يعيش كريج فنتر عالم الوراثة الامريكي المتميز وفقا للشعار الذي ترفعه شركته سيليرا جينوميكس: السرعة مهمة والاكتشافات لا يمكنها الانتظار. هذا بالتحديد ما فعله فنتر عندما حول فك الشفرة الوراثية البشرية من هدف إلى سباق تحول لمعركة ضارية بين علماء متنافسين. تحدد مصير فنتر إبان حرب فيتنام, حيث عمل ممرضا عسكريا في مستشفى ميداني تابع لقوات البحرية. وكانت مهمته هي رعاية آلاف الجنود من الجرحى والمتوفين. وكان من نتيجة ذلك أن قرر فنتر, الذي كان يقضي جل وقته في التسكع على شواطئ جنوب كاليفورنيا وممارسة رياضة التزحلق على الماء, أن يودع هذه الحياة ليصبح طبيبا. ومنحته تجربته في فيتنام شعورا بضرورة سرعة إنجاز المهام لم يفقده إلى الان. وما لبث فنتر أن أظهر تفوقا في كلية الطب, واكتشف بنفسه أن براعته تظهر في أجلى صورها في مجال البحوث. أما أهمية حل الشفرة الجينية فهو ما اكتشفه أثناء عمله بالمعهد القومي الامريكي للصحة, أحدى المؤسسات الطبية التي تتلقى تمويلا حكوميا. وسرعان ما تمكن فنتر, الذي استعان بأحدث الوسائل التكنولوجية في أبحاثه وبالنظم الالية لفك الشفرات, من صنع اسم لنفسه في مجال بحوث المادة الوراثية. غير أنه لم يتمكن, وهو صاحب الشخصية الاستعراضية, من أن يحوز استحسان أقرانه من المحافظين. وكان من أبرز منتقدي فنتر جيمس واطسن الذي اشترك في اكتشاف التركيب الجزيئي للحامض النووي ومؤسس مشروع الخريطة الوراثية البشرية. غير أن فنتر لم يبال كثيرا بما تلقاه أعماله من تشكيك, وما لبث أن غادر المعهد القومي الامريكي للصحة عام 1992 ليؤسس معهدا بحثيا خاصا هو معهد أبحاث المادة الوراثية. وبعد مضي ثلاث سنوات فقط على تأسيس معهده الخاص أثار فنتر اهتماما كبيرا في الاوساط العلمية عندما تمكن من وضع أول خريطة وراثية كاملة لبكتريا انفلونزا الهيموفيلياس المسئولة عن الاصابة بالتهابات الاذن ومرض التهاب السحايا. وفي عام 1998 تحدى فنتر اتحاد مشروع الخريطة الوراثية البشرية (أتش.جي.بي) عندما أسس شركة تجارية تحمل اسم سيليرا حينوميكس, وأقسم أن تكون لشركته تلك السبق في إماطة اللثام عن المادة الوراثية في الانسان. وعلى عكس النهج الذي سلكه اتحاد مشروع الخريطة الوراثية البشرية الذي كان قد بدأ بالفعل في نشر اكتشافاته مجانا عبر الانترنت, قرر فنتر تسجيل حقوق اكتشافاته من الجينات على أن يبيع المعلومات التي يتوصل إليها للشركات الدوائية. وتوترت العلاقات كثيرا بين الجانبين اللذين تبادلا انتقادات شخصية لاذعة. وانتقد علماء مشروع الخريطة الوراثية البشرية أسلوب التسلسل الجيني الذي ينتهجه فنتر ويعتمد على قوى كومبيوتر هائلة قائلين أنه غير دقيق بما فيه الكفاية. لكن فنتر أحدث ارتباكا جديدا لمنافسيه في بداية العام الجاري عندما أعلن توصله للخريطة الوراثية الكاملة لذبابة الفاكهة. وكون فنتر ثريا ومغرورا وواثقا من نفسه بدرجة هائلة, وولعه بحشد كافة الكماليات في حياته, لا يمنع أنه أسهم بقوة في تقدم الابحاث الوراثية. ويبدو الان وكأنه على وشك التصالح مع نقاده من باحثي مشروع الخريطة الوراثية البشرية, غير أنه لم يشرع في ذلك على الارجح إلا عندما قرر أن الوقت بات مناسبا. وقبل أن يتسنى لفنتر تسجيل أي من الجينات التي اكتشفها ليجني الثمار المادية لجهوده عليه أولا أن يشرح للناس وظيفة تلك الجينات, وهو ما يعد مهمة ضخمة تتطلب تكريس كافة الموارد التي تتاح له. د.ب.أ