حميد بنلعبيد, راع ليبي, كان يرعى قطيع أغنامه على الحدود الليبية ـ المصرية, عندما انفجر به لغم أرضي مدفون في التراب منذ أكثر من نصف قرن, زرعه جندي انجليزي, أو جندي ألماني, أيام معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية, ليودي بحياته, وليس له من ذنب سوى انه يعيش في هذه المنطة التي زرعت فيها جيوش المحور وجيوش الحلفاء على السواء, مئات الآلاف من الألغام, ليوقع كل طرف بخصمه في حقول الألغام, أو يخلفها وراءه, عامدا وليس حميد هذا إلا واحدا من مئات الآلاف من الضحايا الذين كانوا يسيرون مطمئنين, غير عارفين ان الموت مزروع تحت أقدامهم, فإذا بهم يتطايرون بفعل انفجار تلك الألغام مما يؤدي بهم إلى الموت, أو إلى بتر الأعضاء, ليعيشوا بعد ذلك مقيدين, عاجزين, مشوهين, وضحايا جريمة ليس هناك في قوانين العالم ما يحاسب مرتكبيها عليها. وعلى الرغم من جميع الاحصائيات التي نشرت حول الاعداد المتوقعة للألغام الفردية المزروعة في مختلف أنحاء العالم, والتي تصل إلى عشرات الملايين, فمن الصعب تحديد حتى رقم تقريبي, لمصائد الموت هذه التي تضع زارعيها في خانة المجرمين الجبناء, فليست هي أسلحة يمكن سحبها أو نقلها أو تدميرها في حال الهزيمة أو الانسحاب, بل هي افخاخ الموت التي لا يفكر زارعوها بأن يزيلوها, بل حتى انه لا يضعون خرائط لأماكن وجودها إلا فيما ندر. وقد سئل جوبلز, المجرم النازي الشهير: ـ لماذا تزرعون هذه الألغام؟ * لأننا نريد ان ننتصر. ـ ولكن ضحاياها سيكونون من الناس الأبرياء في حال الانسحاب. * كل حرب لها ضحاياها ـ ولكنه عمل غير انساني, ويمكن ان يحاسبكم عليه العالم. * عندما ننتصر لن يستطيع أحد ان يحاسبنا. وإذا كان عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية قد وصل إلى حوالي ستين مليون ضحية, وعدد ضحايا الحروب الاقليمية والمحلية التي قامت في العالم هنا وهناك بعد الحرب العالمية الثانية قد وصل إلى أكثر من عشرين مليونا, فإن نسبة كبيرة من هؤلاء الضحايا قضوا في حقول الألغام, ولاتزال الأنباء تحمل إلينا بين يوم وآخر, وعلى الرغم من مرور نصف قرن عن تلك الحرب, أسماء ضحايا جدد للألغام الفردية والأرضية. ماذا فعل العالم؟ وعلى الرغم من جميع المحاولات التي بذلت في العالم, وفي هيئة الأمم المتحدة, والمنظمات المختلفة, والجمعيات الانسانية, بالاضافة إلى الجهود الفردية في مجابهة هذه المشكلة المعقدة, فهي لاتزال قائمة, بل وقد تتزايد خطورة وتفاقما مع قيام حروب وثورات وصدامات محلية أو اقليمية, وليس بعيدا عنا ما حدث في البوسنة وفي يوغسلافيا وفي الشيشان, حيث زرعت الألغام دون أي رادع, ودون احترام الدعوات المتتالية لتحريم هذا النوع من السلاح. وإذا كانت الدعوات قائمة لتحريم انتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل, النووية والكيماوية والجرثومية والبيولوجية, فإن توازن وجود هذه الأنواع في أكثر من بلد يجعل التفكير باستخدامها أقرب إلى الاستحالة, على عكس استخدام سلاح الألغام, وبهذه الصورة التي تنطوي على الكثير من اللاشعور وعدم المسئولية الانسانية, وعلى الجبن, ومن هنا كانت الدعوات تزداد يوما بعد آخر لايجاد حلول ناجعة لهذه المشكلة, غير التحريم الشكلي, خاصة وان مهمة نزع الألغام بعد وقف اطلاق النار, أو بعد انسحاب