تحول مؤتمر المغتربين والمتحدرين من أصل لبناني والذي اقيم في فندق (فينيسيا) في بيروت الى (هايد بارك) لـ (فشة الخلق) من قبل المشاركين ضد دولة وطنهم الأم التي تدعوهم للعمل والاستثمار فيه فيما تضع امامهم مؤسساتها العامة كافة صعوبات الروتين وعقبات الخلل والشلل في الاداء. شارك فيه حوالي 600 مغترب من مختلف أنحاء العالم. وطنكم بحاجة إليكم كان الخطاب الرسمي الموجه الى المشاركين واضحا ضمن الذي اريد للمؤتمر ان يؤديه, يدعوهم رئيس الحكومة سليم الحص بصفتهم (السواعد المشتاقة للعطاء) الى النهوض بلبنان فتعمل على تحويل الوعر سهلا, والصخر ترابا وتنبت الخير والثروة في الارض المجدبة كما كان شأنها في كل زمان وحين. انها بحاجة الى مؤسسات لتحقق فيها الانجازات. انها بحاجة الى مشروعات صناعية وزراعية وتجارية لتعمل فيها عقلها الخلاق وزندها الذي لا يكل. وكما كان حال لبنان قبل الاحتلال سيعود وفي وقت قصير الى سابق عهده من الازدهار والبحبوحة والحيوية الاقتصادية. ويطمئنهم د. الحص انه خلال السنوات الأخيرة حصلت ايجابيات ودلالات كثيرة, يقول: لقذ تزاحمت على لبنان في الفترة الأخيرة وقبيل ايام التحرير حشود الاقتصاديين في العالم ولا سيما الاقتصاديين العرب فعقدت في بيروت المؤتمرات الاقتصادية الحاشدة, يتبادلون فيها الرأي في افضل الطرق وأنجعها لتوظيف رساميلهم في مشروعات لبنانية متنوعة وصدرت المقررات المتفائلة على الدوام. غرفة التجارة والصناعة ويشارك القطاع الخاص في تدعيم النداء الرسمي الى القيام بالواجب الوطني تجاه النهوض بالوطن الأم, فيتوجه رئيس غرفة التجارة والصناعة في بيروت, رئيس اتحاد الغرف الدولية عدنان القصار الى المشاركين في المؤتمر قائلا: (لابد من تنظيم برامجكم, ولابد من التعاون بينكم وبين رجال الاعمال المقيمين هنا, كما لابد من الانفتاح على رجال الاعمال العرب والعالميين حتى نجسد امانينا, كيف يكون بلدنا جسر التعاون بين الشرق والغرب, والواصل بين القارات الثلاث أوروبا وآسيا وافريقيا. اننى أعلن للجميع: لقد اصبح في لبنان اليوم فرص اكبر للاعمار والاستثمار وبلدنا حريص على الاقتصاد الحر, على صون المبادرة الحرة, والدولة تتجه بخطى واثقة لبناء التكامل النوعي بين القطاعين العام والخاص. وينهي القصار كلامه بالقول: ان مقياس الوطنية اليوم هو العمل الى جانب الدولة على اعمار الوطن وعلى بناء المستقبل الرائد للشباب والاجيال الطالعة, لقد باتت الدولة مطلب الجميع, والجميع يعرف ويعترف ألا احد محل الدولة, فلتقدم الدولة حتى يتقدم المجتمع والوطن, لكي ننهض لابد من اعتماد العلم ومواكبة ارقى التقنيات, لابد من اعتماد التضامن ورؤية المستقبل كما يجب ان يكون, لابد من اعتماد المبادرة بواقعية وفاعلية. اسمع كلامك يعجبني لكن المغتربين كانوا اكثر واقعية من الداعين اياهم الى لبنان, الى المؤتمر, والى الاستثمار في بلدهم. فالخطاب الرسمي لم يقل لهم: اتركوا عالم الاغتراب وعودوا الى وطنكم, بل دعاهم بصورة غير مباشرة الى البقاء حيث هم, لكن مع تشغيل اموالهم واستثماراتهم في مشاريع يضعها القطاعان العام والخاص في لبنان. هذه المفارقة الاولى التي اثارت استغراب المؤتمرين. لكن بعضهم سجل لـ (البيان) مفارقات اخرى موجهين ذلك الى المسئولين على طريقة: (نسمع كلامكم نفرح نرى افعالكم نتعجب) . يقول طلاب ناصر الدين, مستشار