكتل الأوروبي طريقه للتقدم وصولا الى العملة الموحدة وتطلعاته نحو الوحدة السياسية وأصبحت أكثر تجسيدا من أي لحظة سابقة. آسيا التي جارت إيبيك, يعبر عن تطلعاتها أكثر من غيره الآسيان +3 والذي خلافا لقمة أيبيك الأخيرة التي سعت الى (الموافقة على تعزيز العمل على الغاء الحواجز أمام انسياب التجارة الدولية) فإن الآسيان +3 خرجت قمته الأخيرة في مانيلا بقرارات لها توجهات غير عولمية احدها مثلا طالب باختصار مدة الغاء رسوم الجمارك بين الدول الأعضاء, قرار منها تعلق باصدار الآسيان لعملة آسيوية على غرار اليورو والدولار, وبعيدا عن اهتمامات وشواغل (ايبيك) فإن قرارا تعلق بالسعي من أجل سوق موحدة لشرق آسيا مع تحديد رانجون عاصمة ميانمار التي عارضت الولايات المتحدة انضمامها أصلا الى التكتل الآسيوي الاقليمي - لعقد قمة بلورة مشروع سوق شرق آسيا المنشود. لايقل دور اليابان والصين الفاعل في الآسيان +3 كثيرا عن دور دول النبيلوكس (المانيا - فرنسا) الأوروبي في بلورة السوق الأوروبية المشتركة, وارتطامات أقطاب سياتل كانت اشارتها واضحة من جانب أوروبا واليابان: العولمة أمريكية. وكما تسعى الولايات المتحدة الى فرض أسوأ الشروط على البلدان النامية, فإنها لاتتورع عن فرض شروط قاسية أيضا على قطبي الرأسمالية الشريكين ودون أن تعني هذه الوضعية على الاطلاق أن أوروبا واليابان صارتا في صف الشعوب أو الدول النامية. فمن المؤكد أن رفع الدعم الأوروبي عن المحاصيل الزراعية الأوروبية وعن صناعة صيد الأسماك اليابانية يعمل لمصلحة البلدان النامية أيضا, إلا أن وضعية (التململ) الجماعي ضد العولمة لاتخلو من دلالة تاريخية تفضح حدود التشدد الأمريكية والميل المتعنت لاحكام السيطرة على كامل الأوضاع العالمية وعلى رأسها الوضع الاقتصادي, وهي مسألة في تقديرنا لاترجع لعقلية الكاوبوي, بل ترجع الى التناقضات الخاصة بالقطب الواحد الذي يحاول استثمار زخم نهاية الحرب الباردة لصالح الدولة القائدة واستثمار الانتعاش التسعيني الممتد في الولايات المتحدة والمصاحب لهذا الزخم. ويمكن أن نضيف استثمار السبق في مضمار المعلوماتية وما يسمى بالاقتصاد الجديد الذي أصبح مطمحا لكل الاقتصاديات, فكما تخشى الولايات المتحدة من ضياع زخم الانتعاش التسعيني الذي يعمل على تكريس وضعية القطب الأبرز باعتباره قاطرة واضحة الآن لكامل النمو العالمي, خصوصا مع أوضاع الركود الممتدة في اليابان منذ بداية التسعينيات وتعرض الاقتصاد الأوروبي لدفع فاتورة الوحدة الالمانية واعادة هيكلة اقتصاديات أوروبا الشرقية, فإن الولايات المتحدة تخشى آثار السعي المحموم من جانب أوروبا واليابان من أجل حيازة النصيب الملائم على صعيد الاقتصاد المعلوماتي وبالتالي انطفاء بريق السبق الأمريكي على هذا الصعيد. الحساب العسير حساب البلدان النامية يبدو عسيرا, حيث تطالب بصورة صريحة وفظة وقاسية وغير مألوفة, بنسيان أدنى محاولات الابتعاد عن السوق العالمي وإلا فالتهميش ! ونسيان مسألة استنساخ التطور الرأسمالي كما عرفته البلدان الغنية داخل حدودها الوطنية, وكلمة السر بالطبع أن الرأسمالية في الغرب تغذت منذ اللحظات المبكرة في نموها على ظاهرة الاستعمار وعلى حساب التراكمات التي كانت محتملة تاريخيا, لصالح التطور الاجتماعي في البلدان النامية التي جرى استعمارها. ويكفي وفقا لخطاب العولمة خصوصا ما جاء في (سفر) المزايا النسبية, (ما فلتت) به البلدان النامية في سياق الحرب الباردة واحتماء بتناقضاتها, فما يجب الآن على الجميع تكثيف سعيهم من أجل الحصول عليه هو الميزات النسبية وترك مالايستطيعوا التمييز فيه (وما أكثره!) لأصحابه. اجراءات التكيف الهيكلي طوال الثمانينيات تبدو وكأنها كانت تعمل على اعداد المسرح, أزمة نفط 87 دفعت بهواء كثير في الأشرعة, سقوط المعسكر (الاشتراكي: كان الضربة القاضية, لتخرج الجات الى النور منظمة لامجرد اتفاقية. ومخاوف الدول النامية من فرط التطور في البلدان الغنية وتأثيره على خفض كلفة المنتجات جرت طمأنته بسياسة الاغراق الذي اتضح أنه مجرد سلاح جديد في أيدي الولايات المتحدة وبالتحديد ضد أي مفعول حقيقي لاغراء العولمة الذي تجسده امكانية التصدير للسوق الأمريكي! وما يجري ليس صدفة على الاطلاق, بل سياسة دقيقة تستهدف