(ادين بعرشي لله ولشعبي ولجيشي ولك انت) , كانت تلك هي كلمات شاه ايران التي اعرب بها عن امتنانه لكرميت روزفلت في اغسطس 1953 عقب الانقلاب العسكري المدعوم من المخابرات المركزية الامريكية الذي اطاح برئيس وزراء البلاد ذي العقلية المستقلة دكتور محمد مصدق واعاد الشاه الى العرش. خلفية الازمة كانت احتياطيات ايران الهائلة من النفط والتي اصبحت, شأن قناة السويس في مصر في بداية الخمسينيات, محورا للشعور القومي وما ان اصبح دكتور محمد مصدق رئيسا لوزراء ايران في عام 1951 بدعم من حزب تودة الايراني, حتى انتقل الجدل حول هذه الاحتياطيات من الطموح الى العمل المباشر. في عام 1952, امم دكتور محمد مصدق موارد ايران النفطية (المملوكة لبريطانيا بالاساس), وهو تصرف ابعده سريعا عن الامريكيين الذين بادروا الى اعتباره احد اسافين الحرب الباردة التي قد يترتب على تحركها نتائج خطيرة. ومنذ تلك اللحظة رأوا انه يفتح الباب امام الهيمنة السوفييتية على ايران ـ على الرغم من انه في واقع الامر كان معارضا بشدة لمنح الاتحاد السوفييتي امتيازا نفطيا في شمال البلاد, كما كان معارضا للهيمنة في الجنوب من قبل شركة النفط الانجلو ـ ايرانية (الجد الاعلى لشركة برتش بتروليوم). ولكن في ظل هوس الامريكيين بالخطر السوفييتي على مصالحهم العالمية, وفي جو الغموض الذي ساد داخل الاتحاد السوفييتي في اعقاب وفاة ستالين, فإن هذه الحقيقة الواضحة لم تنقذ دكتور محمد مصدق. كما ان الحكومة البريطانية برئاسة ونستون تشرشل, التي شعرت بالحنق على تأميم ممتلكاتها النفطية الهائلة كانت اكثر تلهفا للاطاحة به. وعندما اتصلت المخابرات البريطانية بالمخابرات المركزية الامريكية حول امكانية الاطاحة به, وجدت اذانا صاغية وتم وضع خطة اطلق عليها اسم عملية اجاكس من دون الخوض كثيرا في اخلاقيات القيام باطاحة حكومة شرعية لدولة اجنبية. وكانت تلك العملية سابقة للعديد من العمليات سيئة الصيت التي قامت بها المخابرات المركزية الامريكية. كرميت روزفلت حفيد الرئيس الامريكي ثيودور روزفلت ورئيس شعبة الشرق الاوسط في المخابرات المركزية الامريكية كان الرجل الملائم للمهمة. وقد تم ارسال هذا الرجل, الذي يمتاز بالبرود الشديد الى ايران حيث قابل الشاه يوم الثالث من اغسطس 1953 واخبره بشكل فظ انه سيكون هناك حل عسكري لمشكلة مصدق وذلك بدعم من الجيش الايراني الذي يعتبر ضروريا بلا شك من اجل النجاح. غير ان الشاه تردد في الامر وكان روزفلت هو الذي (ساعد) الافراد البارزين في القوات المسلحة على ادراك اين تصب ولاءاتهم ومساعدتهم على القيام بـ (واجباتهم) . وقد رتب بشكل خاص لقيام قائد الجيش المتنفذ جنرال فضل الله زاهدي بالقاء خطاب للامة عبر المذياع الامر الذي اثبت اهميته لقضية الشاه. وعلى الرغم من كل هذه الاجراءات الاحتياطية فإن نجاح الانقلاب كان في الايام الاولى بعيدا عن اي استنتاج مسبق. فقد كانت هناك اضطرابات واسعة النطاق من جانب الجماهير التي ظلت وفية لمصدق وعلى مدار عدة ايام كان من الصعب الجزم بما اذا كانت تكتيكات روزفلت