سوريا بلد مهم في المنطقة العربية وفي الشرق الأوسط تؤثر في أوضاعهما وموازينهما. والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان قائداً كبيراً لهذا البلد المهم على مدى ثلاثين عاما تمكن خلالها من ان يفرض نفسه على عالم السياسة في بلده وفي المنطقة. ومن هنا فإن رحيل الأسد يمثل حدثاً مهماً وبارزاً تنشغل الدوائر المختلفة بتحليل آثاره. وفي هذا الاطار يبحث هذا المقال في الوضع الداخلي في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. وبداية فإن عملية انتقال السلطة إلى الدكتور بشار حافظ الاسد تتم في يسر ودون مشاكل تذكر ففي نفس يوم وفاة والده قام مجلس الشعب السوري بتعديل الدستور ليخفض سن المرشح لمنصب الرئيس الى 34 عاماً. وفي اليوم التالي اجتمعت القيادة القطرية لحزب البعث ورشحت بشار الأسد لمنصب الرئاسة, كما قدمت القوات المسلحة دعمها وتأييدها وذلك في زيارة قام بها وفد من قيادتها برئاسة وزير الدفاع مصطفى طلاس. وفي نفس اليوم صدر قرار القائم بأعمال الرئيس بترقية الدكتور بشار إلى رتبة (الفريق) وتعيينه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة. ويحظى بشار الأسد بتأييد شعبي واسع عبرت عنه الجموع والمسيرات الجماهيرية الضخمة في الشوارع السورية. ويأتي جزء مهم من ذلك التأييد من المكانة التي حظي بها الرئيس الراحل داخل بلده وبخاصة منذ منتصف الثمانينيات. وفيما يبدو لا توجد صعوبات ولا مشاكل حقيقية في طريق خلافة بشار لوالده الراحل حافظ الأسد. فالبيان الذي صدر عن رفعت الأسد من منفاه في أوروبا مطالباً بطرح اسمه (كبديل ديمقراطي) وصف بأنه (زوبعة في فنجان) وبأنه يفتقد المصداقية لأن السيد رفعت لا يمكن ان يكون بديلاً (ديمقراطياً) كما انه فقد معظم, انه لم يكد كل مصادر قوته السياسية داخل سوريا. بشار الأسد هو اذن الرئيس السوري القادم. فكيف ستكون اوضاع سوريا الداخلية في عهده, وهل ستتغير الموازين والسياسات على نحو ملحوظ أم سيحتفظ النظام السوري بأركانه ويتبنى ذات السياسات التي ارساها حافظ الأسد؟. في المرحلة الأولى من حكمه سوف يستفيد الرئيس القادم من الشرعية السياسية للرئيس الراحل حافظ الأسد, وسوف يعتمد كذلك على عناصر (الحرس القديم) التي استمرت في مواقع الحكم حتى الآن وقدمت دعمها السياسي الكامل لبشار الأسد, وفي مقدمتهم نائبا الرئيس وقادة المؤسسة العسكرية وقيادة حزب البعث ورئيس الوزراء. فهؤلاء اما انهم اجتازوا اختبار (الحملة ضد الفساد) التي اطلقت مؤخراً في سوريا وكان لبشار الأسد دور كبير فيها واما انهم صعدوا إلى مواقعهم القيادية كنتيجة لتلك الحملة, مثل السيد مصطفى ميرو رئيس الوزراء, أو قبل تلك الحملة بوقت غير طويل مثل العماد علي اصلان رئيس اركان القوات المسلحة. وربما يكون من مصلحة النظام وقائده ان يتم تجديد عناصر النخبة بعد مرور بعض الوقت. فلكل عهد رجاله ولكل نظام (حرسه الجديد) ربما يكون ذلك الاحلال والتجديد في النخبة السياسية مرتبطاً بانتماء بشار الأسد نفسه إلى جيل الشباب, بما يحسن من فرص عناصر شابة في الصعود إلى مناصب سياسية عليا. وقد يكون صعود عناصر من (الحرس الجديد) أمراً مهماً في سياق عملية بناء شرعية سياسية جديدة للنظام. ولكن في جميع الأحوال سيكون مطلوباً الاحتفاظ ببعض عناصر الحرس القديم الذين يمثلون دعما مهما للنظام الجديد ويقدرون على انفاذ توجهاته والتعبير عنه جنباً إلى جنب مع عناصر الحرس الجديد. ولقد علمتنا التجارب ان التغيير في عناصر النخبة في الأنظمة التي لا تعرف (تداول السلطة) ديمقراطياً لا يكون كبيراً عند تغيير شخص القائد. ان مقتضيات الاستمرار والاستقرار تستلزم الاحتفاظ بكثير أو ببعض من عناصر النخبة القديمة. وفي نفس الوقت سيكون من مصلحة (القائد الجديد) ان يكون له رجاله الذين يشكلون نخبته الخاصة. غير ان عملية تجديد النخبة تلك لابد ان تتم بطريقة تدريجية تضمن استمرار النظام واستقراره وتجانس نخبته. ومن ناحية أخرى عمل الرئيس الراحل حافظ الأسد في السنوات التي