كيف ربط الموساد سريلانكا عسكريا باسرائيل ، الجاسوسة يولاند هامر تخترق مجتمع القاهرة المخملي وتوقع تقي الدين الصلح في حبائلها تسعى الاستخبارات الإسرائيلية للحصول على معلومات دقيقة تساعدها على وضع خطط تعرضية تهدف إلى تحقيق التجزئة والتفرقة داخل الدول العربية, وشق الصف بين الدول العربية, وذلك بتغذية الأفكار الإقليمية, وتحريض الفئات الانفصالية واستثمار التناقضات المتعددة. وفي مقدمة أهداف أجهزة المخابرات الأجنبية خدمة المصالح الاستراتيجية لدولها, والعمل على إضعاف الدول الأخرى, وإثارة النعرات, ونشر الفرقة بين شعوبها, بهدف التمكن السهل من السيطرة على مقدراتها الاقتصادية والهيمنة عليها سياسيا. ولقد حاولت أجهزة المخابرات الإسرائيلية أن توظف بصورة ذكية الخلافات العرقية بين مجموعات عرقية متباينة تعيش في العالم العربي. فإن إيذاء العرب من خلال عملية التشتيت هو خطوة استراتيجية مهمة. وبذلك تريد تدمير حالة الوحدة إلى حالة من الشتات. مثلا, يصف الصهاينة العرب بأن لديهم شعورا بالكراهية العرقية لا يوجه إلى اليهود فحسب, وإنما هو موجه إلى كل الأقليات العرقية التي تعيش بينهم, كالأكراد ووغيرهم, وأن هذه الأقليات لا تشعر بالأمن. ونحاول هنا أن نتتبع بعض القواعد التي تطبقها إسرائيل في تعاملها مع المجموعات العرقية المختلفة والاتصالات التي تمت مع بعض المجموعات وفق هذه القواعد. ولقد تم تطبيق ذلك في الداخل في العلاقات بين الفلسطينيين, وفي الدول العربية بين المجموعات العرقية, وفي خارج هذا الإطار في العلاقات بين الحكومات والمعارضة. ولقد استغلت المخابرات الإسرائيلية التناقضات في دول كثيرة من العالم من بينها سريلانكا وعملت على اللعب على الحبلين على الحكومة السنهالية والمعارضة التاميلية الشرسة في نفس الوقت. كانت الموساد تعمل دائما وفق مصلحتها ولا تبالي إذا لحق الضرر بالآخرين. فالشعار الدائم هو (عن طريق الخداع. . لقد ربط عملاء الموساد سريلانكا عسكريا بإسرائيل وذلك بإمدادها بمعدات جوهرية, ومن ضمنها قوارب لخفر السواحل, وفي الوقت نفسه تم تزويد ثوار التاميل بمعدات مقاومة لتلك القوارب لاستعمالها في محاربة القوات الحكومية. كما ساعدوا سريلانكا على الاحتيال على البنك الدولي ومستثمرين آخرين بملايين الدولارات لدفع أثمان جميع الأسلحة التي كانوا يشترونها منهم. كما أن الإسرائيليين دربوا قوات مختارة من الطرفين من دون أن يعرف أي منهما بالأمر. فمثلا قام الإسرائيليون بتدريب التاميل في قاعدة الكوماندوس البحرية الإسرائيلية, وعلموهم التقنيات الخاصة بالاختراق وزرع الألغام والاتصالات وكيفية تخريب السفن المماثلة للزوارق. بينما تم تدريب السنهاليين في الوقت نفسه في إسرائيل في مكان آخر. ولقد تم تدريب المجوعتين في قاعدة كفارسركين من دون أن يعرفوا بعضهم البعض. ولقد نقل السنهاليون إلى القاعدة البحرية كي يتعلموا التقنيات التي علمها الإسرائيليون للتاميل. فرق تسد استطاعت الاستخبارات الإسرائيلية منذ مرحلة مبكرة في تاريخ الصهيونية في فلسطين أن تثير الخلافات بين العرب, وتطبق قاعدة (فرق تسد) وتستغل بصورة سيكولوجية بارعة سوء العلاقات الشخصية بين الفلسطينيين أو الإغراء بتراخيص العمل داخل إسرائيل من غير أن تدفع مبالغ كبيرة لهؤلاء الفلسطينيين مقابل المعلومات التي يحصلون عليها منهم. ولقد عينوا مجموعة من المخبرين الفلسطينيين مقابل مبالغ رمزية. كتب دانين: (كان المخبرون يتلقون الثناء منا وقليلا من المال, لأن المكافأة المالية لم تكن السبب الأساسي لعملهم معنا, فقد كان معظمهم مضطهدين بسبب أعمالهم التجارية مع اليهود وخصوصا بيع الأراضي, ولهذا كان لديهم أسباب شخصية قوية من أجل التخلص من مضطهديهم. كانوا جميعا خائفين على حياتهم, وطلبوا اللجوء إلينا في أثناء وقوعهم في الأزمات أو للدفاع عن قراهم وحاولنا استغلال هذه المواقف وبذلنا جهودا للتعرف على العرب الذين يحتاجون إلى مساعدتنا) . ويمكن القول بأن الاسرائيلية كانت تعمل على تأزم العلاقات بين الفلسطينيين من جانب, ومن جانب آخر كانت تعمل على أشاعة جو من حسن الجوار بين العرب وبين المستوطنين الجدد من اليهود. فقد كان دانين نفسه يفضل تبادل الحديث مع فلاح فلسطيني بسيط أكثر من التحدث مع الباشوات الذين يعتمرون الطربوش ويرتدون الزي الرسمي. وكتب قائلا: (كان اهتمامي الأول هو تخفيف الاحتكاك مع العرب, وبغض النظر عما كان يكتب في الصحف العربية وما يقال في خطب المساجد وصالونات السياسيين, فقد كنت أبذل الجهود لتخفيف أضرار المواجهة وتحسن العلاقات بين المستوطنات اليهودية والقرى العربية) . لقد استغلت المخابرات الإسرائيلية تطبيقات علم النفس الاجتماعي في الخلافات بين العرب والمجموعات العرقية الصغيرة التي تعيش في العالم العربي أو المجموعات غير المسلمة من خلال قاعدة (عدو عدوي صديقي) , أو مبدأ (فرق تسد) . في صيف عام 1948 كان شيموني وزملاؤه مهتمين كثيرا بالدروز, وهم طائفة صغيرة وكتومة يعيشون في جبال الجليل وسوريا. لقد كان المسئولون الإسرائيليون يأملون بحشدهم ضد العرب سياسيا وعسكريا, واعتبروا من الأقليات الدينية التي كان يراها بن جوريون ومستشاروه, قبل إنشاء الدولة الإسرائيلية, على أنها حليف طبيعي لدولة (الأقلية) اليهودية في مواجهتها مع الأكثرية العربية المسلمة المحيطة بهم. لقد استخدم مفهوم (عدو عدوي صديقي) كأساس يوجه العلاقات الإسرائيلية مع المسيحيين الموارنه في لبنان, والأكراد في العراق, والمسيحيين والأرواحيين من الأصول الزنجية في جنوب السودان, فيما بعد أصبحت الروابط مع الشعوب . المعادية للعدو. وكذلك البلدان المعادية له أيضا من المسؤوليات الأساسية للموساد. وفي مصر حاولت الاستخبارات الإسرائيلية جمع قدر من المعلومات المتعلقة بالتناقضات داخل المجتمع. وكانت يولاند هارمر أفضل من تجسس لصالح إسرائيل عام 1948. لقد ولدت في مصر من أم يهودية تركية. ولقد جندها شيرلوك رئيس القسم السياسي لصالح القضية الصهيونية عندما إلتقاها في حفل كوكتيل