استضافت العاصمة الالمانية برلين امس الاول ندوة حول التعايش بين الحضارات والثقافات اقيم على هامشها ورشة فكرية حول الحوار والتعايش بين الحضارات والثقافات من اجل بناء حضاري انساني متكامل, اقيمت الندوة تحت رعاية المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيكو) ورابطة العالم الاسلامي ومؤسسة الامام الخوئي الخيرية, وحضرها عن الجانب الالماني رئيس البرلمان البوندستاج فولفانج تيرسه, وعن الجانب الاسلامي الدكتور وفي كلمة الافتتاح اكد تيرسه ان المانيا تتيح حرية الاديان. وتسعى الى الانفتاح بين الحضارات مؤكدا على اهمية التعايش الذي يكفله الدستور الالماني مشيرا الى ان المانيا مجتمع مفتوح لكل الاديان والحضارات من غير ان يكون هناك اي مجال للتطرف. ووصف تطرف بعض الالمان بالخوف على دينهم الاصلي من بقية الاديان مؤكدا على ضرورة اجراء دراسات اجتماعية لتحقيق عملية التعايش, وقال ان 90% من مسلمي المانيا يريدون مغادرة البلاد, بل يصرون على البقاء في المانيا لبناء مجتمع حضاري متكامل. من جانبه اشار الدكتور عز الدين العراقي في كلمته الى ان الاسلام خلافا لما يرمى به من تهم مغرضة, دين نادى بالحوار والبعد عن الصدام ودعا الى نبذ العنف وحاربه وقرر حقوق الانسان وامر بحمايتها منذ جاء. واضاف ان مما يؤسف له ان هذه الروح تتناقض كليا مع ما يذهب اليه كثير من الكتاب في الغرب, واوضح مثالا على ذلك ماذهب اليه احد الكتاب الامريكيين المعروفين, وهو (صمويل هانتنجتون) عندما نشر في سنة 1993 مقالا تحت عنوان (الصدام بين الحضارات) اثار وما يزال يثير ردودا متباينة في الاوساط السياسية والاكاديمية تركز معظمها حول العلاقة المستقبلية بين الاسلام والعرب, ذلك ان الفرضية الاساسية التي حاول الكاتب تأكيدها هي ان الخطوط التي تفصل بين الحضارات, ستكون خطوط معارك في المستقبل المنظور. واشار العراقي الى قرار الجمعية العامة للامم المتحدة والذي صدر في نوفمبر 1998 والقاضي باعلان سنة 2001 عاما للحوار بين الحضارات اثر تقديم عدد من الدول الاسلامية وغير الاسلامية مشروعا بهذا الشأن استجابة لمبادرة اطلقها فخامة رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية محمد خاتمي. من جانبه اكد جياندو مينسيكو بيكو ممثل الامين العام لمنظمة الامم المتحدة على اهمية الحوار والتعايش بين الحضارات وعلى مساعي المنظمة الدولية بجعل عام 2001 عاما للحوار بين مختلف الحضارات في العالم. وقال عباس فائق غزاوي سفير المملكة العربية السعودية, عميد السلك الدبلوماسي العربي في برلين ان اتهام الاسلام بالتطرف, باطل اذ الصق البعض مفهوم التطرف بتصرفات ما يقوم به نفر انتموا للاسلام بحكم الوراثة او الاسم وتساءل لماذا لم يطلق العالم او لم نطلق مفهوم التطرف على القتال الذي دار بين الايرلنديين والانجليز في صراعهم حول الكنيسة؟, ولماذا لم نقل عنه تطرفا مسيحيا مثلا؟! وقال عبد المجيد الخولي الامين العام لمؤسسة الامام الخولي الخيرية ان الحديث عن الحضارات والثقافات والاديان عموما ـ وما قدمت ولازالت تقدم من خلالها للانسانية, والاسلام منها بشكل خاص, من خلال الدعوة الى التوازن والالتزام بالحوار وضرورة تلاقح الافكار وتبادل المعلومات وتشابك الخبرات والتباحث في النظريات المتعددة وان اختلفت في سبيل الوصول الى ساحة الامن والامان والاستقامة ونيل الحقوق لاسعاد البشرية عموما تعتبر من المواضيع التي تعد من الاهمية بمكان في عصرنا الحاضر