تعتبر الألغام - بأنواعها المختلفة - مثل الجنود الذين لايحملون أسلحة ظاهرة في أيديهم, لكنهم لايخطئون هدفهم قط.. بل يصيبون ضحاياهم دون تمييز, ويستمرون في ذلك الى ما بعد انتهاء القتال بوقت طويل. وفي لقائه مع (الملف السياسي) يصف محمد بسيوني المدير العام لمركز مكافحة الألغام في مصر الألغام بأنها (أكبر منتهك للقانون الدولي الانساني, حيث أنها تمارس الارهاب دون تمييز) .. ويضيف (إن المشكلة الرئيسية في الألغام, ذلك, وفي عدم معالجة الآثار الانسانية المترتبة على أضراراها. خاصة بعد انتهاء الحرب أو القتال) وفيما يلي نص الحوار.. * وفي البداية ما هو حجم وأبعاد المشكلة على المستويين الدولي والعربي؟ - تؤكد آخر الاحصاءات أن نحو 112 مليون لغم تنتشر في أرجاء العالم وأن شخصا واحدا يصاب أو يقتل كل عشرين ثانية في مكان ما في العالم بسبب لغم أرضي.. وأن معظم ضحايا الألغام الأرضية من المدنيين الأبرياء وليسوا من الجنود أو المقاتلين.. وتحتاج الرعاية الطبية والتأهيل للمصابين بألغام في الوقت الراهن الى حوالي 750 مليون دولار, كما تحتاج تكلفة ازالة الألغام عالميا الى 33 مليار دولار, والى حوالي 100 عام لازالتها.. وإذا نظرنا الى الدول العربية التي بها ألغام مضادة للأفراد لو نجد أن الأرقام مرعبة وتستحق وقفة.. حتى أن الدول العربية التي كان يعتقد أنها نظيفة من الألغام لم تعد كذلك, فقد كان معروفا أن منطقة الجزيرة العربية خالية من الألغام, وأن أكبر نسبة فيها كانت تتركز في اليمن.. ولكن منذ التسعينيات سنجد أن الأمر لم يعد قاصرا عليها فقط, فما بين السعودية وقطر ألغام مضادة للأفراد, وأن الكويت انفقت حتى الآن ما يقرب من 800 مليون دولار لازالة ما يقرب من 7 ملايين لغم.. وبالطبع هناك الغام بين السعودية والعراق.. أيضا كان يعتقد أن الجزائر من الدول العربية النظيفة من الألغام, لكن هذا الاعتقاد ليس صحيحا, ففي لقاء مع أحد المسئولين العسكريين الجزائرين أكد أن الجزائر بها ما يقرب من 200 ألف لغم أرضي, كان الاستعمار الفرنسي زرعها لمواجهة ثوار حرب التحرير قبل الاستقلال.. أما الدول العربية التي من المعروف أن بها الغاما فسوف نجد موريتانيا, والمغرب خاصة في منطقة الصحراء المغربية التي تتنازع عليها مع جبهة البوليساريو, وتونس, وليبيا حيث قضت الألغام على حياة 4 آلاف مواطن ليبي, وحرمت شعبها من استغلال 27% من الأراضي الزراعية, وفي الصومال ما يقرب من 2 مليون لغم, وفي السودان وفي فلسطين, والجولان السورية, وفي العراق, وكلها دول ترتفع أعدادها في كل واحدة منها عن مليون لغم أرضي, واجمالا سنجد أن الوطن العربي كله فيه مايزيد على 68 مليون لغم أرضي من الـ 112 مليون لغم في العالم.. وأعلى نسبة في دولة عربية هي في مصر, حيث يوجد 23 مليون لغم ترجع النسبة الكبيرة منها الى الحرب العالمية الثانية, ففي منطقة العلمين وحدها 17 مليون لغم أرضي, اضافة الى مناطق أخرى شاسعة تزيد مساحتها على مليون هكتار من الأراضي الملغومة, ونتيجة لذلك فقدت مصر ما يقرب من 685699 فدانا من الأراضي القابلة للزراعة وهي تمثل 10% من الأراضي المزروعة حاليا.. وقد بلغ اجمالي ضحايا الألغام الأرضية خلال العشرين عاما الماضية حوالي 3200 قتيل و 4723 معاقا - حسب التقديرات غير الموثقة - وقد انفجرت الألغام في 93% منها مصادفة. * وكيف تحرك العالم أمام هذه الأخطار؟ - كان هناك نوعان من التحرك, الأول على مستوى الحكومات والمنظمات الدولية.. والثاني على مستوى المنظمات غير الحكومية وهو تحرك حديث العهد خاصة في المنطقة العربية.. ففي المستوى الدولي كانت اتفاقية الأسلحة التقليدية عام 1980 قد تضمنت بروتوكولا للألغام الأرضية, إلا أنه لم ينص صراحة على تحريمها, وإنما نص على سلسلة من القواعد المعقدة حول استعمال هذه الألغام, وقد تمت عملية المراجعة لهذا البروتوكول والتي استمرت عامين ونصفا اثناء اجتماعات الأمم المتحدة في فينا وجنيف.. وفي أكتوبر 1996 اقيم مؤتمر تحضيري من الحكومة الكندية شاركت فيه 50 دولة مؤيدة لتحريم هذه الألغام, و 24 دولة بصفة مراقب من بينها مصر والمغرب , وفي هذا الاجتماع شاركت العشرات من المنظمات غير الحكومية لأول مرة.. وقد نتج عن هذا المؤتمر أن وافقت الدول المشاركة فيه على التعهد بالتوصل في أقرب فرصة ممكنة الى حل يأخذ شكل اتفاقية ملزمة قانونا في تحريم شامل للألغام الأرضية المصممة ضد الأفراد.. وفي 10 ديسمبر 1996 اتخذت الهيئة العامة للأمم المتحدة القرار رقم 51/54 الذي حث كافة الدول على العمل بجدية من أجل التوصل الى اتفاقية لتحريم الألغام, واتخذ القرار بأغلبية 156 دولة وامتناع عشر دول عن التصويت.. وفي 4 ديسمبر 1997 وقعت 112 دولة على اتفاقية تحريم الألغام في أوتاوا بكندا وضمت من الدول العربية كلا من الجزائر وقطر وتونس واليمن والبحرين فيما امتنعت باقي الدول العربية عن التوقيع, وقد فرضت هذه الاتفاقية على الدول الموقعة التعهد بأن لا تقوم تحت أي ظروف باستعمال الألغام المضادة للأفراد أو باستخدام الألغام أو انتاجها أو حيازتها أو تخزينها أو الاحتفاظ بها أو نقلها الى أي طرف آخر بصورة مباشرة أو غير مباشرة, وكذلك حثت الاتفاقية الدول الأطراف على مساعدة أي دولة أو تشجيعها على ممارسة أي عمل أو نشاط محظور في هذا المجال.. وقد اعتبرت هذه الاتفاقية الأساس لمنع انتشار هذه الظاهرة, ولكن ظهرت معوقات أمام الوصول الى ذلك ومنها تغليب المصالح الذاتية على المصالح الدولية العامة حيث أن أكثر من 50 دولة صناعية تقوم بانتاج حوالي مليون لغم سنويا, وهي تريد تسويقها عالميا - وبالطبع الى دول العالم الثالث - للرفع من ميزانيتها الحكومية, وتحقيق الانعاش لصناعة الأسلحة لديها دون النظر الى الاعتبارات البشرية التي تتضرر من استخدام هذه الألغام, أيضا حجج الدول الكبرى فيما يتعلق بعدم تأييدها لحظر انتاج واستخدام وتجارة الألغام لاتخص إلا ظروفها الفردية, فالرفض الأمريكي مثلا تعلل بحماية الجنود الأمريكيين في كوريا الجنوبية من أية اعتداءات عليهم من كوريا الشمالية, كما تعلل بأن الصين لم توقع على هذه الاتفاقية, أيضا مصر تعللت بأن اسرائيل لم توقع, كما أن أغلب الدول التي لم توقع تعللت بتفضيل العمل تحت مظلة مؤتمر جنيف من ناحية, والخوف من تهريب المخدرات والأسلحة عبر حدودها من ناحية ثانية.. ومما سبق يتضح أنه ما زالت المصالح الفردية تتغلب على الآثار التدميرية والسيئة للألغام, وذلك يرجع الى أن الدول المتقدمة ليست في أراضيها ألغام مزروعة, حيث تخلصت الدول الأوروبية فعلا من ألغامها, وعلى الجانب الآخر من المسرح توجد الدول الفقيرة التي تستورد 90% من الألغام المنتجة في العالم فيما يهدد حوالي 80% من الألغام داخل أراضيها. * ولكن هل اقتصر التحرك الدولي على جانب المنع وعدم الانتشار فقط؟ - بالطبع لا, ففي اتفاقية أوتاوا طالبت بمساعدة الدول التي لاتملك امكانيات تقنية أو بشرية مدربة لازالة الألغام, وهذا ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية مع الأشقاء في اليمن, وذلك رغم أن أمريكا رفضت التوقيع على هذه الاتفاقية, ولكنها تملك جهازا متكاملا للمساعدة في هذا الاطار , أيضا طالبت الاتفاقية سائر البلدان القادرة على تقديم العون وبذل كل ما في وسعها لتأمين الرعاية الصحية لضحايا الألغام, واعادة تأهيلهم واندماجهم في المجتمع. * ورغم ذلك مازال هذا الجانب قاصرا.. فما هي أسباب هذا القصور؟ - نعم, هناك قصور دولي في التعامل مع هذا الجانب, وأول هذه الأسباب هو التعامل التاريخي مع المشكلة, ففي المعاهدات السابقة سنجد أنها تتعامل فقط مع مشكلة الألغام المزروعة حديثا وليست تلك التي زرعت أيام الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال, ففي مهمة تقصي الحقائق للأمم المتحدة التي زارت مصر في شهر مارس الماضي قالت (جودي وليامز) , التي تقود الحملة الدولية لمقاومة الألغام عند سؤالها عن الألغام التي زرعت أيام الحرب العالمية الثانية (لن نتحدث عن الماضي) وبالتالي لن يتحدث المجتمع الدولي عن الضحايا الذين يسقطون يوميا نتيجة هذه الألغام, وأؤكد أن الدول التي زرعت تلك الألغام لاتريد أن تعترف بمسئوليتها التاريخية عن هذا الجرم لأنها ببساطة لاتريد أن تفتح على نفسها أبواب التعويضات للمتضررين, حتى أنه في أحد اللقاءات مع المسئولين الألمان, قال أحدهم ردا على سؤال في هذا الخصوص (أنت تريد أن تفتح علينا أبواب جهنم, ونحن لم نتخلص بعد من تعويضات اليهود (, كما أن السفارة الألمانية بالقاهرة أرسلت الى المركز رسالة شديدة اللهجة تطالبنا فيها بالكف عن ترديد مقولة التعويضات للضحايا, وقالت أنها أرسلت أجهزة متطورة لازالة الألغام للحكومة المصرية وعددها 120 جهازا ثمن الواحد منها ما بين 10 الى 15 ألف دولار, وهذا يكفي.. أيضا تختلف وجهات النظر في التعامل مع قضية الألغام في مصر حيث نجد أن البعض يركز على البعد العسكري وآخرين يقدمون الهدف التنموي والاتجاه الثالث يصر على التعامل مع القضية باعتبارها قضية انسانية دولية تتفاعل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية. * والمركز من أنصار أي من هذه الاتجاهات؟ - هذا المركز تأسس في 3 ديسمبر 1997 , وهو أول مركز لمكافحة الألغام على مستوى مصر والشرق الأوسط, وهو من أنصار الاتجاه الثالث, حيث أن أهدافه تتلخص في الرصد الجغرافي الدقيق لمواقع الألغام وتحديد الأرض المصابة بالألغام بحواجز واشارات تحذيرية تحدد الاتجاهات الآمنة للمواطنين, وأيضا رصد الاعداد الحقيقية لضحايا الألغام (قتلى - مصابون) وتصنيفهم حسب اصابتهم واحتياجاتهم الملحة, وثالثا, تقديم الخدمات القانونية والصحية لضحايا الألغام وتأهيل المعاقين للاندماج مع باقي أفراد المجتمع, ورابعا, التوعية بخطر الألغام, أما الهدف الخامس والأخير فهو تطهير المناطق المصابة بالألغام الأرضية عبر الاستفادة من الجهود الدولية والرسمية والشعبية المحلية.. فمن اللازم أن يدرك القائمون بالعمل المتعلق بازالة الألغام احتياجات ضحايا هذا القاتل المحترف, والمشكلة أنه حتى الآن لاتوجد آلية أو موارد مالية لمعالجة المسألة الانسانية, وأن شحة الموارد المالية اللازمة ونقص البنى الأساسية أدت الى تأخير مساعدة هؤلاء الضحايا.. وبالطبع كان مركز الألغام المصري قد تعرض الى هذه الأزمة المالية التي تكاد أن تجمد نشاطه. * وهل كان هذا المركز قاصرا على نشاطه في حدود مصر دون غيرها من الدول العربية؟ - في ديسمبر 98 أي بعد تأسيس المركز بعام واحد قمنا بتوقيع بروتوكول أساسي مع 13 منظمة عربية غير حكومية لتأسيس (الشبكة العربية لمكافحة الألغام) وكانت هذه المنظمات التي اجتمعت في باريس من عشر دول عربية اضافة الى مصر وهي معنية بتنفيذ القانون الانساني الذي تأسس عام 47 بعد الحرب العالمية الثانية والذي تأسس عليه قانون حقوق الانسان في عام 1948.. ولكن عدم وجود التمويل كان عائقا أيضا أمام نشاط وفاعلية هذه الشبكة.. والقانون الدولي الانساني المشار اليه يفرض على الدول المتحاربة مسئولية ازالة مخلفات الحروب وضمان سلامة وحماية الموارد الطبيعية والمدنيين من السكان, وهذا القانون الدولي في حالة إعماله يضع الدول المسئولة أمام مسئوليتها عن هذه القضية الخطيرة التي تهدد أمن وسلامة الوطن والمواطنين. وبالتالي فإن دور المنظمات غير الحكومية مطلوب بشكل كبير حيث يمكن لها أن تمارس ضغوطا اضافية على الدول المسئولة عن زراعة الألغام لازالتها وتعويض ضحاياها باعتبارها المتسببة في ذلك, وهذا الدور غير الحكومي لاينبغي أن ينظر اليه على أنه متعارض مع الدور الرسمي للدولة فهو مكمل له ومتكامل معه خاصة أن العالم الآن أصبح يعطي اهتماما متزايدا لحركات ومنظمات العمل الأهلي وقدراتها في التأثير على الرأي العام العالمي.. والمركز هو انطلاقة غير رسمية لمواجهة الخطر الجاثم فوق الأراضي المصرية وهو يسعى الى تحقيق الأمان وحماية حق الحياة والمستقبل. مكتب البيان ـ القاهرة حوار: أحمد مراد