يبدو أن الازمة الداخلية فى اسرائيل تتفاقم, ومحاولات الاحتواء تفشل, وسياسة فتح جبهات خارجية تشد الانتباه بعيدا عن الازمة وأعماقها, لم يكتب لها النجاح حتى الآن.والسبب فى ذلك كله أن الازمة مجتمعية, أزمة مجتمع يتفكك كما تقول صحيفة (معاريف) العبرية. لقد حاول رئيس الوزراء ايهود باراك أن يتغلب على الوضع فى مجمله بالمناورة, حاول أن يلم شمل مجتمع يتفكك بارضاء تجمعاته وقواه. فانسحب من جنوب لبنان نزولا عند رغبة المؤسسة العسكرية. وتراجع عن وعوده ولم يحترم توقيعاته واتفاقاته التى أبرمها مع الفلسطينيين خوفا من المتطرفين الدينيين. وها هو اليوم يسلم لحركة شاس ويستجيب لمطالبها انقاذا للائتلاف الذى يرأسه من الانهيار. وسط هذا الجو المتفجر سياسيا, والممزق اجتماعيا, والمتعصب عقائديا تحاول آلة الاعلام الاسرائيلى سحب وجذب الانظار الى الخارج, تحاول استئناف دورها التقليدى والتاريخى فى الوقيعة بين العرب بعضهم البعض وبين سوريا ومصر على وجه التحديد. فصحيفة (يديعوت أحرونوت) هذه تزعم أن جميع رؤساء تحرير الصحف فى مصر انتقدوا تعيين بشار الاسد رئيسا لسوريا. وأن هذه الانتقادات كما تقول الصحيفة الاسرائيلية تأتى رغم اتفاق الزعماء العرب على عدم هجوم أحدهم على الاخر فى الصحف. وتخلص (يديعوت أحرونوت) من هذا الى القول ان (هذا يعكس خوفا مصريا من أن يمتلىء العالم العربى بالمستبدين أبناء المستبدين) . والواضح أن آلة الاعلام الاسرائيلية قد أغفلت بالقصد المبيت مجموعة من الحقائق الهامة: أولها: إن القاهرة لا تتدخل فى الشئون الداخلية للغير. فهذا مبدأ ثابت وعام, وعلى وجه الخصوص بالنسبة للاشقاء. ثانيا: إن القاهرة تعرف جيدا (وأظن اسرائيل كذلك) أن لكل دولة نظامها ودستورها وقوانينها التى تحدد وتضبط انتقال السلطة, وبالطريقة التى لاتعرض الدولة للفوضى أو الاضطراب أو احداث فراغ خطير. ولا شك أن الفيصل فى هذا الامر وصاحب الكلمة الاخيرة هو الشعب وليس اسرائيل ولا رؤساء تحرير صحف مصرية أو غير مصرية. ثالثا: إن الصحافة فى مصر حرة, وحرية الرأى والتعبير والقول والنقد مكفولة لا وصاية أو رقابة أو مصادرة لوجهة نظر لامن جانب الحكومة أو غيرها. واذا كان الشىء المؤكد أنه ليس صحيحا أن جميع رؤساء الصحف قد انتقدوا اختيار بشار رئيسا لسوريا, فما البأس أو الخطأ اذا ما عبر البعض عن وجهة نظره حول قضية مفتوحة, نقلت وقائعها على شاشات التلفزيون من داخل البرلمان السورى ومن أروقة حزب البعث الحاكم. والسؤال المطروح: هل صحيفة (يديعوت أحرونوت) بما ذهبت اليه من محاولات الدس والوقيعة مع حرية الرأي أم ضده, مع حق الصحفى فى ابداء وجهة نظره أم لا؟ هل هى تحرض الحكومة المصرية على رؤساء التحرير لأنهم ـ كما تقول ـ قد انتهكوا ما سبق واتفق عليه الزعماء. الأولى بالصحيفة الاسرائيلية أن تهتم بمعالجة (الازمة المجتمعية) التى تهدد المجتمع الاسرائيلى بالتمزق والتفكك خيرا من أن تتعامل مع وهم تريد أن تحوله الى واقع, وهو دق اسفين بين القاهرة ودمشق. (يديعوت أحرونوت) تنصب نفسها مدافعا عن الديمقراطية من خلال شن الهجوم والوقيعة, فى حين الأولى والأجدى أن تتحدث عن صفقة باراك ـ شاس التى أعطت لحزب دينى متطرف هو حركة شاس, الاشراف على التعليم الدينى بعيدا عن وزارة التعليم فضلا عن اضفاء الصفة القانونية على الاذاعات التى تديرها الحركة. كان من الافضل للصحيفة الاسرائيلية ما دامت حريصة على الديمقراطية والحرية, أن تقف فى وجه مشروع القانون الذى تم اعداده لعرضه على الكنيست لإقراره والخاص بحق الحكومة الاسرائيلية فى احتجاز الرهائن من المدنيين, وطبعا الرهائن المشار اليهم رهائن عرب لبنانيون وفلسطينيون وسوريون. ويبدو أن الصحيفة تناست أن مثل هذا القانون يعتبر(جريمة حرب) وانتهاكا لاتفاقية جنيف الرابعة, فضلا عن كونه خروجا على التزامات اسرائيل القانونية طبقا للمعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية. والشيء المؤكد أن المناورات الاسرائيلية للوقيعة مكشوفة مهما اكتست من ثياب, ديمقراطية مرة وحرية أخرى. فالممارسات الاسرائيلية تتجاوز كل الشرائع والاعراف من عنصرية لقتل واغتصاب, واحتلال وتعصب. والازمة المجتمعية الاسرائيلية لا يمكن علاجها بالهروب الى الخارج , الثابت بعد هذا هو علاقات استراتيجية مصرية ـسورية. أ.ش.أ