سبقت وفاته على اعداد المسرح السياسي بطريقة تسمح بانتقال السلطة بسلاسة لابنه بشار. فقد دربه تدريباً سياسياً مكثفاً وعهد اليه بمسئوليات وملفات صعبة وجعله في مركز الحكم والسلطة, مما اكسبه حساً سياسياً يعوضه, ولو جزئياً, عن حداثة دخوله إلى عالم السياسة بعد وفاة شقيقه الاكبر باسل الأسد في يناير 1994. وشملت عملية اعداد المسرح تلك ازاحة بعض عناصر النخبة مثل رئيس الأركان السابق الذي كان قد شغل منصبه لمدة 24 عاما تقريبا, وضخ دماء جديدة في شرايين مؤسسات سياسية مهمة مثل مجلس الشعب وحزب البعث. فقد تم تغيير جميع امناء المحافظات في حزب البعث, كما دخل مجلس الشعب اكثر من 80 عضواً من رجال الأعمال من المستقلين الذين لا ينتمون إلى حزب البعث. وتوجت عملية التغيير والتجديد هذه بتغيير الوزارة ودخول عناصر جديدة اليها من المؤمنين بسياسات الاصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد وربما الانفتاح السياسي. ويعزى هذا التغيير الاخير إلى الوزن الكبير الذي أصبح لنجل الرئيس الراحل بشار الأسد. وعلى مستوى السياسات الداخلية فان المشكلات الاقتصادية ومشكلة الفساد تمثل أكبر التحديات التي تواجه الحكم الجديد في سوريا. كذلك فإن غياب الرئيس الأسد عن الساحة سيترك فراغاً يمكن ان يشجع قوى وعناصر سياسية في الداخل على المطالبة بادخال اصلاحات سياسية داخلية, وبالذات توسيع هامش الحرية السياسية, ومزيد من احترام حقوق الانسان, ومزيد من الانفتاح على العالم الخارجي, وما يحدث فيه من تغيير هائل في مفهوم الحكم وفلسفته نحو تمكين مؤسسات القطاع الخاص الاقتصادي ومؤسسات المجتمع الأهلي ومنظماته غير الحكومية من لعب دور مؤثر في عملية صناعة السياسة, جنباً إلى جنب مع الأجهزة والمؤسسات الحكومية الرسمية. وينسب إلى بشار الأسد ايمانه بمكافحة الفساد وبضرورة تحقيق اصلاح اقتصادي وتشجيع القطاع الخاص. وسيكون مفيداً للرئيس القادم ان يتبنى سياسات جديدة اقتصادية (تحرير اقتصادي ودور اكبر لمنظمات القطاع الخاص والتخلي عن التحكم الحكومي المركزي في ادارة الاقتصاد وصنع سياساته), وسياسات جديدة ايضا في مجال مكافحة الفساد وتعميم التجربة كي تشمل اية عناصر اخرى كانت قد تورطت في الفساد من قبل, والانتقال بالسياسة السورية الى مرحلة جديدة قوامها الشفافية والمحاسبة والرقابة الشعبية على اجهزة الحكومة وسيكون على النظام الجديد ايضا. ان يمنح هامشا اكبر لحرية الرأي وحرية التعبير في الصحافة ومختلف وسائل التعبير في اجهزة الاعلام واجهزة الفن والادب. والمعضلة التي ستواجه النظام الجديد تتمثل في ان امتلاكه لقاعدة من الشرعية والقوة السياسية المستقلة والخاصة بعد فترة من الزمن هي امر ضروري محقق لمصلحته ويعطيه دفعة الى الامام وهذه الشرعية السياسية الجديدة لا تتحقق الا من خلال حزمة سياسات الاصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد والشفافية والمحاسبية واحترام حقوق الانسان وحريته في التعبير والممارسة. كما ان هذه السياسات مطلوبة ايضا لخلق مناخ جديد يجعل المجتمع السوري اقدر على مواجهة مشكلاته الاقتصادية وكذا مشكلة الجمود المترتب على سيادة مؤسسات (التعبئة) وليس مؤسسات (المشاركة) السياسية. ولكن على الجانب الاخر من الصورة سيكون هناك من يجد في مثل تلك السياسات الجديدة إضرارا بمصالحه وربما يكون هؤلاء او بعضهم من المتنفذين في النظام ومن ثم فقد يعمدون الى منع ظهور تلك السياسات او قبولها شكلا واعاقة تنفيذها عملا. وقد يتم تصوير الامر على ان اتباع تلك السياسات (الجديدة) من شأنه ان يضر بأمن النظام او حتى بالأمن القومي. كما ان اتباع تلك السياسات من شأنه ان ينشىء قوى اجتماعية سياسية ذات فكر وتوجهات جديدة ولا مصلحة في احداث تغييرات جذرية قد لا يحتملها النظام, وبخاصة في ظل استمرار اعتماده على بعض المصادر القديمة للشرعية المستمدة من تراث النظام القديم خلال فترة حكمه الطويلة. بقلم: د. مصطفى علوي وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة