منطق اللغم هو منطق الغدر, رغم بدائيته المعروفة ورغم ان الحرب الحديثة باتت مكشوفة حتى في خططها, الا ان هذا المفهوم لاينطبق اطلاقا على الالغام بأنواعها فالانسان الذي يجلس في منزله بأمان واطمئنان قد يقتل بلغم, خاصة وان الاشكال التقليدية تطورت ليصبح التحكم عن بعد في تفجير اللغم مسيطرا على الصناعة الحديثة لهذ الآلة الحربية. وامام هذ التطور فإن اللغم التقليدي لايزال الشغل الشاغل للانسان ليس في مواقع المواجهة فقط بل حتى في المواقع البعيدة نسبيا عن المواجهات العسكرية, فاللغم يتحرك مع التربة وقد يحركه الفلاح وهو يحرث ارضه دون ان ينفجر, وبذلك ينقله رغما عنه وبلا علم من مزرعته الى امام منزله لتقوم قائمته في لحظة آمان لايتوقع ان يعكر صفوها احد, وقد يتحرك اللغم البحري مع الامواج والتيارات ليستقر على الشاطىء وبذلك يجعل الهدوء دمارا والسعادة موتا او تشويها او اعاقة. هذه المفاهيم البسيطة لايمكن تجاهلها بالمفهوم الانساني, فهي غاية في الدقة والحساسية تؤثر على وجودنا وكياننا ونشاطنا بأشكاله المختلفة في الشكل الاقتصادي وحتى الشكل الاجتماعي واذا كانت الحرب العالمية الاولى قد استخدمت نوعا تقليديا وبسيطا من الالغام وهو عبارة عن قذيفة مدفع متصلة بصاعق تفجير يتحررعند اي ضغط يصيبه, فإن الحرب العالمية الثانية قد طورت كثيرا اشكال الغامها وانواعها, فاصبح هناك الغام ارضية خاصة بالافراد والغام خاصة بالآليات والغام بحرية والغام ذات مؤقت زمني خاصة بتدمير الطيارات والسيارات والمساكن, اضافة الى الغام التحكم عن بعد بحداثتها النسبية. واذا التجأنا للغة الارقام فإن كارثة زراعة الالغام ستتوضح بشكل كبير ففي بعض التقارير الدولية جاء ان هناك مابين (60) مليونا و 100 مليون لغم ارضي مضاد للافراد تتسبب سنويا بوقوع الاف الضحايا من المدنيين والعسكريين وفي بعض التقارير العسكرية جاء ان هناك 120 مليون لغم متنوع تنتشر في حوالي 70 دولة, وان 400 الف لغم يدفن كل اسبوع في العالم وحالات القتل من الالغام كما جاء في تقرير منظمة الصليب الاحمر تتجاوز 60 اصابة قاتلة اسبوعيا. وهذه الارقام بطبيعة الحال ليست دقيقة بالقدر الكافي, فمن المعروف ان النسبة الكبيرة من الالغام تتواجد على الحدود بين الدول ومازالت معظم هذه الدول تخفي خرائطها واسرار الغامها, اضافة الى ان حالة الصراعات الداخلية قد انتشرت فيها الالغام بشكل كبير فلم يعد اللغم فقط للعدو الحدودي بل دخل في صلب الصراعات الداخلية والاثنية المختلفة والتي نراها تشتعل يوما بعد يوم في مناطق التوتر الكثيرة في العالم وخاصة في ارجاء العالم الثالث. الالغام الاقتصادية استطاعت الحرب العالمية الاولى ان تؤثر بشكل فعال على تطور الالغام وخاصة البحرية منها المضادة للغواصات التي لاتستطيع قذيفة المدفع تدميرها, ولكن مع التطور الهائل لهذه الالغام في الحرب العالمية الثانية فإنها استطاعت تدمير 1118 سفينة للولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وحلفائها, وزرع طرفا النزاع (الحلفاء ودول المحور) مايزيد على 550 الف لغم بحري مضاد للغواصات, ولكن يبقى هذا الرقم ضئيلا امام اللغم المضاد للافراد بكل المقاييس التدميرية والاقتصادية فاللغم المضاد للافراد بسيط الصنع مهما تطور وقليل التكلفة حيث نندهش اذا ما علمنا ان تكلفة اللغم الواحد (دولار واحد) ولكن الاندهاش الاكبر يأتي من خلال تكلفة ازالة الالغام وابطال مفعولها فقد تصل تكلفة ابطال لغم واحد الى حوالي 3000 دولار, ورغم تطور تقنيات كاسحات الالغام الا ان هذه التقنيات لم تصل حتى الان الى القدرة الكاملة بل بقي معدل ازالة الالغام لايتجاوز الخمسين بالمئة وهي نسبة ضئيلة جدا, وتزيد التكلفة الاقتصادية نظرا للوقت والجهد المبذولين في هذه العملية. واذا نظرنا الى الاثر الذي يتركه اللغم الفردي فإن هذا الاثر غالبا لا يميت من ينفجر به, بل ان مهمته الرئيسية هي الاعاقة عن مواصلة القتال حتى تؤدي هذه الاعاقة الى اشغال بعض الافراد لاسعاف المصاب ومن ثم العلاج وما يمكن ان ينفق في هذا المجال, اضافة الى ان المعاق سيكون بحاجة الى معيل مادي وهذا المعيل بالنهاية هو الدولة التي تصرف على الفرد المعاق اكثر من الفرد السليم وما يمكن ان نلحظه في مجال الاعاقة الجسدية هو الانعكاس المباشر باعاقة نفسية ناتجة عن الاعاقة الاولى, والتشويه الذي يصيب الجسد والنفس معا بل لعل هذا المشهد يؤدي الى حالات من اليأس لا تسيطر على المعاق فحسب بل تنتقل للاصحاء الذين يتأثرون برفاقهم بشكل كبير حتى ان الكثير مهم يصاب بالشلل كردة فعل نفسية لما رآه في صديقه. وبالمقابل فإن ذلك كله يؤثر في مستوى الاداء الفردي وبالنهاية يؤثر بشكل كبير على اقتصادات الدول والجهد الفردي الداخل في الناتج المادي, ولعل اكبر هذه التأثيرات تأتي من خلال الموات الذي يصيب الارض المزروعة بالالغام, فهذه الارض تبقى منطقة محظورة يمنع الدخول اليها وبالتالي لاتستثمر خيراتها الباطنية والسطحية وتقف عائقا امام التنمية الاقتصادية للدول التي تحتويها, اضافة الى ان التوسع العمراني لايستطيع الدخول الى هذه المناطق مما يؤدي الى كثافة سكانية محيطة بها, وهذا بدوره يشكل خطرا على السكان المحيطين وخاصة الاطفال الذين يحاولون دخول حقول الالغام دون الاكتراث بالتحذيرات, واذا كانت التربة المزروعة من التربة الخصبة وهذا ما يكون عادة لان القتال على الاراضي غالبا ما يأخذ شكلا اقتصاديا, فالحدود ذات المنفعة الاقتصادية الضئيلة التي لاتحتوي على ثروات باطنية او حياة تترك بشكل عام دون ترسيم دقيق بين الدول, ولكن مناطق الحدود المتنازع عليها غالبا ما تكون ذات مردود اقتصادي كبير, لذلك تنشأ المعارك في هذه المناطق وتصبح حقلا بل حقولا من الالغام, وقد تتكاثر هذه الحقول بشكل تلقائي وخاصة في المناطق الخصبة والغابات, ولكن بيقى استثمارها بعيد المنال بل لعلها تؤدي احيانا الى كوارث اقتصادية جديدة حيث تجلب الماشية لها لتنفجر فيها وتؤدي الى خسائر فادحة. بطبيعة الحال فإن التكلفة القليلة جدا لصناعة الالغام تؤدي بالمقابل الى تكاليف اقتصادية كبيرة جدا وتؤثر على مشاريع التنمية بشكل لايقبل المنافسة, فهي المنافس الطبيعي للدول في اقتصادياتها حيث تقف امامها دون حل, وان كانت هناك حلول فهذه الحلول غالبا ما تكون نسبية وغالبا ما تكون ذات كلفة اقتصادية كبيرة. نصيبنا كبير صحيح ان الالغام انتشرت بشكل كبير في الحرب العالمية الثانية