اعتبر المراقبون البرلمانيون والحزبيون في مصر كلمات الوداع التقليدية التي ألقاها ممثلو الأحزاب السياسية في البرلمان قبل انتهاء دورته قبل ايام قليلة أنها كلمات ذات حساسية ومغزى خاص. انطلقت من جانب نواب المعارضة لتصيب أهدافا محددة، ووصفها المراقبون بأنها انقلاب من نوع خاص في توجهات لغة خطاب المعرضين للنظام خلال هذه المرحلة, بل وتحولا جديا نحو كسب ود النظام . وزاد من صدقية هذه الاعتبارات ما أكدته قيادات برلمانية موالية للحزب الوطني الحاكم أن تلك الكلمات لم تكن ذات ترتيب مسبق. بل ولم تكن باتفاق بين طرفين حتى أن أكثر نواب الحزب الحاكم الذين استمعوا الى كلمات النائب سامح عاشور عن الحزب الناصري على سبيل المثال لا الحصر والمصنف على أنه من أشد المعارضين للنظام أكدوا أنه لم يكن متوقعا أن يتحدث عاشور في هذه الجلسة الختامية التي عادة ما تتسم كل منها بالود والشكر للحكومة والنظام.. آخذين في الاعتبار أن سامح عاشور كان الوحيد في الدورة قبل الأخيرة الذي قدم اعتذارا رسميا في جلسة ترشيح البرلمان الرئيس حسني مبارك لفترة ولاية رابعة. وأصر على اعلان اعتذاره في الجلسة بصورة رسمية. حتى يثبت في التاريخ أنه لم يشارك في الاختيار وفسر المراقبون كلمات سامح عاشور في الجلسة الختامية للبرلمان مؤخرا والتي وصف فيها الرئيس مبارك بأنه الحارس الوحيد الذي يستطيع أن يقود مصر في هذه المرحلة وينطلق بالديمقراطية الى آفاق رحبة. معلنا تأييده لمبارك وقيادته لمصر, بأنها محاولة أخيرة منه لكسر حدة مواجهته مع النظام في كلمات أراد بها أيضا أن يضرب عصفورين بحجر واحد فها هو سامح عاشور يمثل أحد أبرز المرشحين لمنصب نقيب المحامين في الانتخابات الجديدة, وأعلن صراحة أنه قد خلع رداء الحزبية وهو يتقدم لهذا المنصب. ثم أنه مازال على أمل العودة الى مقاعد البرلمان الجديد أول برلمان ينتخب في الألفية الثالثة, حيث قرر أن يخوض الانتخابات الجديدة بغض النظر عن فوزه في انتخابات نقابة المحامين. ويستطرد المراقبون قائلين . أنه من المرجح أن عاشور قد شعر بحرج موقفه بعد أن أصاب الحزب الناصري الوهن والضعف وتفجرت الصراعات الداخلية فيه , وقد يكون أحد المرشحين لقيادة الحزب في مرحلة قد تتفجر فيها الأوضاع داخل الحزب. كما حدث في أحزاب أخرى. ثم ما تردد أيضا في فترات متقطعة عن رغبة النظام في التركيز على فوز ضياء الدين داود رئيس الحزب في الانتخابات القادمة. وهو ما يعني ورود احتمالات سقوطه في الانتخابات القادمة في ساقلته بسوهاج مسقط رأسه. وعلى الرغم من أن علي فتح الباب نائب حزب العمل المجمد نشاطه حاليا والمصنف على أنه مستقل داخل البرلمان. رغم حسابه على جماعة الاخوان المسلمين المحظور نشاطها قد عرف عنه صدور نبرات معارضته على مدى خمس سنوات. خاصة بعد واقعة التحقيقات التي تمت معه في أحد تنظيمات الإخوان التي تم القبض عليها في حلوان حيث دائرته الانتخابية .. ورفعت عنه الحصانة وكاد أن يكون خلف القضبان مع الاخوانيين. إلا أن كلمات وداعه في البرلمان كانت أكثر اعتدالا عن ذي قبل. وأشاد أيضا بالنظام الحاكم في مصر. وحرص على أن يقدم الشكر للحكومة. ود. كمال الشاذلي وزير الدولة لشئون مجلسي الشعب والشورى وأمين تنظيم الحزب الحاكم والذي يصنف على أنه مطبخ انتخابات الحزب الحاكم. ويمكنه تفريغ الدائرة لفوز أحد المعارضين. ويقول المراقبون في ذلك أن شعور علي فتح الباب بالهجمات المتلاحقة التي يتعرض لها أفراد جماعات الاخوان. اضافة الى موقف حزب العمل الصعب. وتزايد احتمالات التفريق عن التحالف القائم بين الاخوان والعمل. جعلته أكثر تقربا للنظام. على أمل فوزه في الانتخابات القادمة والخروج بنفسه من عنق الزجاجة من