تقول الأرقام أن هناك نحو 110 ملايين لغم مدفون في باطن الأرض على مستوى قارات العالم يتركز أغلبها في القارة الافريقية, هذا العدد الهائل من الألغام يمثل مشكلة اقتصادية وانسانية كبيرة بالنسبة للدول المتضررة منه وخاصة أن غالبيتها من الدول النامية التي لاتمتلك المال أو الكوادر البشرية أو المعدات الفنية لازالة هذه الألغام.. (الملف) التقى لواء دكتور محمد قدري سعيد رئيس الوحدة العسكرية بمركز الأهرام في حوار حول الآثار الانسانية الجهود الخاصة بازالة الألغام ومنع تصنيعها.. وفيما يلي نص الحوار: مخاطر طويلة الامد * بداية نريد القاء الضوء على الظروف التي أدت لحدوث مشكلة الألغام؟ - الألغام تعتبر احدى الوسائل التي تستخدم في الحروب سواء في النواحي الدفاعية أو الهجومية, وهذا السلاح يتميز بأنه وسيلة سهلة ورخيصة الثمن وضرورية في بعض الأحيان لحماية مساحات شاسعة على حدود الدول, كما يساهم في حماية اطراف القوات أثناء التحرك في منطقة ما والتقليل من عدد الجنود الذين يوكل اليهم هذه المهمة.. والمشكلة الأساسية في موضوع الألغام تكمن في آثارها السلبية التي تستمر حتى بعد انتهاء فترة العمليات العسكرية وهو مالايحدث بالنسبة لأي نوع آخر من الأسلحة, فهي خطر مستمر ضد أفراد ومواطنين ليس لهم علاقة بالمشكلة الأصلية التي أدت الى زرع هذه الألغام, وهذا هو البعد الانساني في المشكلة أن هناك أناسا يذهبون ضحايا لهذه الألغام دون أي ذنب قد اقترفوه. والألغام تتميز بأنها تظل صالحة للتفجير رغم طول فترة وجودها في باطن الأرض, كما تنتقل نتيجة للعوامل الجوية من مكان الى آخر في نفس المنطقة وتصيب أفرادا مدنيين. * ولكن هناك من يرى أن الألغام الموجودة في باطن الأرض لها فترة صلاحية تقدر بنحو 50 عاما وهو ما يعني أن غالبية الألغام التي تم زرعها خلال الحرب العالمية الثانية لم تعد نافذة المفعول؟ فما هو رأيكم في ذلك؟ - هناك نوعان من الألغام المشهورة, الأول المضادة للأفراد وهي تحمل مادة متفجرة لاتزيد على 200 جرام, والنوع الآخر هو الألغام المضادة للعربات والدبابات ويتراوح وزن المادة المتفجرة فيها مابين 8 الى 9 كيلوجرامات, وطول فترة وجود الألغام في باطن الأرض قد يؤدي لأحد احتمالين اما أن تتعرض بعض الأجزاء الميكانيكية في اللغم للصدأ والتآكل ومن هنا تصبح حساسيتها أكبر عند وجود أي ضغط عليها وبالتالي يظل مفعولها نافذا وفي انتظار أي ضغط بسيط حتى تنفجر, أو أن يؤدي طول المدة الى تآكل اللغم نفسه أو خروج المادة المتفجرة منه وعندها يصبح اللغم بدون فاعلية. التكلفة الباهظة * وماذا عن الآثار الانسانية والاقتصادية لمشكلة الألغام؟ - الألغام سلاح غير انساني يجب أن يجرم دوليا لأن تأثيره مدمر, وخاصة أن هناك أسلحة تم تحريمها في الفترة الأخيرة مثل الذخيرة التي تنفجر داخل الانسان, وذلك للحد من نزعة التوحش عند البعض, كما تم تحريم الأسلحة التي تستخدم الليزر وتؤدي الى اصابة الجنود بالعمى.. الألغام لاتقل في تأثيرها المفزع عن تلك الأسلحة ويجب أن تضاف اليها ويتم تحريمها, كما أن للألغام تأثيرها السلبي على عملية التنمية في الدول التي توجد فيها بكثرة, حيث أنها تغطي مساحات كبيرة من الأر اضي التي لايستطيع البشر أن يتحركوا خلالها وهو ما يعوق عملية استغلال هذه الأراضي لعمل تنمية فيها, فضلا عن أن تكلفة ازالة هذه الألغام كبيرة للغاية وترهق ميزانيات الدول التي توجد بها وخاصة أن غالبية هذه الدول دول نامية تعاني من مشكلات اقتصادية كثيرة. * تعدد الصراعات المحلية والاقليمية هل ساهم في تفاقم مشكلة الألغام؟ - لقد أدت الحروب الأهلية والصراعات التي حدثت في الكثير من الدول وخاصة النامية الى زيادة عدد الألغالم المنزرعة في باطن الأرض حتى وصلت الى نحو 110 ملايين لغم منتشرة في مختلف قارات العالم, أغلبها في القارة الافريقية ويتركز فيها نحو 60% من مجموع الألغام في العالم, وذلك بسبب كثرة الحروب والصراعات الأهلية في بعض دولها مثل سيراليون وراوندا والكونغو وأثيوبيا واريتريا.. خلال هذه الحروب والصراعات تقوم قوات هذه الدول بنشر الألغام في الغابات والوديان وبعد انتهائها يظل خطر الألغام قائما وخاصة أنه لاتوجد خرائط توضح مكانها أو أموال تكفي في ميزانيات هذه الدول لازالة الألغام, أو حتى الكوادر البشرية المدربة على عمليات الازالة. * كيف ترى دور المنظمات الانسانية والهيئات الدولية في الحد من مخاطر الألغام وتقليل حجم الضحايا والخسائر؟ - رغم أن معظم المعاهدات الدولية تمت من أجل ازالة ومنع انتشار أسلحة التدمير الشامل والأسلحة البيولوجية والكيمياوية, فإن الألغام هي السلاح التقليدي الوحيد الذي وجد اهتماما كبيرا من الهيئات الدولية والمنظمات الانسانية وخاصة مع بداية فترة التسعينيات حينما بدأت الدعوة لمنع استخدام الألغام, وقد تم عقد سلسلة كبيرة من المؤتمرات في مناطق مختلفة من العالم, هذه المؤتمرات لم يكن وراءها حكومات ولكن قام بمهمة تحريكها وتنشيطها ولأول مرة المنظمات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني, وكما فعلت الأميرة الانجليزية الراحلة ديانا, وحتى تم التوصل الى معاهدة أوتاوا عام 97 والتي أصبحت نافذة المفعول في العام الماضي بعد أن صدق عليها عدد كبير من الدول. وطبقا لهذه المعاهدة تم الاتفاق على منع استخدام وانتاج وتخزين ونقل الألغام الأرضية, بالاضافة الى التصرف في الألغام المخزنة لدى بعض الدول خلال فترة زمنية محددة, وقد كان من نتائج هذه الاتفاقية أن أغلقت بعض مصانع تصنيع الألغام أبوابها. أيضا الأمم المتحدة لها ادارة لمساعدة الدول لوضع برامج لازالة الألغام وتأهيل المصابين وتدريب الأفراد الذين سيقومون بعمليات نزع الألغام, ولكن هذه الادارة لاتقدم مساعدات مالية كبيرة.. وعموما فدور المنظمات الدولية والانسانية ايجابي ولكن المشكلة تكمن في الأموال المتاحة على المستوى الدولي وهي قليلة جدا ولاتفي بعملية ازالة الألغام, فكل ما هو موجود في ادارة الأمم المتحدة للمساعدة في ازالة الألغام 400 مليون دولار, وهذا المبلغ لايكفي لازالة كل الألغام في العالم كما أنه لايتم صرفه إلا بشروط وضعتها الأمم المتحدة. ضرورة التراضي * هل ترى أن الدول المسببة للمشكلة عليها أن تتحمل مسئوليتها في المساعدة على ازالة هذه الألغام؟ - لاشك أن الدول المسببة للمشكلة عليها مسئولية كبيرة وطالما هي التي وضعت الألغام فيجب عليها أن تقوم بازالتها, لكن المشكلة في أن المطالبة بتعويضات الحروب ومنها تعويضات ازالة الألغام هي من الأمور الصعبة للغاية وغالبا تظل معلقة ولاتوجد حالات لدول قدمت تعويضات عن حروب خاضتها أو التعويضات عن ألغام زرعتها, بمعنى أن لجوء الدول المضارة من المشكلة الى أسلوب التقاضي وطلب التعويض لن يحل المشكلة ولن يؤدي الى شيء, ومن هنا فالأفضل أن يتم اللجوء الى التحركات التي يوجد بها نوع من التراضي بين الأطراف والتي قد تؤدي على المدى الطويل للوصول لاتفاقات بشأن المساعدة في ازالة الألغام وتحمل الدول المسببة للمشكلة لمسئوليتها. * تقول الأرقام أن مصر لديها في أراضيها نحو 23 مليون لغم منتشرة في بعض المناطق فهل من حلول لهذه المشكلة التي تعوق عمليات التنمية فيها؟ - طبعا مصر من أكثر الدول المضارة من موضوع الألغام الأرضية, حيث تشير التقديرات الى أن حجم الألغام الموجودة في أراضيها يقدر بخمس ما هو موجود في كل دول العالم أي ما يقدر بنحو 23 مليون لغم منها 18 مليون في الصحراء الغربية, و 5 ملايين في اتجاه شرق سيناء والبحر الأحمر نتيجة الحروب المصرية الاسرائيلية, فضلا عن 10 ملايين لغم أخرى كانت قد أزالتها القوات المسلحة نتيجة للتطور العمراني الذي حدث, كما توجد أشياء أخرى مثل الدانات التي لم تنفجر وهي الأخرى تمثل خطورة مثل تلك التي تسببها الألغام, وهذا العدد الهائل من الألغام الموجودة في الأراضي المصرية زرع معظمها الألمان خلال الحرب العالمية الثانية, بالنسبة لموضوع الألغام في مصر تكمن المشكلة في أن الدول المسببة لهذه المشكلة هي من الاتحاد الأوروبي وهذا تربطنا به علاقات تجارية وسياسية وطيدة, ومعروف أن مصر تحصل على معونات كبيرة من دول الاتحاد الأروبي, ولذلك فإن أي تحرك يكون فيه تصادم مع دول الاتحاد الأروبي لن يكون مفيدا, ولكن مع هذا هناك تحرك مصري نشط يجري حاليا لاثارة الموضوع على المستوى الدولي بشكل عام وداخل مجموعة الدول الأروبية بشكل خاص من أجل الحصول على المساعدة في ازالة هذا الكم الكبير من الألغام, كما أن الرأي العام المصري بدأ يهتم بموضوع الألغام وهناك حديث بين حين وآخر في الصحافة كما تمت اثارته داخل أروقة الأمم المتحدة. وعموما إذا وجدت الأمم المتحدة أن مصر جادة في موضوع ازالة الألغام فإنها ستقوم بتقديم المساعدات لها من خلال الادارة الموجودة بها المعنية بهذا الشأن.. الأمر يتطلب وجود برنامج مصري واضح لازالة الألغام حتى تدرك الأمم المتحدة اننا جادون في ذلك كي تقوم باعتماد المساعدات اللازمة. القاهرة: مكتب البيان