التي كنا فيها كعرب مع المشاركين رغم ارادتنا كون الدول العربية كانت محتلة من قبل الاستعمار بأشكاله المختلفة, ومن المعلوم ايضا ان الالغام استخدمت بشكل موسع في النصف الثاني من القرن العشرين في مناطق التوتر وحروب العصابات في اسيا وافريقيا, كما حصل على سبيل المثال في فيتنام وكمبوديا وافغانستان وانجولا, واصبحت هذه المشكلة من اعقد المشاكل بعد انتهاء الحروب واشدها تأثيرا على مشاريع التنمية الا ان الوطن العربي كان ومازال له النصيب الاكبر من الالغام المزروعة حوله, ومن كافة الجهات فاسرائيل على سبيل المثال محاطة بالالغام على جميع جبهاتها ولاتترك مكانا فارغا منها وهذا مارأيناه مؤخرا في الجنوب اللبناني, ولكن تبقى المشكلة الاكبر في الوطن العربي هي مشكلة الالغام المصرية التي تركتها الدول المتحاربة في الحرب العالمية الثانية, حيث تقول مصر ان هناك 24 مليون لغم منتشدة في مختلف ارجائها وهذا يعتبر اكبر تجمع للالغام في العالم داخل بلد واحد او لنقل حقل واحد, ولعل ثلثي هذه الالغام تتجمع في الصحراء الغربية حيث كانت معركة العلمين, ومؤخرا طالبت مصر الدول المتحاربة في الحرب العالمية الثانية وخاصة بريطانيا والمانيا بمبلغ قدره 250 مليون دولار لازالة 17.5 مليون لغم ارضي, ولكن مازالت المماطلات والتنصلات هي الرد الاكبر على المطالبة, فقد حملت بريطانيا الالمان مسئولية هذه الالغام, بينما يقول الالمان انهم كانوا في حالة هجوم وهم ليسوا بحاجة الى زراعة الالغام, وامام هذا لاتجد مصر سوى الاصرار على المطالبة لازالة هذه الالغام كونها تتجه الى تنمية المنطقة الملغمة والتي تحرم من خلالها من فرص استثمارية وتنموية كبيرة, حيث يعتقد ان مناطق الالغام المصرية مليئة بالنفط اضافة الى انها قد تكون منطقة سياحية وحتى اثرية, ومع ذلك فإن بعض الدول التي قدمت مساعدات لمصر في هذا المجال بقيت محدودة ولم تغط الا جزءا يسيرا من مشروع ازالة الالغام. معاهدة انسانية في عام 1997 وقعت 120 دولة على معاهدة تحظر صناعة الالغام الارضية المضادة للافراد كما تحظر تصديرها, وتعهد الموقعون بتدمير مالديهم من مخزونات من هذه الالغام في غضون اربع سنوات من توقيعهم, وقامت بريطانيا بخطوة مهمة حيث اعلنت في 22 فبراير وعلى لسان وزير دفاعها جورج روبرتسون تدمير كامل الالغام المضادة للافراد قائلا: لن يقوم جندي بريطاني بعد الان بزرع لغم مضاد للافراد) . ولكن هذه الدعوة وهذا التحقيق لتدمير الالغام لم يتم بعد في العالم, فالولايات المتحدة وروسيا والصين لم يوقعوا على تلك الاتفاقية, اضافة الى ان التحقق من تدمير الدول للالغام لم يتم بشكل موضوعي كون الالغام سهلة التصنيع ويستطيع اي جيش متواضع ان يصنعها ويتاجر بها ويستخدمها دون رقابة دولية وبعيدا عن اعين الرقابات الكبيرة التي تراقب الاسلحة الاسترايتجية. وهنا يطرح السؤال: الا يمكن للعالم ان يدرك ان لغمه الذي صنعه قد ينفجر به؟ الواقع ان هذا السؤال رغم بساطته الا انه شديد الاهمية, فكثيرا ما انفجر اللغم بصاحبه, فهل يمكن لوعي الانسان ان يدمر جسده بيده؟ وهل بقي امامنا وفينا بعض الامل للمستقبل كي نزرع الارض وردا بدل ان ندمر انفسنا بالغامها؟! بقلم: محمد احمد يوسف