إذا كان استمرار النهج الذي أرساه الرئيس حافظ الأسد أمرا مؤكدا على الأقل في المدى المنظور فانه مما لاشك فيه أن مرحلة جديدة في تاريخ سوريا سوف تبدأ, بتولي بشار الأسد مقاليد الحكم, وبالقدر الذي يمكن أن تتواصل في إطاره الثوابت السورية التي رسخت على مدى ثلاثة عقود, فإن مستجدات الواقع في شرق أوسط مختلف بعد والحنكة, ومما يضاعف من حجم المسئولية, أن الرئيس الراحل كان بمقدوره دائما صياغة رؤية استراتيجية واضحة للأوضاع القومية والاقليمية والدولية, على أساس تحليل موضوعي يميز بين الواقع والحلم, مهما كانت درجة تشابك الأمور وضبابيتها. كان حافظ الأسد ينطلق في رؤيته من أن سوريا ليست الأكبر مساحة أو سكانا أو الأغنى عربيا أو اقليميا, إلا أنها مع ذلك جديرة بأن تكون ذات وزن اقليمي يفرض وضعها في الاعتبار عبر أي حسابات اقليمية أو دولية تتعلق بالمنطقة, وانطلق الأسد في ارساء ذلك وترسيخه عبر تقوية سوريا داخليا بالاعتماد على الذات, والارتكاز على التضامن العربي كمرتكز أساسي لضمان دور سوري فاعل, ومن جهة أخرى, كان البعد الدولي واضحا عند صياغة الأسد لاستراتيجيته, خلال السبعينيات والثمانينيات, تم تعديل المنطلقات مع الاحتفاظ بالأهداف والغايات في التسعينيات, بالقدر الذي أتاح لسوريا التكيف مع حجم التحولات الدولية الهائل خلال العقد الأخير من القرن العشرين. هكذا نجح الأسد في تحويل سوريا من دولة يتنازع الآخرون النفوذ عليها, الى قوة اقليمية تصوغ معادلات المنطقة مع القوى الفاعلة الأخرى ورقما لايمكن تجاهله من جانب القوى الدولية المؤثرة سواء قبل نهاية الحرب الباردة أو بعدها. منظومة اقليمية استطاعت سوريا - الأسد في اطار هذه الر ؤية الاستراتيجية - أن تصوغ منظومة اقليمية تتناسب والدور الذي تطمح الى لعبه, سواء عبر دورها في لبنان, أو تحالفها مع ايران, ثم توثيق علاقاتها مع مصر التي أصبحت حليفها الاستراتيجي أو السعودية بتأثيرها في منطقة الخليج, والسياسة العربية بشكل عام. من ثم نجح نظام حافظ الأسد في التصدي لمخططات الهيمنة والتهميش رغم الضغوط الأمريكية والصهيونية, واستطاع بمهارة أن يتعاطى مع المحددات الاقليمية والدولية حتى في ظل عصف رياح التغيير العاتية, بالنظام الدولي في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعيينات, وما ألقته من ظلال كثيفة وكئيبة على المنطقة. تلك كانت ملامح الدور السوري خلال العقود الثلاثة المنصرمة التي شهدت استقرارا غير مسبوق, في ظل حكم حافظ الأسد, الذي نجح عبر منهج الواقعية السياسية أن يوائم بين ثوابته الوطنية, والقومية والمتغيرات والمستجدات التي هبت رياحها على المنطقة والعالم, فلم تكن هذه الثوابت قيدا على تحالفاته وتحركاته على الرقعة الاقليمية والدولية, ولم تكن تلك الأخيرة دافعا يبرر تخليه عن الثوابت التي حددها عند صياغة رؤيته الاستراتيجية, وحدود الدور الذي يمكن أن يلعبه بلد بحجم وظروف سوريا. اختبارات أولية لاشك أن الأمر على هذا النحو يلقي على من يخلف حافظ الأسد مسئولية ضخمة حتى يستطيع الحافظ على الانجازات التي تم تحقيقها, ثم الانطلاق بها الى آفاق تتسق مع ما يستجد من معطيات اقليمية ودولية, خاصة وأنه من المتوقع أن يمارس أكثر من طرف اقليمي ودولي ضغوطا, سواء بهدف وضع النظام الجديد في اختبارات أولية لقياس اتجاهاته, أو في محاولة لتحقيق مكاسب سريعة, اعتمادا أو رهانا على أن بشار الأسد بحاجة الى وقت كاف لانجاز مهمتين متلازمتين: الأولى تتعلق ببعض الترتيبات داخل البيت السوري, والثانية تتعلق باستكمال ملف السلام, لأن البلاد بحاجة ماسة الى تحقيق هذا الأمل, لكن وفاء الابن لتراث أبيه القومي, ربما يجعله أكثر تشددا في المفاوضات المقبلة, مما يترتب عليه حجم ضغوط أكبر, لدفعه نحو اتخاذ خطوات سريعة على طريق التسوية السلمية, ظنا بأن يؤتي طرق الحديد الساخن نتائج أفضل.. للآخر بالطبع! الداخل والخارج بالمقابل فإن المتوقع من القيادة السورية الجديدة أن تدير الملف الداخلي, وملف السلام بالطريقة التي تضمن توحيد الصف الوطني, عند حسم عملية التسوية نهائيا, وما قد يتطلبه ذلك الأمر من اعادة توجيه السياسة الخارجية , على ضوء الظروف المترتبة على رحيل حافظ ا لأسد. والى حد بعيد فإن المنتظر أن يستثمر بشار الأسد العلاقة بين الملفين في الحد من أي انقسامات أو حتى صراعات محتملة, وربما كان ذلك هو الامتحان الأول لبشار, الذي تؤثر نتيجته على طبيعة الدور السوري