انتزاع مكاسب الستينيات من أفواه ملايين الجوعى بل والمليارات, فهذه المسألة الأخيرة (التصدير للسوق الأمريكي) أو ما يسمى بلغة البروتوكولات الاقتصادية اجراءات الترتيبات التفضيلية, كانت حركة عدم الانحياز قد حازتها كمكسب في أعقاب تشكلها بعامين (1965) وهو المكسب الذي كان صنوه تشكيل (الاونكتاد) في نفس العام. ولقد شكل التكتل الاقليمي والدولي رد الفعل المتاح والممكن والمناوئ للتهميش والقادر على الاستحواذ على ايجابيات العولمة وتجنب سلبياتها, ولقد شكل الانسحاب الجماعي من جانب البلدان الافريقية من سياتل تعبيرا عن اتساع نطاق المناوءة, فقرارات وتوصيات قمة 77 التي أعقبت سياتل وكذا قمة الاونكتاد الأخيرة في مانيلا وقمة مجموعة الـ 15 الأخيرة بالقاهرة, تؤكد على تصاعد واستمرار موقف البلدان النامية ضد شروط العولمة. ويبدو أن الادارة الأمريكية التي على وشك الرحيل, لايعنيها من كل ذلك سوى محاولة تسجيل مواقف تاريخية للحصول على موافقة الصين للانضمام الى الجات أو توسيع قمة السبع لتشمل 20 دولة معظمها أقطاب في تكتلات. الآمال المحاصرة ومهما يكن من شئ, فإن الأمر المؤكد هو إزدهار التكتلات الاقليمية والدولية وتنامي اهتماماتها الاقليمية من ناحية واهتماماتها الدولية المتعلقة بتحسين شروط التفاعلات العالمية من ناحية أخرى, وهذه الصيرورة التي صارت الآن مكرسة كأمر واقع وتاريخي تثير من علامات الاستفهام الكثير: فهل ستكون اتفاقات الشراكة الأوروبية أفضل من الأمريكية من وجهة نظر البلدان النامية الـ 77 أو الـ 15؟ وهل ستوفر اليابان تجاوبا مختلفا مع آثار الأزمة الآسيوية ودروسها عن معطيات التجاوب الأمريكي؟ وألا تشكل التكتلات الاقليمية اقتصاديا مجرد استنساخ في قارة كأفريقيا للأوضاع العالمية لصالح الأقطاب الافريقية؟ هذه الأسئلة وغيرها على غرارها, تضع حدودا لآفاق التكتل الاقليمي وآثاره الاقتصادية وتحاصر بصورة واضحة أي مبالغة في الآمال وتمنع على وجه التحديد أي (وجدتها) أرشميدسية غير واقعية. وأكثر الاجابات تفاؤلا, تعجز عن أن ترد ما يبدو غائلا محاصرا لنمو البلدان النامية التي عليها أن تنسى مسألة هذا النمو بالصورة التي أعتادتها وعودت شعوبها على التفكير من خلال مفرداتها لصالح مفردات جديدة, قاصرة على الاقناع, وعليها أن تعاود النظر في أمور صارت تقترب من المعضلات في ظل مستويات من الفقر والكثافة السكانية غير مسبوقة. ولكن أيضا أكثر الاجابات تشاؤما لن تستطيع حرماننا من النظر الى التكتلات الاقليمية والدولية كمعطى ايجابي يسمح في أسوأ الأوضاع بتحقيق الضغط, مجرد الضغط تفتقد فاعلياته على الأقل في الحدود التاريخية الراهنة, على القطب الواحد الذي يتصور أن عالم ما بعد الحرب الباردة مجرد عالمه الخاص الذي يجب توظيف كامل مقدراته لاستمرار القيادة الأمريكية. ومن زاوية التشاؤم فإن أهم الملاحظات تتعلق بوضعية قارة برمتها كأفريقيا لاتنالها إلا أقل الحظوظ وفق هذه الصيرورة, نظرا لافتقاد بلدان غنية في مستوى اليابان وأوروبا قادرة على تشكيل قاطرة لاحتياجاتها الاستثمارية الكبيرة, في ظل افتقاد الحد الأدنى من البنية التحتية المعقولة. فإذا كانت أوروبا ستلعب هذا الدور بالنسبة لأوروبا الشرقية واليابان يمكن أن تلعبه بالنسبة لبلدان آسيا الأقل نموا, فإن أفريقيا في مهب الريح, ونتائج مؤتمر القاهرة الأخيرة (الأوروبي ـ الأفريقي) لا تشير إلى ما يدعو للتفاؤل. وإذا كانت أفريقيا رغم ذلك تحفل بعدة تكتلات وتجمعات إقليمية اقتصادية تتوزع على ربوعها ويتجه بعضها للسوق الواحدة والعملة الواحدة (السادك) والمنطقة الحرة الواحدة (الكوميسا) في مقاتلة عنيدة مع زمانها, فإن وضع بلداننا العربية يشكل ذروة المأساة من زاوية العجز المزري عن بلورة تكتل إقليمي عربي ولا نقول سوق عربية واحدة وعملة واحدة, ومحاولات آفتا لا تدعو للتفاؤل, وهي المسألة التي تحتاج إلى تصد حاسم قبل أن يفوت الأوان أو قبل أن نفاجأ بأن الجهود القطرية الراهنة تنمويا مجرد تكرار متماثل عمل على تكريس تماثلية أصلية ولا تشكل إلا أسوأ استخدام لموارد ليست هينة وكان في مقدورها فعل الكثير, بعيدا عن الشرق أوسطية التي يهدد بها هذا الوضع وهذه الحالة المثلة من فقدان الاتجاه. بقلم: عدلي الهواري كاتب وباحث مصري