منذ فترة قصيرة طلب رئيس الوزراء محمد مصطفى ميرو من وزارة الشئون الاجتماعية والعمل بيان اسباب اغلاق 81 مكتباً لتوظيف العمالة. الطريف ان هذه المكاتب اغلقت لأعلى التعيين بينما لا يزال بعض مكاتب التشغيل يعمل ويمارس عمليات النصب رغم ان بعض مديريهم مطلوبون للعدالة. ويقدر عدد الوافدين الى سوق العمل السورية بمئتي الف شخص سنوياً وإن سوق العمل لا تستوعب سوى ستين الفا فقط ويبقى مئة واربعون شخصاً عاطلين عن العمل وقدرت الحاجة لتأمين عمل للداخلين الى سوق العمل للمرة الاولى بـ 250 مليار ليرة سنوياً اي اقل بـ 25 ملياراً فقط عن موازنة الحكومة لعام 2000 والتي تبلغ 275 مليار ليرة وتعتبر سوريا من البلدان المصدرة وترفد العمالة المهاجرة الاقتصاد السوري بأكثر من 12 مليار ليرة سنوياً. تبدو مكاتب التشغيل ضمن واقع العمل هذا كحل للبحث عن اسواق لليد العاملة المتنامية وايجاد الاعمال والمواقع المناسبة لكفاءاتهم ودعم الاقتصاد الوطني من خلال التحويلات والمبالغ التي يدفعها العمال المهاجرون ولكن غالباً ما تحاط هذه المكاتب بالاشكالات بالاضافة لامكانية الاحتيال والغش التي قد تأخذ من تلك المكاتب غطاء لها الامر الذي دعا الحكومة السورية الى اغلاق عدد كبير من المكاتب التي تتخذ من الخدمات كالسياحة والتجارة العامة والتسويق وتعقيب المعاملات ستاراً لها. كما تتناقل الاوساط الحكومية خبر اقتراح انشاء صندوق طوارئ للعمالة يخصص له 35 مليار ليرة من خارج موازنة الحكومة تنفق لمدة ثلاث سنوات. واقع العمل في سوريا يتنافس الآلاف من خريجي الجامعات السورية على عدد قليل من الشواغر في الدوائر العامة التي تعلن احياناً عن فرص عمل, اذ على الرغم من تدني الاجور في القطاع العام ما زال طالبو العمل يفضلون القطاع العام لشعورهم بالامان بعيداً عن التسريح ونظراً لوجود التأمين والتعويضات المختلفة حيث يشكل العاملون في الدولة مع عائلاتهم 40% من عدد السكان ونحو هذا العدد في القطاع الخاص ويذكر ان عشرين الف شاب من خريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة تقدموا لشغل ثلاثة الاف وثلاثمئة شاغر في معمل للغزل. في المقابل يتجه بعض اصحاب الطموح الى القطاع الخاص للحصول على رواتب افضل ولكن بشروط عمل صعب وتحاول بعض مكاتب التشغيل في سوريا ـ التي يقدر عددها بأكثر من مئة وخمسين مكتباً ـ توفير العمل داخل وخارج القطر من خلال عقود تحمي العمال من الممارسات التي يقوم بها اصحاب العمل مثل التسريح الكيفي واستغلال الاطفال والنساء حيث تسعى هذه المكاتب ايضاً الى حصر حجم ونوع اليد العاملة المتوفرة وقدر فاروق النقشبندي مدير المركز السوري الخليجي ـ وهو مكتب تشغيل يعمل في اطار ادارة الاعمال ـ عدد المتقدمين الى مكاتب التشغيل في سوريا بحوالي 120 الف طالب عمل سنوياً يحصل حوالي 15% منهم على فرصة عمل. لكن هذه المكاتب منعت من ممارسة العمل منذ عام 1959 واغلقت الجهات الرسمية واحدا وثمانين مكتباً مؤخراً نتيجة تفاقم الشكاوى من اعمال النصب والاحتيال وذلك بناء على قرار وزير الشئون الاجتماعية والعمل السابق علي خليل والذي نفذته وزيرة الشئون الاجتماعية والعمل الدكتورة بارعة قدسي ولكن واقع العمل في سوريا يجعلنا نتساءل عن جدوى اغلاق هذه المكاتب وان لم يكن تشغلها بشكل رسمي وتفعيل دورها واخضاعها للمراقبة الحكومية هو الحل الامثل لسد الطرق امام النصب ولتأمين العمل للكثيرين دون ان يتعرضوا للاحتيال والغش يقول النقشبندي (منعت القوانين القديمة وجود الوساطة بين رب العمل والعامل لكن في روسيا البلد الذي سن هذه القوانين سابقاً نجد حالياً مكتب تشغيل في كل شارع فهذا الزمن