عربيا واقليميا من ناحية, وعلى أنماط علاقاتها الدولية من ناحية أخرى.. في هذا الصدد: فإن القيادة الجديدة, خلال المرحلة المقبلة مؤهلة تماما أو يجب أن تكون كذلك لادراك أن طبيعة السياسة السورية, وليس توجهها الايديولوجي, هي التي حددت دورها الاقليمي, الذي أجادت لعبه, في ظل قدرة على المناورة, والحركة الواسعة, مع الالتزام بسياسة النفس الطويل, وتجنب الانزلاق الى مواجهات مباشرة غير محسوبة لاتملك أدوات كافية أو ناجعة للتعامل الحاسم والصحيح معها. تكتيك الانتظار من هنا فإن الآمال الوطنية المفرطة, أو الرهانات الخارجية الضاغطة, على نظام بشار بأنه سوف ينحو منحى أكثر انفتاحا أو ليبرالية أو حداثة, لايجب أن تشكل قيودا غير ملموسة, أو ضغوطا غير مرئية تشبه (نداهة) الأساطير بحيث تدفع سوريا في مرحلة ما بعد حافز الأسد الى خيارات غير دقيقة, يمكن أن تمثل في جوهرها قطيعة مع الخط الذي تم انتهاجه خلال ثلاثة عقود. إن اعتماد تكتيك الانتظار والتريث قد يكون هو الأنسب لنظام بشار الأسد, خلال المرحلة الأولى من حكمه, مع الابقاء على الثوابت والمنطقات الاستراتيجية التي حكمت السياسة السورية خلال المرحلة السابقة, ليس فقط بقصد التقاط الأنفاس بعد رحيل الرئيس الأسد, أو بهدف اعداد (تقدير موقف) على ضوء الفراغ الذي تركه رجل بحجمه, لكن وهذا هو الأهم لرصد المستجدات, وردود الأفعال التي سوف تبدو في صورة (مجسات) أو مبادرات تطرحها أطراف اقليمية أو دولية خلال المرحلة القريبة المقبلة. مهام وأولويات وإذا كانت ثمة تحليلات تذهب الى أن رحيل الأسد لابد وأن يشكل تهديدا للاستقرار داخل سوريا, والاستقرار الاقليمي, فإن على القيادة الجديدة أن تسعى لتأمين الاستقرار على الصعيدين الوطني والاقليمي من خلال: ترتيب دقيق لأولويات السياسة السورية في المرحلة المقبلة, خاصة على صعيد الترابط بين المهام الداخلية, والقضايا الخارجية. الاستمرار في تمتين العلاقة الخاصة مع لبنان, بما يمثله من خصوصية جيو - استراتيجية لأمن واستقرار سوريا, والى حد بعيد فإن الاصرار على تلازم المسارين السوري واللبناني يمثل بالتأكيد صمام أمان ضرورية للحفاظ على مصالح الدولتين وسلامة العلاقة بينهما. مواصلة عملية (إعادة تأهيل) العلاقة مع العراق, والتي شهدت الفترة الأخيرة من حكم حافظ الأسد خطوات عملية واضحة في اتجاهها, إذ أن العراق بما يشكله من عمق استراتيجي لسوريا يجعل من استمرار انفتاح دمشق على بغداد أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة. التمسك بالعلاقة الخاصة مع كل من مصر والسعودية, في اطار المثلث الاستراتيجي الذي حكم العلاقة بين الدول الثلاث, بما تمثله من وزن وثقل مؤثر في المعادلات الاقليمية الحاكمة للمنطقة. الحفاظ على مستوى العلاقات مع ايران, الشريك الاستراتيجي الاقليمي لسوريا, لضمان استمرار التوازن في مواجهة الحلف الاسرائيلي - التركي. استكمال خطوات التقارب مع تركيا التي بدأت خلال الشهور الأخيرة من حكم الرئيس الأسد, انطلاقا من أن تركيا في النهاية جار مسلم, تجمعه أواصر تاريخية ومصلحية عديدة مع العرب عموما, وسوريا بوجه أخص, وعدم ترك الساحة خالية أمام اسرائيل, وهو خطأ عربي - تركي مشترك, أكثر منه مهارة اسرائيلية. استمرار التحرك السوري لتفعيل الدور الأوروبي في المنطقة, الى جانب الدور الأمريكي بالطبع, استثمارا لما تتمتع به أوروبا خاصة فرنسا من مكانة هامة, من حيث علاقاتها التاريخية مع المنطقة وخصوصية العلاقة مع سوريا, وكان الرئيس الأسد قد بدأ خطوات مؤثرة في هذا الاتجاه خلال زيارته لباريس في منتصف عام 98 . لقد أثبتت سوريا - الأسد - خلال أكثر من ربع قرن, قدرة فائقة على التعاطي مع المتغيرات العربية والاقليمية والدولية, وأن تنسج تحالفات وتوازنات عربية واقليمية معقدة, وفق حسابات دقيقة, لتجني ثمارها بعد فترة من العمل الدؤوب, والمثابرة, والنفس الطويل, ولاشك أن سوريا - الأسد - تختلف كثيرا عنها فيما سبق من مراحل تاريخها الحديث والمعاصر, الأمر الذي يلقي بتبعات جسام على القيادة السورية الجديدة خلال المرحلة المقبلة, حتى تضمن استمرار الدور العربي والاقليمي, والتأثير الدولي, الذي نجح حافظ الأسد في صياغته بصبر وأناة خلال فترة حكمه, ولم تعرفه سوريا من قبل, لكن الرهان على مواصلته بعد رحيله أمر وارد الى حد بعيد. المهمة بالتأكيد صعبة وثقيلة, لكنها باليقين واستقراء التاريخ ليست مستحيلة! بقلم: علاء عبدالوهاب