لا يوجد أدنى شك في مصداقية.. أمانة.. ولاء.. حب زعماء ورؤساء وملوك العرب لشعوبهم, والرئيس الراحل حافظ الأسد واحد من هؤلاء الذين لهم بصمات حفرت في تاريخ الشعب السوري, خاصة الجيل الحالي الذي لم يعرف غير الأسد رئيسا لبلاده, فالرجل تقلد منصبه على سدة الحكم عام 1970 بعد نجاحه في احداث حركة تغيير عسكرية سلمية, شهد له الجميع قدرته على عدم اراقة نقطة دم واحدة, ووضع بهذا التاريخ نهاية للتقليد الذي وبعد وفاته بساعات قليلة اجتمع مجلس الشعب السوري في جلسة تاريخية اتخذ قرارا أثار دهشة كثير من المراقبين, وذلك بتعديل المادة 83 من الدستور التي تنص على ألا يقل سن من يتقلد رئاسة الجمهورية عن الأربعين, واستبدالها بمادة جديدة تتيح الفرصة لأن يتقلد (بشار الأسد) نجل الرئيس الراحل رئاسة سوريا. حول مستقبل سوريا على الصعيدين الاقليمي والدولي بعد رحيل الأسد.. مسار عملية السلام السوري الاسرائيلي في ظل المتغيرات الجديدة.. مدى قدرة بشار الأسد على التحكم في مقاليد الحكم في بلاده التي تعاني من مشاكل الفساد.. خصوصية العلاقات السورية اللبنانية.. وقضايا أخرى, حاور (الملف السياسي) الدكتور دراستيك هوفمان الخبير الهولندي في شئون الشرق الأوسط. مرحلة حرجة * كيف تنظر إلى الوضع في سوريا بعد رحيل الأسد؟ ـ أستطيع القول ان سوريا تمر بمرحلة شديدة الحرج وتتسم بالحساسية, كما أعتقد ان سوريا بصدد حدوث متغيرات داخلية جذرية وكبيرة.. وان كان ذلك متوقعا حتى لو لم يتوف الرئيس الأسد في هذا التوقيت, فقد شهدت سوريا خلال الفترة الماضية حالة من التوتر والقلق, اتسمت بالمتغيرات الفجائية من القبض على عدد من الشخصيات القيادية إلى الانتحار, وهذه الحالة هي مزيج من حركة تطهير وتنقية لرجالات الحكم. وقد خرجت هذه الحالة من طور السرية إلى العلانية, بعد تأكد أصوات وأجنحة المعارضة داخل وخارج السلطة وأيضا من قلب حزب البعث الحاكم, من نية الرئيس الراحل حافظ الأسد اعداد نجله الشاب بشار لأن يخلفه, كما ان تراجع صحة حافظ الأسد قبل وفاته بعدة أشهر عجل ببروز حدة الصراع على السطح, وهو الأمر الذي جعل ابنه بشار يتبنى عمليات القضاء على الفساد بمباركة والده, وقد قام بأداء هذه المهمة في تحد بالغ, ارتكز فيه على تقديم أولى أوراق اثبات ذاته لوالده كي يؤكد له على ان اختياره في محله, وانه الوريث الأمين للحكم على نهج حافظ الأسد. * هل هذه الأسباب ستؤدي لحدوث متغيرات جذرية في سوريا؟ ـ ليست هذه الأسباب هي الوحيدة, بل أيضا وجود رفعت الأسد في الصورة كمرشح لرئاسة البلاد خلفا لشقيقه, كانت تلعب دورا في حدوث التوتر داخل نظام الحاكم, فيوجد حتى هذه اللحظة أنصار لرفعت الأسد في سوريا, خاصة بعد أن قام بعملية تجميل سياسية لنفسه, وكثف من الدعاية حوله على أنه الرجل الديمقراطي الليبرالي, الذي يريد نقل سوريا لمرحلة تاريخية جديدة. وقد تضمنت الحملات الدعائية عديدا من الاسقاطات التي رامت وصف شقيقه الراحل حافظ الأسد بـ (الديكتاتورية والتسلط) , إلا ان حملاته الدعائية واكبتها حالة انعاش لذاكرة وتاريخ الشعب السوري, باعتبار رفعت الأسد المسئول عن حمامات الدم في عملية حماة عام 1982, التي راح ضحيتها 20 ألف من السنيين (الاخوان المسلمين) , ومواطنين لم يكن لديهم ناقة ولا جمل في الدين أو السياسة. استحقاقات الفساد * تحدثت عن عمليات تطهير داخل السلطة.. هل لك أن تلقي الضوء عليها؟ ـ كان محمود الزعبي هو أول ضحايا حركة محاربة الفساد والرشوة التي يقوم بها بشار الأسد, والزعبي هو الذي كان يتقلد منصب رئيس الوزراء منذ عام 1987 وحتى اقالته في مارس من هذا العام, وسرعان ما أقيل من حزب البعث الشهر الماضي وتقرر تقديمه للمحاكمة, ثم تم العثور عليه مقتولا في شقته, ووفقا لتقرير السلطات الأمنية انه انتحر باطلاق الرصاص على رأسه, والضحية الثانية هو سليم ياسين نائب رئيس الوزراء السابق الذي صدر أمر بالقبض عليه ومحاكمته, وشملت هذه العملية أيضا مفيد عبدالكريم وزير النقل السابق وعددا كبيرا من القيادات بين الاقالة والقبض عليهم, والضحية الأخرى هو الجنرال حكمت شهابي أحد قادة القوات المسلحة في سوريا على مدار 20 عاما, والذي وجهت إليه اتهامات كثيرة أهمها اخفاء معلومات عن الرئيس الأسد تمثلت في مخالفات رئيس الوزراء السابق وعدد من القيادات السياسية, وهذا الرجل قد أحيل للمعاش العام الماضي, لكنه تمكن من السفر للولايات المتحدة الأمريكية. ويذكر ان نائب رئيس الجمهورية السوري عبدالحليم خدام ورئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري قد شوهدا في مطار بيروت لوداع الشهابي يوم سفره الثلاثاء السادس من يونيو الجاري. * هل هذه الأحداث ستؤدي لدخول سوريا مرحلة سياسية جديدة اقليميا ودوليا؟ ـ نعم.. هذه الأحداث بالاضافة إلى ما ستكشفه الأيام المقبلة من عمليات مماثلة ستؤدي لدخول سوريا مرحلة جديدة, وهذه المرحلة قد بدأت بالفعل, وذلك منذ الساعات الأولى للرحيل المفاجئ للقوات الاسرائيلية عن جنوب لبنان. فالرئيس الراحل كان قد تأكد قبل مماته من ضرورة الاسراع لاستئناف مفاوضات السلام مع اسرائيل لاستعادة الجولان, وذلك لعدة أسباب أهمها: 1 - الوضع الاقتصادي الداخلي في سوريا لا يحتمل مزيدا من الأعباء والتكاليف التي تنفق على قوات الجيش السوري الموجود حتى الآن في لبنان, ومن الناحية الاجتماعية الشعب السوري وبعض أعضاء حزب البعث الحاكم يشتركان في الاتفاق على انتهاء ضرورة بقاء قوات سوريا في لبنان بعد دخول قوات الأمم المتحدة لحفظ ومراقبة السلام. 2 - الشعب السوري تسوده حالة من الغضب بسبب الأوضاع السياسية الداخلية وتفجر فضائح الفساد, بجانب المخاوف من عودة الجيش السوري من لبنان وقوامه 35 ألف ضابط وجندي, لابد من توفير وظائف لهم, في الوقت الذي تعاني فيه سوريا من البطالة. 3 - احتياج الحكومة السورية للأموال سيضطرها للدخول في اتفاقيات جديدة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, وذلك لتوفير الأموال اللازمة لدفع حركة الاقتصاد للأمام, واخراج سوريا من أزمتها. حسابات جديدة الأسباب السابق ذكرها ستدفع بالحكومة السورية الجديدة لاعادة حسابات ومعايير العلاقات الدبلوماسية مع الغرب وأمريكا بصفة خاصة للخروج من أزمتها, وأعتقد انه فور حصولها على ضمانات أمريكية وتسهيلات من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, ستحدث انفراجة على المسار السوري الاسرائيلي, وهو الأمر الذي سيواكبه تحسن في العلاقات الدولية مع الدول الأوروبية, ولا يجب اغفال ان معظم الدول الأوروبية لا تزال تتعامل مع سوريا بتحفظات. أما على الصعيد الاقليمي, إذا كان المقصود بذلك دول الجوار, فإن العلاقات السورية الايرانية ستشهد تحسنا ملحوظا خلال السنوات المقبلة في ظل النظام المعتدل والانفتاحي على الغرب بقيادة الرئيس محمد خاتمي, وبالنسبة للعراق يبقى الوضع رهينة انتهاء المشاكل القائمة بينها وبين الأمم المتحدة, ومن ناحية ثانية كف بريطانيا وأمريكا عن ضرب العراق بالطائرات وانهاء عمليتي الحظر والحصار المفروض على العراق, أما بالنسبة لتركيا فلن تستقيم العلاقات السورية معها طالما بقيت مشكلتا المياه والأكراد معلقة بين البلدين. * وماذا عن خصوصية العلاقات السورية اللبنانية؟ ـ إن جاز التعبير, يمكنني القول ان علاقات سوريا بلبنان علاقات قدرية عبر التاريخ, وسيظل الأمن في البلدين مرتبطا ببعضه, وأتوقع انه بعد أن تتوصل سوريا لاتفاقية سلام مع اسرائيل, وتنعم لبنان بمزيد من الضمانات الدولية تحميها من هجمات اسرائيلية جديدة, وكف عناصر حزب الله عن ضرب القرى الاسرائيلية من جنوب لبنان, في هذه الحالة ستزداد قوة ومتانة العلاقات, والشيء الوحيد الذي من الممكن أن يعكر صفو هذه العلاقة هو حدوث توتر في صفوف الفلسطينيين في المراحل المقبلة سواء في سوريا أو لبنان. * هل سيتمكن الشاب بشار الأسد من حكم سوريا على نهج والده؟ ـ بشار الأسد شأنه شأن من سبقه في هذه المواقف, ففي المغرب نجح الملك محمد بن الملك الحسن في إدارة البلاد, وكذلك الملك عبدالله في الأردن. وبشار الأسد سينجح في ضبط الأمور, ليس بفضل قدراته الشخصية التي لا أنكر وجودها, لكن سيعود الفضل في قدرته على ادارة دفة الحكم في سوريا لقواعد حزب البعث الحاكم, وخاصة أصحاب المصالح في بقائهم في السلطة. ولقد كان القرار التاريخي الذي اتخذه مجلس الشعب السوري بتغيير المادة الدستورية لافساح المجال أمامه ليكون رئيسا للبلاد أبلغ دليل على ذلك, فلولا حزب البعث لما حدث ذلك. في ذات الوقت أتوقع حدوث صراع بين الشاب وعمه رفعت الأسد, وليس من المستبعد حدوث مواجهات خلال السنوات المقبلة قد تهدد أمن سوريا. أجرى الحوار في هولندا: د. سعيد السبكي