يتطلب وجوده اهميته كأهمية مكاتب الاستيراد والتصدير والاعمال الاخرى التي تعود على البلد بفائدة كبيرة) . ولا يخفى على احد اهمية مكاتب التخديم والتوظيف التي تنتشر في كثير من دول العالم مثل مصر والهند وباكستان والفلبين وغيرها في تصدير العمالة الى الخارج اذ تعمل بتراخيص رسمية كما تتم مراقبتها من قبل وزارات العمل والجهات الامنية في الدول المذكورة. وتشارك مكاتب توظيف العمالة في الخليج بخلق فرص عمل للراغبين في العمل خارج القطر يقول الدكتور ايمن: ساعدني احد مكاتب التوظيف في الحصول على عمل في المملكة السعودية وذلك من خلال عقد رسمي بشروط محددة المشكلة الوحيدة هي اني عملت طبيباً عاماً بدلاً من عملي في اختصاصي بالجراحة العامة واضاف: رغم ان المكتب الذي كان وسيطاً تقاضى ما يعادل شهرين من راتبي فإنني استطعت بعد عملي خمس سنوات ان اؤمن بيتا ما كنت استطيع تأمينه دون التجائي الى مكتب تشغيل. ويوضح النقشبندي آلية العمل في مكتبه: (نؤمن العمل للمتقدم بطلب ونضع له الفيزا ونؤمن مغادرته ووصوله الى مكان عمله مقابل ان يدفع راتب شهر واحد قبل السفر) , وعندما سألناه عما اذا كان بامكان الكفيل عن يخلف بوعده قال: هذا الاحتمال نادر لكنه يحصل احياناً لذا يوقع طالب العمل على اقرار قبل سفره وفيه يورد اننا غير مسئولين عن تراجع صاحب العمل لانه ليس بوسعنا عمل شيء. مكاتب للنصب لكن كثرة عمليات النصب والاحتيال التي تمارسها بعض المكاتب جعلتها موضع شبهات وقد سمعنا كثيراً عن اشخاص يستأجرون مكاتب لفترة قصيرة ويعلنون عن فرص عمل في الخارج ويجذبون الشبان الذين يكتشفون فيما بعد ان المكتب لم يكن سوى وسيلة للنصب والاستيلاء على اموالهم واحلامهم يروي بسام قصته قائلاً: بعد ان يئست من الوقوف على ابواب السفارات وابواب ارباب العمل قام احدهم بارشادي الى مكتب جديد يؤمن عقوداً للعمل في الخليج وعندما ذهبت استقبلني صاحب المكتب بالتأهيل وشرح لي ميزات التعامل مع مكتبهم وطلب مني خمسة عشر الفا عربوناً للحصول على فيزا للعمل مؤكداً ان قنصل سفارة الدولة التي سأذهب اليها صديقه الحميم وان طلبي سيلبى بسرعة وبعد فترة تهرب فيها مدير المكتب مني علمت ان المكتب اقفل وانني تعرضت لعملية نصب. اما عبدالكريم فيقول: قمت ببيع مصاغ زوجتي من اجل الحصول على فيزا للعمل في الخارج قام بتأمينها احد المكاتب وبنيت الآمال الكثيرة على السفر والعمل وتحسين وضعي المعاشي ولكنني عندما وصلت الى البلد الذي يفترض انني سأعمل به وجدت انه لا وجود للوظيفة المأمولة ولا وجود للشركة التي وقعت معها عقداً وهمياً فعدت ادراجي بسبب صعوبة الحصول على عمل هناك وخسرت ما خسرته بسفري. كما تعرض باسم للطريقة نفسها من النصب حيث يقول ذهبت الى احد المكاتب بناء على اعلان في الصحيفة والتقيت بصاحب العمل وبكفيل يفترض انه يؤمن الخليج ودفعت مقدما عشرين الف ليرة ثمناً للعقد ولكن بعد فترة اختفى المكتب واختفى معه الكفيل الوهمي والمدير وذهبت معهم اموالي. وجاء اغلاق واحد وثمانين مكتبا لتوظيف العمالة من قبل الجهات الرسمية ليطرح الاشكالية مجدداً وليجعلنا نتساءل ما هي السبل القانونية لحل المشكلة ووضع حد للتلاعب؟ وتؤكد وزيرة الشئون الاجتماعية والعمل الدكتورة بارعة قدسي ان سبب اغلاق مكاتب التشغيل الخاصة هو انه لا يجوز لاي جهة عامة او خاصة ممارسة عمل مكتب التشغيل في وزارة الشئون الاجتماعية والعمل الدولية رقم 96 التي وقعت عام 1949 والمصدقة من قبل الجمهورية العربية السورية وفضلاً عن عدم ترخيصها تمارس هذه المكاتب عمليات النصب والاحتيال فقد يذهب العامل السوري عن طريقها ولا يجد الكفيل او ينقص اجره او غير ذلك.