عام 1945 أو 1946. وكانت ترتبط بفرقة الشئون العربية في القسم السياسي في الوكالة اليهودية, وبعد إعلان قيام إسرائيل في مايو 1947 تابعت العمل بإشراف قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية. كانت يولاند فتاة شقراء ترتدي أحدث الألبسة وحولت اسمها إلى اسم عبري (هامور) وتزوجت ثلاثة مرات قبل أن تكون خليلة لسلسة من العشاق ومنهم بعض أثرياء مصر وبعض النافذين, وأعضاء السلك الدبلوماسي. وتحت (الغطاء) كصحافية ساهمت في إعداد بعض المقالات عن الشؤون المصرية للصحف الباريسية, ودخلت بسرعة ودون جهد كبير في مجتمع القاهرة الراقي. وتضمنت اتصالات يولاند تقي الدين الصلح وهو المساعد الرئيسي لعزام باشا أمين عام الجامعة العربية ومحمود مخلوف ابن المفتي الأكبر في القاهرة. وتطوع محلوف بإعطاء معلومات (تخدم مصالحنا) على حسب تعبير شيرلوك, ولكنه كان يحتاج إلى 1000 جنيه مصري لتمويل حملته الانتخابية لعضوية البرلمان المصري. وكان ليولاند أيضا علاقات مع أكبر صحيفة في القاهرة وهي (الأهرام) , أما الصلح والذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء في لبنان فقد كان متيما بها. وأخيرا شك عزام باشا بأنها تعمل لصالح إسرائيل, وبعد ذلك ألقي القبض عليها في يوليو 1948 ولم تنفعها الأسماء الرمزية التي كانت تحتفظ بها لعشاقها وأصدقائها وعملائها. وأصيبت في السجن بمرض شديد ولكن أحدا لم يساعدها. وبعد شهر أطلق سراحها وطردت من البلاد. وفي أوائل عام 1949 أصبحت إحدى أكبر العاملين الرئيسيين في قسم الشرق الأوسط -جناح باريس. وحدد جناح باريس مهمته . بإقامة اتصالات مع الدول العربية من أجل متابعة التطورات واقتراح مفاوضات للسلاح والاتصالات مع جماعات المعارضة من أجل إحباط الجهد الحربي العربي. من اسطنبول إلى لندن لقد أجريت الاتصالات مع السودان الذي كان من المقرر أن يحصل على الاستقلال في يناير 1956, على حسب تقرير بلاك وموريس, حيث عقد جوش بالمون في سبتمبر 1955 محادثات سرية في استانبول مع قادة حزب الأمة المعارض, وأبدوا حماسهم لتقوية العلاقات مع الغرب وكانوا يعارضون التوجه السياسي المصري لبقية الأحزاب. أحضر بالمون أحد هؤلاء القادة لمقابلة بن جوريون في أغسطس 1956 والذي قال فيما بعد (إنهم مسلمون ويتكلمون العربية لكن المصريين يخططون للهيمنة عليهم) . فيما بعد غيرت إسرائيل سياستها السرية تجاه السودان. وفي الستينات قدم الموساد دعما محددا لثوار انانيا في جنوب السودان. وعلى حسب تعبير توماس (1999) أنه في عام 1962 توجه رئيس الموساد نفسه إلى جنوب السودان لمساعدة الثوار المنحازين لإسرائيل في صراعهم مع النظام القائم هناك. لقد ثار سكان الجنوب, وهم ليسوا عربا لكنهم من الأصول الزنجية, ضد الحكومة المركزية في الخرطوم, وفي السنوات اللاحقة واستنادا إلى الجنرال جوزيف لاجو قائد أنانيا, تلقوا أسلحة وأجهزة اتصالات ومساعدات في التدريب من الإسرائيليين. لقد أظهرت الوثائق التي استولى عليها الجيش السوداني