أزمات حزبه. وجعلته يقدم نفسه في صورة غير مسبوقة. وحازت كلماته القليلة اعجاب نواب الأغلبية أيضا. ولم يجد المراقبون تفسيرا لتغيب زعيم المعارضة الوفدية ياسين سراج الدين نائب رئيس حزب الوفد عن هذه الجلسة الهامة.. والتي دائما ما تمثل معاني بروتوكولية خاصة. رغم أنه كان المرشح الأول للحديث باسم الوفد. في وقت لم يتحدث فيه كل من الدكتور أيمن نور. وفؤاد بدراوي. وأوكلوا أحمد ناصر أحد المنضمين الى حزب الوفد منذ سنوات. رغم تصنيفه السياسي المغاير لكي يتحدث باسم الحزب وجاءت كلماته قليلة. ولم يجد بدا من أن ينضم الى قافلة المتقدمين للشكر للنظام. أما خالد محيي الدين رئيس حزب التجمع فقد آثر أن يتحدث بنفسه. وواصل مسيرة الكشف عن علاقات حزبه القوية بالحزب الحاكم, والنظام, وحرص على أن يغازل الدكتور يوسف والي أمين الحزب الحاكم بكلمات شكر خاصة. وتقديره على خدمة نواب المعارضة قبل الأغلبية. وعلى نفس الدرب سار رجب هلال حميدة نائب حزب الأحرار. الذي يعلم مسبقا بصعوبة موقفه في المعركة الانتخابية الجديدة, حيث فقد حصانته البرلمانية بسبب شيك بدون رصيد قبل ساعات من نهاية أعمال البرلمان. وأصبح ذلك بمثابة سيف مسلط على رقبته في مواجهة أبناء دائرته. واذا كان هذا هو موقف المعارضة البرلمانية. فإنه كان من الطبيعي أن يكون ختام البرلمان حافلا أيضا بعبارات الود والغزل الشديدين من جانب نواب الحزب الحاكم وهم قادة الحزب الحاكم الذين يعدون قوائم الترشيح لنواب الحزب في الانتخابات الجديدة. وكان من الطبيعي أن يحظى المايسترو كمال الشاذلي أمين التنظيم بالحزب ومعه الدكتور يوسف والي أمين عام الحزب الحاكم بالجانب الأكبر من التقدير بل والتصفيق والهتاف تحت قبة البرلمان. لعل ذلك يكون تذكرة لأمانة الحزب العامة وهي تعد قوائم المرشحين في هذه الانتخابات. وفي الوقت الذي يمكن فيه القول ان الحزب قد استقر الى حد كبير على مرشحيه وحسم التغييرات المتوقعة في نوابه الحاليين. وترشيح أعضاء من الذين يشكلون الصف الثاني من أعضاء المجالس المحلية. غير أن الشاذلي مازال يؤكد أن كل ما يقال عن نسبة التغيير, أو الانتهاء من اعداد أسماء المرشحين هو مجرد استنتاجات لاترقى الى مستوى الحقيقة بعد. ولكن قادة الحزب الحاكم يؤكدون أن هناك اشتراطات خاصة للترشيح على قوائم الحزب الوطني. في مقدمتها النزاهة والطهارة والشفافية. والابتعاد عن الشبهات ذلك أن الحزب قد أخذ درسا مرتين في انتخابات 90 التي دخل فيها نواب المخدرات. الذين كشفهم البرلمان وأسقط عضويتهم. وانتخابات 95 الأخيرة. التي ظهر فيها نواب القروض والشيكات بدون رصيد. والنواب المصنفون البلطجي والصايع والنقوط وغيره. وتقول مصادر قريبة الصلة من الحزب الوطني أن مراجعة أمنية سوف تتم على المرشحين قبل اعلانهم بصفة رسمية. غير أن هناك توقعات تشير الى حدوث تغيرات جذرية في خريطة الترشيحات لمجلس الشعب الجديد ففي الحزب الوطني تؤكد التوقعات أن التغييرات سوف تتركز في احلال مواقع جديدة للشباب بدلا من النواب القدامى لضخ دماء جديدة في البرلمان. وهو ما ينبئ أن هناك نوابا من الذين أمضوا أكثر من ربع قرن في عضوية البرلمان. قد يخلون مواقعهم للنواب الجدد. اضافة الى استبعاد كافة العناصر التي تدور حولها الشبهات لدرء الشبهات عن البرلمان الجديد. أما أحزاب المعارضة فهناك منها من يضمن وجوده في البرلمان الجديد ولو بالتنسيق مع الحزب الوطني.. وفي المقدمة حزب الوفد الليبرالي. وحزب التجمع اليساري. والأخذ في الاعتبار أيضا رغبة النظام في أن تمثل رموز المعارضة في البرلمان الجديد. بيد أن هناك تأكيدات بأنه لن يتم السماح لأعضاء مجلس الشورى بالترشيح في عضوية البرلمان الجديد.