رئيس ليبيريا شارلز تيلر: انا أؤيد تقديم 100 ألف دولار, ولكن شرط الا تكون ضريبة علينا, الطريقة التي طرحت بها هذه الفكرة كانت قاسية نوع ما, كأنهم يقولون لنا (انتم حققتم اموالا في الخارج, يجب ان تدفعوا في المقابل) . ولكن نحن نريد ان نساعد من دون ان يقال كيف, الاصل احد المغتربين. ولكن المغتربين الذين شاركوا في المؤتمر كانوا يتطلعون الى امور ابعد مما طرح, فرجل الاعمال الذي ترك اشغاله لم يأت ليستمع فقط, وانما يجب على المسئولين ايضا ان يستمعوا, ليدركوا قدرات هذا المغترب, ولأنه قادر على ان يقدم افكارا تساعد في انماء العلاقة بين المغترب ووطنه, بطريقة افضل لكونه مغتربا. ما يؤخر قدوم المغتربين للاستثمار في لبنان تجربة للآخرين. فمثلا خلال المؤتمر كان المقيمون على القطاع الصناعي يشجعون المغتربين على القدوم للاستثمار في هذه المجال. وعلى المنبر نفسه كان هناك صديق لي, اخبرني منذ شهرين انه يفكر بإقفال مصنعه والذهاب الى دبي. والسبب هو المتطلبات الكثيرة على الصناعة في لبنان, وطريقة النظر الى هذا القطاع من حيث فرض الضرائب, وعرقلة البضائع على الجمارك, وغيرها من التفاصيل التي قد تكون بسيطة, ولكنها تعني الكثير للمستثمر والمستهلك في آن. فالمستثمر الموجود في لبنان يواجه صعوبات فكيف سيكون الأمر للمغترب؟ لا للرافعات الصينية من سلطنة عمان جاء فؤاد حمادة المغترب منذ اكثر من 23 سنة وسجل ملاحظات مختلفة عن مشاريع استثمارية قام بها أو حاول القيام بها في لبنان فاصطدم بعدة عقبات ويأمل اليوم ان تزول بناء على جهود الدولة والمشاركين في المؤتمر. يقول حمادة: (في العام 1995, تشجعت على المجيء الى لبنان واستلمت وكالات شركات اجنبية لم اوفق في استثمارها في لبنان لعدة اسباب. وأذكر احد المشاريع وهو طلب رافعات لاستخدامها في مرفأ بيروت, وكنت امثل شركة صينية من اقوى الشركات الصانعة للرافعات في العالم, وعرضنا لمواصفات الرافعات وحازت على فعالية التأهيل, كما طلب منا قبل المناقصة, انتظرت ان يرسلوا بطلبنا للمشاركة في المناقصة القانونية الا انني فوجئت بعدم تبليغي بالموعد للمشاركة والسبب حسبما اظهرت شروط المناقصة انه على الرافعات ان تكون من منشأ امريكي أو أوروبي. لم أجد في هذا الشرط اي منطق ولست ادري خلفية هذا الشرط, وهذا من احد الاسباب التي دفعتني الى التراجع وعدم الاستثمار في لبنان بعدها. مركز للمستثمر ويقترح رئيس الجالية اللبنانية في السعودية, نائب رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في آسيا والدول العربية سمير كريدية (مقيم في السعودية منذ 26 عاما), حلا على شكل اقتراح, بعد ان يعرض لنماذج من الصعوبات الاستثمارية في لبنان, فيقول: (ان المستثمر المغترب يجد صعوبة كبيرة في الاستثمار في لبنان من ناحية الحصول على الرخصة, وغيرها من الانظمة, وعلى الدولة ان تنتبه للامر وتنظر كيف تسهل باقي الدول عمل المستثمر. من هنا اطلب من الدولة ان تؤسس مركزا واحدا للمستثمر يؤمن له التسهيلات اللازمة ولعله سيكون لمؤسسة تشجيع الاستثمار في لبنان (ايدال) ان تلعب دورها في هذا الاطار. ويعتبر كريدية ان رجال الاعمال والمستثمرين الخليجيين مهتمون بشكل عام بالاستثمار في لبنان, وبالتالي يجب الاستفادة من هذا الاهتمام الحالي عبر تسويق لبنان جيدا والتعريف بالفرص المتاحة والقيام بكل ما