الهدف البعيد أصبح قريب المنال.. ونزع الألغام, تباشيره بدأت بالفعل, واللجنة الوطنية لإزالة الألغام التي تأسست منتصف يونيو 98م سائرة بخطى مدروسة ودقيقة, والبرنامج الوطني لتحقيق الهدف تنجز مهامه بالمسطرة بالتعاون مع الجانب الأمريكي.. انه هدف انساني نبيل, سيقلل تدريجيا عدد ضحايا الألغام, ذلك السلاح المخفي الجبان الذي تسبب في ازهاق آلاف الأرواح واصابة مئات الاشخاص بإعاقات مختلفة شاهدة على مأساة الألغام, تحكي بمرارة عن قصة تراجيدية اسمها الألغام في اليمن... ملخص هذه القصة تقدمه (البيان) للقارىء على النحو الآتي: أربع حروب عرف اليمن الألغام الأرضية المضادة للأفراد والدروع العسكرية مطلع العقد السادس القرن الماضي (العشرين), وذلك خلال حرب الأئمة في الشمال والتي امتدت من سبتمبر 62م حتى أواخر 68م وحرب الاستقلال في الجنوب التي استمرت 5 سنوات من عام 63م حتى نوفمبر 67م, وتشير الدراسات المتخصصة ان الألغام لم تكن متوفرة بكميات كبيرة ولم تستعمل بشكل واسع خلال الحرب الاولى بين الجمهوريين والملكيين المناصرين لحكم الأئمة فقد زرعت اعداد منها في منطقة حجة معقل الاماميين الرئيسي ومنطقة الجوف المحايدة للسعودية, فيما لم تكن الألغام متوفرة بسهولة خلال حرب الاستقلال وإن وجدت بأعداد محدودة جدا, فقد تم زرعها في مناطق الصراع و تحديدا ردفان (منطقة اندلاع شرارة ثورة الجنوب اكتوبر 63م) وأبين والضالع. وشهدت اليمن في العقود القليلة الماضية, العديد من النزاعات المسلحة ابرزها حرب (المناطق الوسطى) التي استمر 13 عاما, ابتداء من عام 70م حتى عام 82م وحرب صيف 94م الاخيرة, جرى في حرب المناطق الوسطى زرع كميات كبيرة من الألغام المضادة للأفراد في مناطق عديدة من محافظة إب, ذمار البيضاء, تعز وتقدر مصادر شبه رسمية عدد الألغام في هذه المحافظات باكثر من مليون لغم ما زالت تهدد حياة السكان والماشية على حد سواء, كما جرى زرع قرابة 100 الف لغم معظمها من الألغام المضادة للدبابات في محافظة لحج, عدن, ابين, شبوة وحضرموت, وهناك من يشير الى ان عدد الألغام المزروعة في هذه المحافظات لا يقل عن مليون لغم, فيما تؤكد وزارة الدفاع أنها ابطلت مفعول حوالي 68 ألف لغم منذ نهاية الحرب حتى مطلع 99م في محافظات عدن وأبين ولحج. خطوات حكومية ولمواجهة مشكلة الألغام, اتبعت الحكومة اليمنية سلسلة من الاجراءات والخطوات المدروسة, فمشوار الأف ميل يبدأ بخطوة, فخطوة الحكومة الاولى هي التوقيع على اتفاقية حظر الألغام الدولية, المعروفة بمعاهدة (اوتاوا) في ديسمبر 97م بالعاصمة الكندية, وكان اليمن قد نظم خلال العام ذاته ندوة اقليمية حول الألغام شاركت فيها 18 دولة عربية وغير عربية, وتمخض عن الندوة (اعلان صنعاء الخاص بالألغام) . ولم تكتف الحكومة بذلك, بل عمدت لتأسيس اللجنة الوطنية لنزع الألغام في 17 يونيو 98م, ونيط لها هدف نزع الألغام الأرضية والقذائف القابلة للانفجار والتخلص منها ورعاية ضحاياها, وحدد قرار التأسيس مهام اللجنة الوطنية في وضع السياسات والاستراتيجيات اللازمة للبرنامج الوطني المعني بنزع الألغام والاشراف على تطبيقها وكذا اعتماد الخطط والبرامج والموازنات المقدمة من الدرجة الفنية التنفيذية المسئولة مباشرة عن الأعمال والنشاطات الفنية والادارية والمالية والعملياتية والاعلامية والاجتماعية, يضاف الى ذلك مهام الاشراف على عمليات نزع الألغام والتخلص من القذائف القابلة للانفجار المعروفة بـ (UXO) واستلام المساعدات والتجهيزات والمعدات المقدمة للبرنامج الوطني وتشكيل لجان فرعية في المحافظات المتضررة اذا اقتضت الضرورة, علاوة على التعامل مع الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة بموضوع الألغام. فيما عرفت الحكومة اليمنية البرنامج الوطني لنزع الألغام, عبارة