من أنانيا, وفقا لبلاك وموريس, أن أشخاصا إسرائيليين قد زاروا معسكرات المتمردين مع أن المساعدات التي قدموها كانت قليلة نسبيا. قال أحد الخبراء الغربيين فيما بعد: (إذا تسبب أي أذى لأي بلد عربي فهذا يعتبر من وجهة النظر الإسرائيلية جيدا... شريطة أن لا تتعرض المصالح الأخرى للأذى... وإلى حد لا يؤدي فيه إيذاء السودان إلى نتائج عكسية) . كان واضحا للإسرائيليين أن الموقف الظاهر في تأييد الجنوب وتقديم المساعدات للثوار سيكون له وقع الكارثة في أفريقيا السوداء. حسب تأريخ المؤرخ الإسرائيلي ووربيرج عن العلاقات السودانية الإسرائيلية أنه في مارس 1954 قامت السفارة الإسرائيلية في لندن بمجهود للبحث عن طرق جديدة لإضعاف أو تقويض المقاطعة العربية لإسرائيل. وربما يكون السودان الحلقة الضعيفة والسهلة الاختراق في منظومة الدول العربية. وقد فاتح موردخاي جازيت, السكرتير الأول في السفارة الإسرائيلية في لندن, وليام موريس من القسم الأفريقي في وزارة الخارجية البريطانية لطلب مشورة عن جدوى تلك المحاولة. وكان في السودان قد انتصرت قوي الوحدة مع مصر في أول انتخابات تجرى في البلاد في نوفمبر- ديسمبر 1953. ولكن أرجعت مجموعة كبيرة من السودانيين وآخرين عملية الانتصار إلى (الرشاوى) الكبيرة من قبل مصر كما رفض هؤلاء قبول نتيجة الانتخابات كقرار ديمقراطي حقيقي يعبر عن أمل السودانيين في الوحدة مع مصر. ونتيجة لذلك تظاهر عشرات الآلاف من الأنصار في الخرطوم تحت شعار . السودان للسودانيين. . ولقد حاولت قيادة حزب الأمة تجاوز ذلك المأزق المتعلق بالهزيمة في الانتخابات بكل الوسائل. ولقد كانت الحكومة البريطانية أول وأهم الحلفاء المحتملين لحزب الأمة وذلك لمعارضتهم عملية الاتحاد مع مصر. لقد سافر المهدي, زعيم حزب الأمة, وفقا لووربيرج , وهو حفيد الإمام المهدي, للندن في يونيو 1954 برفقة محمد أحمد عمر محرر صحيفة حزب الأمة (النيل) . وعلى الرغم من أن الزيارة كانت لمقابلة وزارة الخارجية البريطانية بخصوص استقلال السودان فقد قابلا كذلك اثنين من الدبلوماسيين الإسرائيليين في أحد فنادق لندن. وتم تنظيم اللقاء بواسطة (بول) وهو صحفي ويمثل رجل العلاقات العامة لحزب الأمة في لندن. ولقد تساءل ووربيرج ماذا يأمل أن يجد حزب الأمة من إسرائيل؟ وكما ذكر سابقا فإن حزب الأمة كان يبحث عن حلفاء محتملين. وربما يساعد تأثير إسرائيل في لندن وخاصة في واشنطون حزب الأمة في تحقيق الاستقلال في السودان. ولقد أكد المهدي للدبلوماسيين الإسرائيليين انه بغض النظر عن الطبيعة الإسلامية لحزب الأمة فإن الدين لا يلعب دورا في علاقات الحزب الخارجية وتبعا لذلك تكون علاقات الحزب مع إسرائيل مقبولة بواسطة قاعدة الحزب في الريف السوداني. وذكر كذلك ان الجالية اليهودية في السودان كانت تدعم حزب الأمة. ووعد رجلا حزب الأمة باستمرارية التجارة لاحقا بين السودان وإسرائيل والتي توقفت بسبب التدخل المصري. ويضيف ووربيرج انه وفي اجتماع آخر قدم محمد أحمد عمر