يلزم تسهيل عمل المستثمر وتبسيط الاجراءات والمعاملات امامه. الخارج عالم أسهل الجالية اللبنانية في ألمانيا من اكبر الجاليات المنتشرة في البلدان الاوروبية, وعنها تحدث نائب رئيسها احمد خير الدين (صاحب شركة تجارية تتعاطى التصنيع النفطي) فقال: (مشاركتنا في هذا المؤتمر هي لكي نرى مدى استعداد الدولة اللبنانية لمساندة تسهيل الطريق امام الاستثمارات الاغترابية الراغبة بالعودة الى لبنان خصوصا بعد عملية التحرير وبدء عملية الاستنهاض الوطني العام) . أما المناخ الاستثماري في لبنان, فهو بنظر خير الدين (لا يزال في مرحلة يصعب فيها الجزم بالنسبة لمستقبله, والأمر متوقف على ما ستفعله الدولة, لأن الشكوى من قضايا الروتين الاداري والبيروقراطية أمر مشترك يجمع بين معظم رجال الاعمال المغتربين هو غالبا ما ينفر المستثمر الراغب بتوظيف امواله في لبنان. ويلفت خيرالدين الى امر مهم وهو (العقلية التي يتعاطى بها المغترب اللبناني مع الوضع القائم في البلد, تلك العقلية التي اعتادت على التسهيلات في الخارج ومن شأنها اذا اصطدمت بالمماطلة والتسويف المعتاد في الادارات اللبنانية ان يؤدي ذلك الى هروب رأس المال الاغترابي وبالتالي يؤثر سلبا على الحركة الاقتصادية. التوصيات اعتبرت التوصيات الختامية للمؤتمر انه جسد التواصل والتفاعل الحقيقي بين لبنان المقيم ولبنان المغترب (فكان حدثا اغترابيا واقتصاديا مهما سيترك مفاعيل ايجابية في اوساط المغتربين تحفزهم على تنفيذ المزيد من المشروعات الاستثمارية في لبنان) . ودعت الى تحقيق الآتي: * تفعيل عملية الاصلاح الاداري وانجازه وبصورة عملية لتحديث المعاملات وتبسيطها, وتفعيل ادارات الدولة لازالة الحواجز التي تعوق عمل المستثمرين, وضرورة اصدار قانون خاص بالاستثمار لتكتمل خطوة تكليف المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات وتسهيل معاملات المستثمرين. * تفعيل دور البعثات الدبلوماسية في الخارج, وايفاد ملحقين تجاريين, والعمل على انشاء شبكة معلومات بين لبنان والسفارات اللبنانية في الخارج لتزويد المغتربين بمعلومات اقتصادية واجتماعية وسياحية وثقافية عن لبنان, والاستعداد للمساهمة في عملية تمويل هذه الشبكة. * اصدار سندات خزينة من الدولة اللبنانية مخصصة للمغتربين بفوائد رمزية او بدونها ولفترات متفاوتة على ان يخصص ريع هذه السندات للمساهمة في ايفاء الدين العام وقيام مشروعات انمائية في المناطق اللبنانية كافة. * الاهتمام بتصدير الانتاج اللبناني الى دول الاغتراب, واعتبار المغتربين ركيزة اساسية في عملية التسويق وتنظيم المعارض للتعريف بهذا الانتاج وترويجه. * انشاء شركة مختلطة بين القطاعين العام والخاص, يشارك فيها المغتربون على نحو فاعل, وتساهم في مشروعات حيوية للبنان. * التمني على الحكومة, عند توقيعا اتفاقات تجارية او تبادل ضريبي مع الدول التي يوجد فيها جاليات لبنانية, الاخذ في الاعتبار مصالح المغتربين كي لا ينعكس الامر سلبا عليهم. * ابلاغ المغتربين بالمناقصات التي تصدر عن الوزارات والمؤسسات الرسمية عبر البعثات الدبلوماسية ومن خلال نشرها في وسائل الاعلام الاغترابية ليتمكن المغتربون من الاطلاع والمشاركة فيها. * تبني دعوة رئيس الوزراء تحويل المؤتمر مؤسسة تجتمع سنويا في لبنان, بالتنسيق ما بين وزارة المغتربين والهيئات الاقتصادية والاغترابية.