الجيوش المتطاحنة على أرض المعركة, عملية صعبة وخطرة ودقيقة, وتتطلب عددا كبيرا من الرجال المتخصصين والأجهزة الكاشفة, وتقصي مواقع الألغام وحقولها لعدم وجود خرائط دقيقة. وفي هذا المجال اتهم كثيرون الأميرة ديانا, أميرة ويلز الراحلة, التي تطوعت في مجال محاربة زرع الألغام الفردية, بأنها كانت استعراضية في هذا المجال, لتكسب المزيد من الشهرة والنجومية, إلا ان الواقع ينفي هذا, بل ويؤكد ان تجربة هذه الأميرة في هذا المجال ـ على تواضعها ـ كانت مفيدة خاصة وانها كانت جادة في دعوتها, وسارت في حقول الألغام معرضة نفسها للخطر, لتدعو العالم إلى تحريم هذا السلاح الرهيب الذي يفتك بالأبرياء, مترصدا لهم لسنوات بعد انتهاء الحروب. والمعروف ان هذه الأميرة, وبعيدا عن قصص خصوصياتها التي شغلت العالم في حياتها ومماتها, كانت تسعى لتأكيد حضورها الانساني من خلال الخدمة الطوعية في مجال الخدمات العامة على الرغم من المشاكل العائلية والزوجية التي كانت تعاني منها. فقد اتجهت إلى الأعمال والجمعيات الخيرية, وإلى الاهتمام بمرضى القلب, وإلى نشاطات وفعاليات أخرى مختلفة, وقد وقعت في يدها مجلة تتحدث عن خطر زرع الألغام الأرضية في العالم فإذا بهذا المقال يجعلها تنتقل بنشاطها الاجتماعي العام نقلة نوعية, وتحولت إلى امرأة دؤوب في مجال مكافحة الألغام ضد الأفراد, وكان هذا القرار خاصا بها بعد ان أدركت مدى خطورة هذه الألغام على حياة الأبرياء. تحريم قانوني واستطاعت هذه الأميرة ان تحول انظار العالم من خلال شخصيتها وحضورها وجولاتها نحو تحريم الألغام الأرضية, وتمكنت من انتزاع قوانين تحرم استخدامها ليس في بريطانيا فقط, وانما في العالم كله. وعلى الرغم من ان الظروف المربكة التي عاشتها لم تتح لها القيام إلا بزيارتين إلى الخارج, واحدة إلى انجولا والثانية إلى البوسنة, فإن حضورها كان كافيا لقلب محور التفكير العالمي, ولو بدرجات قليلة, كان لها التأثير الدائم والمتواصل في هذا المجال. يقول جورج قرداحي الذي تابع نشاط الأميرة ديانا في هذا المجال انها أرادت ان تتوجه إلى منطقة قتال بأسرع فرصة ممكنة, لكن الترتيبات استغرقت وقتا أطول مما توقعت, وبدت أحيانا محبطة وفاقدة العزيمة. كانت مصممة على ان تقوم بحملة واسعة على الألغام الأرضية في مناطق عدة, ساخنة, أرادت أولا ان تذهب إلى كمبوديا التي تضم أضخم كثافة من الألغام الأرضية المزروعة, لكن هذه الفكرة خنقت في المهد من قبل الذين حولها, خوفا من ان تتعرض للخطف أو الاعتداء, فتحولت الخطة باتجاه انجول التي زارتها في فبراير من عام 1997, ثم إلى البوسنة, بعد أشهر قليلة, وفي المناسبتين كان يرافقها اللورد ديدس الذي كان يحرر في الـ (ديلي تلجراف) وقد حذروه من ان الأميرة هي مثل (مدفع متقلقل) ولكنه أشاد بثباتها ورصانتها وشجاعتها بعد العودة. والمعروف ان محاولات فردية كثيرة من هذا النوع كانت بنظر المجتمع غير مجدية لأنها محدودة الأثر, ومن هنا تناولت الصحف رحلاتها بآراء مختلفة, فقد رأى البعض انه لا فائدة ترجى من وراء تلك المحاولات الفردية, بينما أعلن البعض الآخر اعجابه باصرارها على جعل العالم يرى بشاعة ما ترتكبه الأيدي القذرة فقد قابلت المصابين من ضحايا الألعام الأرضية وتحدثت إليهم بكثير من المواساة. هذه التجربة المتفردة حولت