رأى وزير الثقافة والاعلام العراقي همام عبدالخالق ان الحصار الدولي المفروض على بلاده حوّل 23 مليون عراقي وعراقية الى سجناء داخل حدود العراق, وممنوعين من ابسط حقوقهم الانسانية في السفر بالطائرات, معتبرا ان هدف العقوبات الدولية الحقيقي تمزيق العراق واقتلاعه من جذوره. واستشهد همام عبدالخالق بما قاله وزير الخارجية الامريكي لنظيره العراقي قبل بدء حرب تحرير الكويت عام 1991: (نريد ارجاعكم الى عصر ما قبل العصر الصناعي) الا ان وزير الثقافة العراقي يأمل في تعميم الانترنت والفضائيات. وأشار همام عبدالخالق في حواره مع (البيان) الى ان القيادة العراقية بصدد مراجعة قانوني الصحافة والاحزاب, ملمحا الى امكانية صدور صحف اكثر استقلالية عن الحكومة. وأوضح ان بغداد رفضت اعادة الانتداب كما جاء في القرار 1248 الخاص بالمشروع البريطاني لرفع جزئي ومشروط. تاليا نص القرار: * ما سبب رفضكم للقرار 1248؟ ـ نحن رفضنا المشروع البريطاني منذ البداية لأنه يريد إعادة العراق إلى عصر الانتداب. قلنا أنه بعد عشرة أعوام من الحصار لا يمكن أن نقبل بأقل من تجديد الفقرة 22 خطوة أولى نحو رفع الحصار كلياً. إنها القراءة القانونية لقرارات مجلس الأمن, ولن نقبل بشروط أخرى. المشروع البريطاني لا يتضمن سوى شروط جديدة لا تنص عليها القرارات الأولية لمجلس الأمن. هذا معناه إعادة صياغة قرارات مجلس الأمن للخروج بقرار جديد لم يتخذه المجلس حتى في أسوأ الأحوال, ما يعيدنا إلى بداية الأزمة في العام 1990؟ * ما هو واقع الثقافة في العراق في ظل الحصار؟ ـ مجال الثقافة ككل القطاعات في العراق يعاني نتائج الحصار. العدوان لم يستهدف القواعد العسكرية كما ادعت الولايات المتحدة, بل استهدف البنية التحتية التي تشكل أسس الثقافة والإعلام وركائزهما. كل المحطات ومراكز البث الإذاعي والتلفزيوني تم تدميرها تدميرا تاما أو جزئيا. الصحافة تراجعت إما بسبب الدمار أو نتيجة نقص الوسائل التقنية. وفي الأعوام العشرة الأخيرة, كانت الصحف العراقية تصدر بالقطع الصغير وتغطي بالكاد الأخبار السياسية الداخلية. وانعكست آثار الحصار أيضاً على قطاع النشر, فمئات الأعمال الثقافية لم تجد وسيلة للطباعة وكذلك الحال بالنسبة إلى السينما والمسرح وكل ما يتعلق بالثقافة, كلها تأثرت بالدمار وبالحصار. لكن يجب أن لا ننسى أن الشعب العراقي وريث لحضارة عمرها آلاف السنين, والعراق عبر تاريخه, مر بفترات شهد فيها محاولات تمزيق الشعب واقتلاعه من جذوره. مثال على ذلك هجمات التتار, ففي تلك المعارك اصطبغت مياه دجلة والفرات باللونين الأسود والأحمر. الأحمر لون دماء العلماء الذين ذبحهم هولاكو, والأسود لون حبر الكتب التي مزقها ورماها في النهر. هناك مخطط لاقتلاع هذا الشعب من جذوره. صحيح أنه مر بفترات سبات, لكن عندما تجتمع الظروف الملائمة وقيادة سياسية تستثير العناصر الجيدة, نجد أن هذا الشعب ينهض ويتقدم بكثير من الكفاية. من هنا إن ثماني قنابل بقوة قنبلة هيروشيما لن تجعل هذا الشعب ينحني أو يصمت. نحن الآن 23 مليون نسمة في السجن, لا يمكننا شراء أي شيء لا يمكننا السفر, وللوصول إلى أقرب مطار يجب عبور ألف كيلومتر في الصحراء مع كل ما يمثل ذلك من عناء ومصاعب للنساء والأطفال والمرضى, علماً أن قرارات مجلس الأمن لا تنص على أي منع أو حظر جوي تجاري, لكن على رغم هذه الظروف الصعبة استطاع العراقيون إعادة بناء مجتمعهم وإعادته إلى المستوى الذي نعرفه اليوم. كثير من الذين يزورون العراق اليوم يعبرون عن دهشتهم, إذ بالكاد نرى آثار الدمار والتخريب لكن هذا لا يعني غياب الصعوبات, فالوضع يبقى في غاية الصعوبة. ما من أمة يمكنها أن تعيش وتزدهر وهي معزولة, بل تحتاج للتواصل مع الآخرين, وما يراد فرضه على العراق هو عدم التواصل مع الآخرين. وهنا أذكرك بما قاله وزير الخارجية الأمريكي لنظيره العراقي في العام 1991 ستة أيام قبل بدء الاعتداءات العسكرية, قال: (نريد إرجاعكم إلى ما قبل العصر الصناعي) هذا ما يريدونه,عزل العراق وتمزيقه وإدخاله في طور التخلف. السؤال: هل تم لهم ذلك؟ أترك لك الإجابة ولكل من يزور العراق أن يكون فكرته عن الوضع, وأن يتعرف على ما حل بالصحافة والإذاعات والتلفزيون والنشرات الثقافية وثقافة الأطفال, أنا لا أبالغ عندما أقول أن كل ذلك تم تدميره تدميراً مباشراً أو غير مباشر, كليا أو جزئيا. * ما هو الميدان الذي يعاني أكثر من غيره؟ ـ الحياة عبارة عن سلسلة لا يمكن فصل حلقاتها الواحدة عن الأخرى ولا يمكن القول إن كل حلقة مستقلة عن التي سبقتها أو عن تلك التي تليها. الحياة في بلادنا تخضع لعدوان لم يشهد مثله التاريخ. الولايات المتحدة تريد تمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي في بلدنا, وتريد أن يعود هذا الشعب ذو الحضارة العريقة جاهلا, لكن فاتهم أن هذا الشعب هو الذي علم الإنسانية الكتابة. وقانون حمورابي ما زال يدرّس حتى الآن في كتب القانون. * كيف تعملون لمحاربة ظاهرة أطفال الشوارع علماً أن العراق كان سباقاً في مجال محو الأمية؟ ـ كما تعلمين العراق كان حصل على جائزة اليونيسكو عندما نجح في محو الأمية كلياً على أرضه وذلك في حملة لم يشهد مثلها أي من البلدان الممثلة في المنظمة. لكن اليوم وبسبب الحصار, عادت الأمية لتتفشى من جديد في صفوف المواطنين. وذلك بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تدفع الأطفال والشبان إلى ترك الدراسة والعمل لكسب معيشتهم. ليست لدي إحصاءات أو أرقام محددة, لكن يمكنني قول شيء, وهو أن الشعب الذي استطاع محو الأمية واستحق جائزة اليونيسكو قادر على تحقيق هذا الإنجاز مرة أخرى. * هل هناك محاولة لفسح المجال أمام التعددية في المجال الإعلامي (صحافة وإذاعة وتلفزيون), وهل يُفسح المجال أمام الفضائيات, وما تخشونه في هذا المجال؟ ـ لا أعرف لماذا لديك فكرة عن أن الصحافة العراقية هي صحافة حكومية, هذا غير صحيح, ولو عرفت أنك ستطرحين علي هذا السؤال لكنت أحضرت لك باقة من الصحف. نحن لدينا نوعان من الصحف: هناك خمس صحف يومية واحدة منها فقط رسمية. وهي صحيفة (الجمهورية) وأخرى تابعة للحزب الحاكم وثالثة للأكراد وصحيفة كانت تصدرها القوات المسلحة ولم تعد ناطقة باسم الحكومة منذ بضعة أعوام, وهناك صحيفة خامسة (بابل) وهي مستقلة. في المقابل لدينا عشر صحف أخرى مثل (الشباب) وصحيفة (الطلاب), وصحيفة الصناعيين, وهي نوع من الصحافة المتخصصة ولا تمتّ إلى الحكومة بصلة وتعبر عن رأي القطاع التابعة له أو المتخصصة في إطاره. لدينا قانون للمطبوعات ونحن في صدد مراجعته..(كما تعلمين القيادة العراقية بصدد مراجعة قوانين: قانون الصحافة وقانون الأحزاب) وللرد على سؤالك مما تخشون؟ أقول لك نحن لا نخشى شيئا, كنا روادا عندما نصحنا إخواننا العرب بأن يلتفتوا إلى الصحافة وحرية التعبير والأحزاب والتعددية. قلة هم الذين يتذكرون أن ذلك يشكل في الأساس مفهوم العراق منذ ثلاثين عاماً وأنه كانت لدينا أحزاب متعددة حتى قبل ثلاثين عاماً, أيام الملكية. ورغم ظروف الحصار والعدوان اليومي ضد شعبنا لم نعلق عمل المجالس النيابية, المجلس الوطني العراقي, تم تشكيله خلال الحرب مع إيران, وفي نهاية كل دورة يتم تجديده من طريق الانتخاب على رغم حال الطوارئ. كذلك المجالس