عصر العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات والمعرفة المكثفة وتحتم التعاون بين الجميع في مواجهة الانهيار العام بالانحلال الخلقي للمجتمعات والفساد والتفسخ الاسري والحروب واراقة الدماء ما جعلت من المؤسسات الاسلامية الثلاث القائمة على تنظيم هذا اللقاء لتقديم بعض الحلول والبدائل المناسبة بالتظافر مع جهود العلماء والباحثين ودعوتهم للحوار والمناقشة من خلال ما سيقدمونه في جلسات العمل وقد قال عز من قائل: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) صدق الله العظيم, وقال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) . آملين ان تنال هذه الاعمال رضاه سبحانه وتعالى اولا وان تصب في خدمة الانسان وتسهم في اسعاده.. مكررا لكم الشكر والامتنان لحضوركم ومشاركتكم جميعا والله من وراء القصد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد القاء الكلمات اقيمت عدة ندوات ساهم فيها مجموعة من المفكرين والمثقفين اذ القى الدكتور عباس الجزري اطروحة عن التعايش السلمي, رؤية مستقبلية عن وجهة نظر اسلامية. تنطلق المحاضرة من حاجة الانسانية اليوم ـ وهي تعيش العولمة او هي مقبلة عليها ـ الى ايجاد توازن بين النظام الاقتصادي الذي تقوم عليه هذه العولمة في تصورها الحالي, وبين القيم الانسانية التي هي وحدها القادرة على ان تخفف من غلواء هذا النظام, سعيا الى اقامة مجتمع عالمي يسوده التعايش. وبعد تقديم مفهوم لهذا التعايش الذي لا يكون تعايشا حقا الا اذا كان سلميا, اي مقترنا بالسلم, يشار الى ان الاسلام دين يحث على التعايش والسلام, ودين يدعو الى عالمية تكون قائمة على التوازن المطلوب: مما يقتضي استحضار النموذج الاسلامي للحضارة, والاسس التي انشئت عليها, في تركيز على المبادىء والقيم, وعلى الشمولية والتكامل, والجمع بين ماهو مادي وروحي, وماهو نافع وممتع, وماهو فردي وجماعي, مع التفتح علي الآخر وقبوله وتبادل الاخذ والعطاء معه. وفي هذا الاطار, يثار منظور الاسلام للتواصل ثم التعايش والسلم, مع وجود ظاهرة التعدد والتنوع والاختلاف. وهي ظاهرة يفترض لمواجهتها احد اسلوبين: الاول: الصراع, على اساس ان الكون قائم على الاضداد, اذ يحاول البعض ان يتغلب على البعض الآخر وينفيه. الثاني: التعايش القائم على السلام, باعتبار الكون مؤسسا على التكامل الذي يقتضي التعارف وتبادل المصالح والمنافع. والاسلام, وهو دين يدعو الى التوحيد, والى تكامل الكون والتعاون من اجل النهوض بالامانة التي حملها الانسان, يرى الاسلوب الثاني الذي يرمي الى اشاعة ثقافة التعايش بين مختلف الحضارات: محفزا من مقومات تنطلق من تكريم الله للانسان, ساعية الى تحقيق السلام, عبر وسائل تعتمد اللين والاعتدال وقبول الاختلاف والتعامل معه بما يفضي الى الالتقاء مما لا يمكن ان يتحقق بدون الايمان بالله, وما يرتبط بهذا الايمان من قيم انسانية سامية. وتعتبر هذه القيم ـ في منظور الاسلام ـ عنصرا صالحا لكل زمان ومكان, قابلا لتتكيف معه مختلف الذوات والهويات, مهما تكن خصوصياتها, ومهما تكن المصالح التي يتوخاها اصحاب هذه الذوات والهويات في غير تجبر ولا طغيان تدفع اليهما الانانية والفردية ورفض الغير بقصد اقصائه والغائه. وتختتم المحاضرة بتأكيد موقف الاسلام الواضح من التعايش, في سياق رؤية مستقبلية تستبعد التناحر والتصارع, الا في حال الدافع عن النفس ورد الظلم والاعتداء: وتستحضر امكان قيام مجتمع انساني تتحقق به