الأميرة ديانا إلى امرأة جديدة ومختلفة, غير تلك التي تهتم بالأزياء والمساحيق وفضائح الحب والصراعات الملكية. ويقول جورج قرداحي انها, أثناء وجودها في أنجولا, وضعت على وجهها القناع الخاص المصنوع من الألياف الزجاجية وثبتت الدرع الواقعية على صدرها, وراحت تجوب الحقول بين احتمالات الخطر التي قد تتعدى كل التحفظات, فإن لغما منسيا قد لا يراعي قدم أميرة ويلز, أو يميزها عن قدم راع يقود القطيع, أو فلاح مسكين يعمل في الحقل. وعندما عادت من البوسنة كانت امرأة مختلفة تماما, كانت ممتلئة بالتصميم على العودة إلى مناطق قتال أخرى, بعد ان اعتبرت تجربتها الأولى ناجحة لأنها أدت إلى نتائج ايجابية. وعندما قررت السفر إلى انجولا اصطحبت معها فستانا واحدا فقط, وهي التي تمتلك في خزائنها ثلاثة آلاف ثوب, وبدأت تتحدث بنبرة قوية وثقة كبيرة بالنفس, وتنادي بالعمل لانقاذ البشر من هذه الجريمة المتخفية تحت أقدامهم, خاصة بعد ان زارت اعدادا كبيرة من المصابين والمعاقين وتحدثت إليهم. وهكذا فإن عملها نبه العالم إلى أهمية مثل هذه المهمة النبيلة والانسانية, بدليل ان كثيرات من الشخصيات النسائية العامة ومنهن اميرات وملكات بدأن يعلن عن التوجه إلى أداء هذه المهمة الانسانية من خلال عزمنها على محاربة الألغام الفردية التي تُعرّف بأنها ضد الأفراد. الغام البحار والمحيطات وعلى الرغم من ان الألغام تعتبر من الأسلحة البسيطة وغير المعقدة, إلا انها لعبت دورا مهما في حسم بعض المعارك المهمة في الحرب العالمية الثانية, وخاصة المعارك البحرية في كل من المحيطين الأطلسي والهادي, إذ تسابق الألمان والحلفاء إلى انتاج وتطوير انواع متعددة من الألغام وخاصة الألغام البحرية التي كانت تستخدم ضد الغواصات والبوارج وبقية أنواع السفن الحربية الأخرى, بحيث شاهدنا على شاشة التلفزيون والسينما أفلاما وثائقية مصورة لقلاع بحرية عائمة يدمرها لغم مزروع في مياه المحيط ويغرقها في لحظات. وفي المجال نفسه طور أصحاب الاختراعات العسكرية الألغام البرية وخاصة تلك التي تزرع بسهولة في الأرض, وبقليل من التمويه يصبح من الصعوبة بمكان اكتشاف وجودها, وهكذا أودت بحياة أعداد هائلة من الجنود ومن المدنيين أثناء الحرب وبعدها. صحيح ان العلم اخترع آلات يمكنها ان تكشف موقع اللغم, ولكن الفائدة من هذه الآلات تبقى محدودة عندما تستخدم في البحث عن الألغام قبل محاولة انتزاعها وإبطال مفعولها, وحتى في هذه الحالة قد يؤدي خطأ صغير إلى انفجار غير متوقع يودي بحياة حتى المتخصص في نزع الألغام. وإذا كان ألفريد نوبل مخترع البارود المتفجر قد أحس بفداحة وخطر اختراعه فحاول ان (يُكفِّر) عن ذلك بتأسيس جائزة نوبل للآداب والعلوم والسلام, فإن أصحاب القرار في العالم لا يزالون يستخدمون سلاح الألغام الذي هو من نتائج ذلك الاختراع استخداما غير مسئول. وقد يكون الجندي الذي زرع لغما في أرض معركة العلمين لا يزال على قيد الحياة, يجلس متقاعدا في بيته, في بريطانيا أو ألمانيا, يدخن الغليون ويشرب البيرة, وهو يقضي شيخوخة هادئة, دون ان يعرف ان جريمته تلك, جريمة زرعه ذلك اللغم في أرض العلمين قد أودت بحياة حميد بنلعبيد, الراعي الليبي الذي خرج بقطيعه في الصباح, ولم يعد إلى زوجته وأولاده الأربعة بعد ذلك أبداً. بقلم : جان الكسان كاتبة سورية