الشعبية التي تم انتخابها مرتين وتم تنظيم استفتاء على منصب الرئيس في العام 1995 تابعه مئات الصحافيين العرب والأجانب. إذن الممارسة الديمقراطية لم تجمد, حتى مسألة الأحزاب السياسية يمكنك سؤال من تشائين إذا كان تقدم أحد بطلب تأسيس حزب سياسي بحسب القانون الراهن ورُفض من جانب الحكومة. القيادة تسعى جدياً إلى مراجعة قانون الأحزاب بغية تحسين شروط تطبيقه ونأمل في أن تتقدم في المستقبل القريب وأن نجد بين الجهات الوطنية من يتقدم بطلب تأسيس أحزاب, هذا سيعطي بعدا آخر لممارسة الديمقراطية وينعكس على الصحافة السياسية وهكذا يتوسع الإطار. * هل تسمحون بمحطات التلفزيون الفضائية؟ ـ نعم نحن لسنا ضد هذه المحطات, الدليل أن لدينا محطة فضائية, لكن في المرحلة السابقة لم يكن الأمر من ضمن أولوياتنا. نحن نركز اهتمامنا على مسائل أكثر أهمية. شعبنا مأخوذ بهمومه اليومية لكننا نعتقد أنه حان الوقت ليكون لهذا الشعب نافذة على الخارج, نافذة يطلع من خلالها على ما يحصل في العالم وما يطرأ في الحضارات الأخرى. نحن شعب لديه حضارة وشعب كهذا لا يمكنه الانغلاق ويحتاج للانفتاح على الآخرين. لدينا الآن مشروع سيمكن المواطنين من الإطلاع على الفضائيات الأخرى في العالم وهو شبيه بمشاريع أخرى نجدها في بلدان عربية أو أجنبية و سيؤمن للمشاهد العراقي باقة مختارة من هذه المحطات في الفنون والسياسة, ونأمل أن نتمكن من تحقيقه في الشهور المقبلة. * ما هو الوضع في مجال توافر الكمبيوتر الشخصي وفي المؤسسات؟ ـ لا أعرف من أين لديك هذه الفكرة أن الكمبيوتر غريب عنا. بالنسبة إلى الأجهزة الشخصية العراقيون الذين لديهم إمكانات يشترونها. المشكلة هي مادية وناتجة من الحال العامة عندما يمنع على العراق استغلال ثرواته ويمنع عنه الاستيراد, نحن بلد من أغنى بلدان العالم لكننا ممنوعون من استغلال ثرواتنا لتعليم أطفالنا والتوصل إلى مستوى أفضل. من الطبيعي أن يكون لدينا مشكلة مع الكمبيوتر حتى الحصول على الكتب والمنشورات العلمية صعب الآن, وهكذا هي الحال في كل قطاعات الثقافة. لدينا مشكلة في الحصول على العدد الذي نريد من أجهزة الكمبيوتر الذي أصبح آلة للاستعمال المنزلي في المناطق الأخرى من العالم. الكمبيوتر موجود ونستعمله في بلادنا, لكننا نأمل في أن نتمكن من تأمينه على نطاق أوسع. * تعرف أن بعض البلدان تسعى إلى التوصل إلى مراقبة كل ما يمر عبر الانترنت. ما رأيك بوسيلة الاتصال هذه وما ستكون تدابيركم في هذا المجال؟ ـ الشبكة وسيلة كغيرها. كبقية الأمور في الحياة لها إيجابياتها وسلبياتها. شخصياً أعتقد أن إيجابياتها أكثر من سلبياتها. وإذا أحسنا استخدامها نحصل على أفضل النتائج لقد أدخلنا الانترنت. صحيح أن المواطن لا يستطيع الوصول إليها بعد في الوقت الحاضر وهي مقتصرة على مؤسسات الدولة, لكننا نأمل في تعميمها في أقرب وقت. الخشية من الانترنت ليست على الصعيد السياسي, الخوف هو ثقافتنا وتقاليدنا من الآثار السلبية. هناك قوى تعبث بالشبكة بهدف الإساءة فقط وتسميم الثقافات وأفكار الدول الأخرى. والأمر نفسه ينسحب على الفضائيات. هذا التخوف ليس مقتصرا على بلادنا, ففي فرنسا مثلا يراقب المجلس الأعلى للسمعيات والبصريات كل ما يصل إلى المواطن, سواء عن طريق التلفزيون والإذاعة بهدف حماية ثقافة البلاد. نحن متأخرون في مجال الانترنت وذلك يعود كما ذكرت لمنعنا من استغلال ثرواتنا. وعلى رغم ذلك سنعمم الفضائيات والانترنت, هذه أمور لا يمكن لأحد التصدي لها ولن يوقفنا عنها لا الأمريكيون الذين يريدون إعادتنا إلى العصر ما قبل الصناعي, ولا سواهم. خدمة وورلد نيوز لينك