عن منظومة متكاملة للتعامل مع مشكلة الألغام الأرضية المزروعة والقذائف القابلة للانفجار وما يترتب عليها وذلك وفقا للمعايير الدولية المحددة في (معاهدة اوتاوا) , وكان الغرض من البرنامج الوطني خلق حالة من الأمان والاطمئنان للمواطنين في المناطق المتضررة كي يتابعوا حياتهم اليومية وينتقلوا من مكان الى آخر دون خوف أو وجل وتطهير الاراضي المتضررة من الألغام والقذائف.. في حين حددت مكونات البرنامج في مسح المناطق والمواقع المزروعة بالألغام ونزع الألغام الارضية والقذائف المتفجرة والتخلص منها والتوعية بمخاطر الألغام ومساعدة المتضررين ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية والبيئية الناجمة عن زرع الألغام ورعاية الضحايا وتأهيلهم وادماجهم في المجتمع. عدن في المقدمة ولم تعط حتى الآن أية جهة رسمية أو أهلية أي ارقام أو احصائيات دقيقة حول ضحايا الألغام منذ ان عرف اليمن هذا النوع من الأسلحة, فالتقديرات المتوفرة لحجم الضحايا تتفاوت من جهة الى اخرى, حيث تشير تقديرات وزارة الداخلية ان الألغام والقذائف تسببت في قتل واصابة 723 شخصا خلال الفترة من 92م الى 96م, 75% منهم نتيجة الألغام بينما 25% الباقية جراء القذائف, احتلت محافظة عدن المرتبة الاولى في عدد الضحايا 97 ضحية, تليها محافظة صنعاء 93 ضحية, ثم اب 85 ولحج 66 وتعز 58 والحديدة 56 ضحية.. اما اعمار هؤلاء الضحايا فتتراوح بين 7 الى 40 سنة, غالبيتهم من الاطفال والمزارعين والبدو الرحل. من جهتها, أكدت الجمعية اليمنية للتوعية من مخاطر الألغام (أهلية) عقب عملية المسح لمحافظات عدن ولحج وأبين على صعوبة الحصول على ارقام دقيقة حول ضحايا الألغام والقذائف, فلا توجد في المستشفيات وأقسام الشرطة اي معلومات وافية, أو بلاغات حول الضحايا, وما حصلت عليه الجمعية من معلومات في هذا الجانب وخاصة خلال الفترة من مايو 94م (بدء الحرب الأهلية) الى ديسمبر 98م لا تمثل بالطبع الرقم الفعلي الصحيح لعدد الضحايا في المحافظات الثلاث, فقد أوضحت الجمعية ان عدد القتلى في منطقة حبيل جبر محافظة لحج خلال الفترة ذاتها 27 فردا, فيما الجرحى 23 فردا, ومنطقة عمران محافظة عدن سقط منها 3 قتلى و11 جريحا ومصعبين عدن 4 قتلى و8 جرحى, ومنطقة الكود محافظة ابين سقط منها 27 قتيلا و27 جريحا, وأضافت الجمعية ان 10 من بين هؤلاء قتلوا بالألغام و12 بالقذائف القابلة للانفجار و34 جراء الانفجارات المباشرة خلال حرب صيف 94م (5 مايو ـ 7 يوليو 94م), فيما بلغ عدد الاطفال القتلى جراء الألغام والقذائف 9 والجرحى 17 طفلا تتراوح اعمارهم بين 7 الى 15 سنة. صناعة الأطراف أما أوضاع جرحى الألغام المأساوية, وجب على الحكومة اليمنية والمنظمات الدولية المانحة ايجاد عدد من مراكز المعالجة والرعاية وبرامج تأهيل المعاقين حركيا, فتوجد حاليا ورشتان لصناعة الاطراف الصناعية الاولى بأمانة العاصمة صنعاء والاخرى بمحافظة تعز تديرها منظمة الاعاقة الدولية (مقرها الرئيسي بالعاصمة الايطالية روما) وتعمل الورشتان على توفير الاطراف الصناعية ما دون الركبة للمعاقين حركيا منهم جرحى الالغام بصورة شبه مجانية, فيما تفتقران حاليا للامكانيات والوسائل الحديثة الداخلة في صناعة السواعد والارجل أو الايدي المتحركة. وفي اطار دمج المصابين بحوادث الالغام في المجتمع, تدير وزارة العمل والتدريب المهني حاليا اكثر من 22 مركزا للتدريب المهني والتقني في عموم المحافظات اليمنية, تقدم دورات تدريبية قصيرة للعاطلين عن العمل والمعاقين حركيا, كما تدير وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية مركزين للتدريب المهني الأول في صنعاء والآخر بمحافظة عدن ويعملان على معالجة اوضاع الاشخاص ذوي الاعاقة حركيا ومنهم جرحى الألغام والقذائف القابلة للانفجار.