عالمية لا استبداد فيها ولا هيمنة, ولكن تآزر وتعاون, وتكافل وتكامل. بدوره القى الشيخ محمد علي التسخيري رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية الايرانية بمحاضرة حول قيم الحوار والتعايش في الرؤية الثقافية الاسلامية قال فيها انها رؤية هادفة تستند الى مرجعية مقدسة تستبطن مجمل اسس ومجالات التغيير الاجتماعي الشامل, ومهما اختلف العلماء في تعريف الثقافة فانها طريق اصلاح المجتمع كما يراها الامام الخميني والدستور الذي تتطلبه الحياة العامة كما يقول مالك بن نبي. ولهذه الرؤية مرجعيتها في القرآن والسنة الشريفة وخطابها العصري لدى علماء ومفكري الاسلام المتحررين من الجمود والمنفتحين على الحوار الهادف. من هنا كان الحوار والتعايش في الرؤية الثقافية الاسلامية مستمدين من قيم الدين الحنيف والقيم الانسانية العامة التي لا تتعارض معه. يعد الاختلاف سنة كونية, اعطت للحياة الوانا مختلفة من التفكير والسلوك, فتباينت نظرات الناس بعد ان كانوا امة واحدة (وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا) الا ان للاختلاف مرجعية مطلقة ليست من اختراع المختلفين, يقول تعالى: (ان الله يحكم بينهم في ماهم فيه يختلفون) . وهنا يأتي الحوار ليعطي للاختلاف بعدا انسانيا يضعه في موعضه الطبيعي, فيصبح رحمة وخيرا لا دمارا, وكشفا للمخبوء ودحضا للباطل, وتحريرا للعقول لا انحرافا وجمودا, وبذلك يعبر الحوار في الاسلام عن قيمة حضارية باعتباره اسلوب الانبياء في التبليغ والدعوة, واسلوب الدين الاسلامي الداعي الى الحوار ودحض الباطل بأسلوب الحكمة : (ادعو الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) . من جهته قال المفوض السامي للشئون الاسلامية في بريطانيا ريتشارد ستون انه لايوجد اساس للخوف من الاسلام او معاداة السامية. واضاف ستون ان تجربة اليهود تاريخيا في التعايش السلمى مع العرب كانت ناجحة لاسيما في الهند واسبانيا الاندلس عندما كان العرب فيها غير ان تجربة اليهود في اوروبا تعد تجربة قاسية وسيئة ومثيرة للاشمئزاز. واكد ستون أهمية ان يدرس الاسلام في مدارس اوروبا بدلا ان ينحصر بين علماء اللاهوت مبينا أهمية التصدى لمخاوف الغرب من الاسلام. وحول بعض المظاهر السلبية في الغرب ضد الاسلام اعرب عضو مجلس اللوردات البريطاني اللورد احمد ريستسون عن استيائه لما سمعه عن بعض المشكلات التي تعانى منها بعض الالمانيات اللاتي اعتنقن الاسلام من منعهن من ارتداء الحجاب في عملهن. وقال ان هذه المشكلات غير موجودة في بريطانيا حيث تمارس المسلمات حياتهن بحرية ودون مضايقة من الدوائر الرسمية التي يعملن بها بالرغم من ارتفاع حدة المعاداة للاسلام من قبل اطراف سياسية غير حكومية. من جانبه قال وزير الاوقاف ورئيس المجلس الاعلى للشئون الاسلامية في مصر الدكتور محمود حمدى زقزوق ان نجاح اى حوار بين الحضارات والثقافات يقترن بشروط معينة من اهمها احترام الاخر واهمية اختيار تحديد المصير الانساني دون تدخل من الاخر. واشار زقزوق الى أهمية التعايش بين الثقافات واحترام الاقليات المسلمة التي تعيش في الغرب للقوانين المتفق عليها دون النزوع الى العزلة والانغلاق الذاتي. وقال ان المشكلة بين الثقافات المتبانية هى انها تعتمد على مصادر معلوماتية من الافراد او عن طريق المجلات او الصحف او عن طريق المصادفة مبينا أهمية ان يكون لها آلية معينة تكشف لكل ثقافة عن مضمونها الذي يعكس الحقائق. كونا برلين ـ معد فياض