للدبلوماسيين الإسرائيليين قائمة من مطالب حزب الأمة والتي تتضمن قيام إسرائيل بعمل لوبي في الولايات المتحدة كما طلب دعما ماليا للمنافسة مع المصريين. وعندما يتم تحقيق الاستقلال في السودان سوف يعد حزب الأمة كحكومة مستقبلية للسودان باستمرارية التجارة مع إسرائيل. ولكن حذر موريس, من القسم الأفريقي بالخارجية البريطانية, حزب الأمة بأنه في حالة انكشاف المقابلة التي جرت بين حزب الأمة والدبلوماسيين الإسرائيليين للرأي العام سوف يؤثر ذلك بصورة سيئة في علاقة السودان بجيرانه. وذكر محمد أحمد عمر بأنهم لا يعيرون انتباها كبيرا لذلك التأثر وذلك لأن الدول العربية أظهرت تعاطفا قليلا لحركة استقلال السودان. ويضيف موريس: انه بالنسبة للسودانيين فإن القضية الفلسطينية بعيدة من اهتمامهم كقضية جواتمالا. بوسعنا التساؤل هل فعلا كما عبر موريس أن قضية فلسطين كقضية جواتمالا بالنسبة للسودانيين؟ وهل لتلك النظرة أية علاقة لاحقة بنقل اليهود الفلاشا من السودان لإسرائيل؟ أم أن عملية نقل الفلاشا هي حدث عابر مقارنة بموقف السودان الرسمي والشعبي من حرب فلسطين عام 1948 وحرب 1967؟ ولكن قبل أن ننتقل لموضوع ترحيل الفلاشا في عمليتي الموساد الشهيرتين (عملية موسى) و(عملية سبأ) سوف نبدي بعض الملاحظات حول اتصالات حزب الأمة السابقة. من خلال قاعدة (عدو عدوي صديقي) أو (فرق تسد) تحاول إسرائيل أو بلغة أدق المخابرات الإسرائيلية أن تتصل بالمجموعات المختلفة داخل العالم العربي. لقد رأينا حالا أن هناك اتصال ما بين الموساد وحركة أنانيا في جنوب السودان من جهة, وما بين بن جوريون وأحد قادة حزب الأمة, وما بين اثنين من الدبلوماسيين الإسرائيليين واثنين من رجال حزب الأمة بلندن من جهة ثانية, وما بين شارون والرئيس نميري في كينيا من جهة ثالثة. فضلا عن ذلك يلاحظ بأن هناك اهتماما أكاديميا وبحثيا جادا في إسرائيل بموضوع المهدية, وحزب الأمة, وطائفة الأنصار. أنظر مثلا مجموعة الأبحاث التي قام بها جبرائيل ووربيرج. منها على سبيل المثال لا الحصر: من الأنصار لحزب الأمة: السياسة الدينية في السودان 1914-1945(ووربيرج, 1973), الأنصار في السياسة السودانية: الخيال والواقع (ووربيرج, 1979, 1981), الاعتبارات الآيديولوجية والعملية المتعلقة بالرق في دولة المهدية والسودان الأنجلو - مصري 1881-1918(ووربيرج, 1981) التدين الشعبي والقيادة القبلية في البناء الاجتماعي- السياسي لشمال السودان (ووربيرج, 1974). لعلنا نتساءل هل الأبحاث أعلاه هي مجرد اهتمام أكاديمي بحت من قبل مؤرخ إسرائيلي أم هناك دوافع أخري لها؟ لقد كتب ووربيرج أستاذ التاريخ بجامعة حيفا ومحرر مجلة (دراسات آسيوية وأفريقية) أربعة كتب عن تاريخ السودان فضلا عن أكثر من عشرين بحثا منشورة بالدوريات العالمية وبعض الدوريات الإسرائيلية. فلقد استمعت له يتحدث عن تاريخ السودان في (مؤتمر الدراسات السودانية) المنعقد في جامعة درهام ببريطانيا عام 1992, وكذلك في (مؤتمر الدراسات السودانية) المنعقد في مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1994. يعتبر ووربيرج مؤرخا غزير الإنتاج وعميق التحليل لبعض الجوانب المتعلقة بتاريخ السودان. وربما يكون بعض المؤرخين السودانيين مجرد تلاميذ له. بوسعنا القول بأنه يمكن فهم الاتصالات التي جرت بين حزب الأمة وبين الدبلوماسيين الإسرائيليين في لندن في أجواء الخمسينات. فمن جهة تبحث إسرائيل عن محاولة لفك عزلتها من جيرانها بكل الوسائل وخاصة تطبيق قاعدة (عدو عدوي صديقي) أو سياسية (فرق تسد) كما ذكرنا. وربما حاول حزب الأمة كذلك تطبيق القاعدة نفسها مع خصومه في السودان من الاتحاديين. وربما تمثل الفكرة الاتحادية عند حزب الأمة استمرارية للاستعمار البريطاني المصري على السودان. فلابد من البحث عن دعم أو تحالفات لتقويض تلك الاستمرارية حتى ولو كانت مع إسرائيل. لعلنا نتساءل لعلنا نتساءل هل كان يتنبأ حزب الأمة مسبقا بالاتصالات اللاحقة التي تجرى بين إسرائيل وجيرانها؟ يمكننا كذلك فهم تلك الاتصالات في الأجواء الحالية في العالم العربي. فمنذ زيارة السادات لإسرائيل تم ترتيب الكثير من الاتصالات بين العرب وبين إسرائيل. وتختلف نتائج تلك الاتصالات من إقامة علاقات دبلوماسية كاملة كما في حالة مصر والأردن وموريتانيا, وإقامة علاقات طيبة مع دول المغرب, وتجارية مع بعض الدول العربية واتصالات جارية مع سوريا في نهاية التسعينات. ومن قراءة محصلة هذه الاتصالات يبدو أن من الممكن التكهن باستمراريتها بصورة مستورة أو مكشوفة. وربما كان حل الصراع بين طرفي النزاع هو المخرج بالنسبة للكثيرين. وحينها ربما تتحول الحرب الساخنة إلى حرب باردة ويستقل فيها البعد السيكولوجي أيما استغلال من قبل الطرف الذي يعرف كيف يوظفه كما وظفت المخابرات الأمريكية ذلك في صراعها مع الاتحاد السوفيتي. لقد التقى الرئيس السوداني الفريق عمر البشير بمجموعة حوالي 40 من المهنيين السودانيين أغلبهم من أساتذة الجامعات والمستشارين والأخصائيين والمحاسبين بقصر القضيبية إبان زيارته لدولة البحرين في مساء 13 يناير 2000 ولقد تحدث الرئيس في ذلك اللقاء حديثا بنبرة هادئة عن عدة موضوعات من بينها موضوع السلام في جنوب السودان والأسباب التي أدت لقرارات الرابع من رمضان وتطبيع العلاقات مع دول الجوار وتطوير العلاقات مع دول الخليج والاتحاد الأوربي, ومحاولة تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. وبعد انتهاء حديث الرئيس البشير لمجموعة المهنيين السودانيين فتحت بعض الفرص للأسئلة والتي تنوعت في صيغها ومضمونها. لقد سألت الرئيس بخصوص الجزء المتعلق بتطبيع علاقات السودان الخارجية. ولقد ذكرت بأن هناك عدة دول عربية طبعت علاقاتها مع إسرائيل والبعض الآخر في طريقه للتطبيع فهل هناك أي جهود حالية أو نوايا مستقبلية بخصوص تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل؟ فكانت إجابة الرئيس محددة ولكن بنبرة أكثر وضوحا بأنه ليست هناك أي محاولة لتطبيع العلاقات في السر أو الجهر.