قد نجحت ام لا. بل ان الشاه نفسه تشكك في النتيجة حتى انه هرب من البلاد في السادس عشر من اغسطس, ولجأ الى بغداد. لكن اموال (السي اي ايه) كانت تنهمر بسخاء على المسئولين والشرطة. وقد تم التخلص من مؤيدي دكتور محمد مصدق بهدوء. ونجح روزفلت تدريجيا باقناع قادة الوحدات العسكرية المترددين بالظهور في الشوارع على رأس وحداتهم, وان يواجهوا بجسارة الجماهير المؤيدة لمصدق. وتم اعتقال مصدق والوزراء والضباط المؤيدين له. وفي التاسع عشر من اغسطس, اي بعد ثلاثة ايام فقط من هربه الى الخارج استطاع الشاه العودة ظافرا الى عاصمته, حيث اعرب فيما بعد عن عميق امتنانه لمنقذه. كان دكتور محمد مصدق محظوظا اكثر من العديد من ضباطه ووزير خارجيته الذين اعدموا. فقد حكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة اعوام. ومع مرور السنين اصبح من الصعب التذكر لماذا اعتبر دكتور مصدق, الرجل القومي العلماني والمعتدل نسبيا (بعبعا) بالنسبة للغرب. فبالنسبة للعديد من الايرانيين اصبح مصدق رمزا يؤكد للجميع ان ايران كان من الممكن ان تكون بدون التدخل الامريكي دولة عصرية تقدمية ولكنها دولة مستقلة عن الغرب. ويوافق بالتأكيد على هذا الرأي شاهبور بختيار الذي كانت رئاسته للوزراء في يناير 1979 فترة ليبرالية قصيرة. غير ان كرميت روزفلت ظل غير نادم على ما فعل في ايران ففي كتابه: (الانقلاب المضاد: الصراع على السلطة في ايران) الذي نشر في عام 1979, اوضح انه لا يشعر بتأنيب الضمير حيال التورط الامريكي او التفاعل السلسلي الذي سببه, وليست لديه اية شكوك حول صحة ما قام به. ومن غير المعروف ما اذا كان رأيه قد تغير باحتجاز الرهائن الامريكيين كرد فعل على منح الولايات المتحدة ملاذا للشاه. ومن الجدير بالذكر ان كرميت او (كيم) روزفلت ولد ببيونس ايرس لأسرة سياسية فهو لم يكن حفيدا ليثودور روزفلت فحسب, وانما كان ابن عم بعيد لرئيس امريكي اخر هو فرانكلين روزفلت. وكان والده يعمل في الاعمال المصرفية والشحن. تلقى كيم روزفلت تعليمه في جامعة هارفارد التي تخرج منها ليعمل مدرسا لفترة قصيرة قبل ان ينضم لمكتب الخدمات الاستراتيجية, سلف وكالة المخابرات المركزية (السي آي ايه) . وقد تخصص في الشرق الاوسط وكان يتنقل بشكل مكثف في المنطقة انطلاقا من قاعدته في واشنطن. في واشنطن التقى بجاسوس مشهور اخر, يدعى (كيم) هو هارولد (كيم) فيلبي في اواخر الاربعينيات وبعد وقت طويل من هروب الاخير الى الاتحاد السوفييتي في عام 1963 وصف شبيهه في الاسم بأنه مستشرق مهذب ولطيف بشكل نموذجي وبأنه (آخر شخص تتوقع ان يكون غارقا حتى رقبته في الخدع القذرة) . وفي عام 1958 ترك روزفلت ( السي آي ايه) وعمل في حينه لست سنوات مستشارا في شركة (جلف اويل) وفيما بعد انهالت عليه الطلبات ليكون مستشارا لشركات امريكية تمارس نشاطا تجاريا في الشرق الاوسط ولحكومات شرق اوسطية في الولايات المتحدة. وقد توفي كرميت روزفلت في الثامن من يونيو الحالي عن عمر يناهز 84 عاما مخلفا وراءه زوجته ماري وثلاثة ابناء. عن (تايمز) ترجمة: ضرار عمير