خسرت سوريا والامة العربية بوفاة حافظ الاسد زعيما اتخذ موقفا حازما في المفاوضات مع اسرائيل وتمسك بالحقوق السورية التي ساندتها الشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن بأن تستعيد سوريا جميع الاراضي التي استولت عليها اسرائيل نتيجة لعدوانها عام 1967, ولم يحد عن المبادىء التي اعلنها والتزم بها عندما جعل من السلام اختيارا استراتيجيا, اولا: مبدأ الارض مقابل السلام ليس له سوى معنى واحد هو كل الارض مقابل كل السلام, وثانيا: ان التسوية على ما سمي بالمسار السوري لكي تكون جديرة بأن تحمل توقيعه لابد ان تكون تسوية نهائية وكاملة لا تترك قضية او مسألة حتى لو كانت بضع امتار من الارض معلقة تنتظر مرحلة قد تأتي او لا تأتي لمزيد من مساومات غير مأمونة العواقب. ولم يقع تحت اي اغراء بقبول تسوية لا يتجسد فيها هذان المبدءان. وعندما جاء كلينتون في اواخر مارس من العام الحالي يحمل في حقيبته ما ظنه هدية ثمينة لابد ان يسيل لها لعاب الرئيس السوري هدية لا تقل عن مرتفعات الجولان كاملة غير منقوصة فيها عدا امتار قليلة لا بأس ان نعتبرها من التفاصيل التي لا تحتمل معها ضررا يذكر تفصل بين سفح المرتفعات وبحيرة طبرية وتتفق الحدود المقترحة على اي حال مع الخطوط التي رسمتها دولتا الانتداب وبريطانيا وفرنسا عام 1923 بين سوريا وفلسطين فاجأه الرئيس الراحل بمحاضرة طويلة عن الحقوق القومية واعاده خاوي الوفاض كالمحامي الخائب الذي عاد الى موكله عابسا يشكو من تعنت الخصم ورفضه للمساومة. ورغم ان الرئيس الاسد كان يعاني من متاعب صحية منذ سنوات الا انه كان هناك ما يشبه الاطمئنان الى ان حالته بلغة الاطباء تحت السيطرة وان امامه على الاغلب بضع سنوات لترتيب البيت السوري, لذلك جاء رحيله مفاجأة في الداخل والخارج, وربما لم يأت هذه المفاجأة في افضل الاوقات. كانت مسألة سوريا بعد الاسد بعيدة عن الحسم وكان هناك نوع من الاتفاق الضمني او التفاهم داخل المؤسسة الحاكمة, الحزب وقيادات الجيش, على ان بشار الاسد هو اصلح من يواصل مسيرة والده, الا ان بشارا لم لم يتجاوز الرابعة والثلاثين, وعملية الاعداد السياسي عملية طويلة ومعقدة وقد بدأت قبل ست سنوات عندما فقد الاسد ابنه الاكبر باسل في حادث مروع وقطع بشار دراساته العليا في مجال طب العيون في بريطانيا وعاد الى عجل ليكون بجوار ابيه والتحق بالجيش وتدرج في صفوفه واكتسب رتبا عسكرية رفيعة كما اوكلت اليه مسئولية العلاقات السورية مع لبنان, وبدأ اعداده في عالم السياسة الخارجية المتشعب بزيارات لبعض البلاد العربية الى جانب زيارته لفرنسا واجتماعه مع الرئيس شيراك, وكان من المقرر ان يتم انتخابه في مؤتمر لحزب البعث في الاسبوع المقبل نائبا للرئيس ليكون امامه من هذا الموقع المتقدم ست سنوات يصبح بعدها حيث يبلغ سن الاربعين مستوفيا للشروط الدستورية التي تجعل من هذا السن السحري العلامة الفارقة لتولي منصب الرئاسة ولكن القدر كانت له حسابات اخرى. وعلى صعيد التسوية السلمية كان الباب موصدا بعد ان ادار الاسد ظهره للعرض الذي بعث به باراك في حقيبة الرئيس الامريكي, وظنه عرضا لا يمكن رفضه وبعد ا تحقق باراك ان الآذان السورية ليست على استعداد لسماع مزيد من المرواغة والألاعيب وفي الاسابيع الاخيرة بدأ الحديث عن بصيص امل في عودة الحياة الى المسار السوري, وقيل ان الاسد لم يغلق الباب تماما بل تركه مواربا وانتشرت التقارير عن مقترحات توفيقية ربما ترضي السوريين وتحقق لاسرائيل جوهر ما تريد وتمنح كلينتون لقب صانع السلام. وفيما يتعلق بالوضع الداخلي في سوريا جاء الرحيل المفاجىء في الوقت الذي قاد فيه بشار حملته ضد الفساد ولم ينج منها نفر من اقرب المقربين الى الرئيس في الوقت نفسه لم يكن قد مضى على انسحاب اسرائيل من لبنان اكثر من اسابيع قليلة ولم يجد المتربصون بالعلاقات اللبنانية السورية فرصا افضل لاثارة الشقاق والحديث عن جدوى بقاء القوات السورية في لبنان. وهكذا اذا نظرنا الى الاوضاع الخارجية والداخلية لسوريا والقضايا التي لم تزل معلقة يوم وفاة الزعيم ربما نجد ان يوم الرحيل لم يكن اكثر الايام مناسبة. وربما تكون هذه خلفية ضرورية لطرح التساؤلات عن سوريا بعد الاسد في الداخل والخارج, وعلى الجبهة الداخلية تدل التطورات المتلاحقة على ان عملية انتقال السلطة تسير بشكل سلس حيث تم تعديل الدستور دون صعوبة وسيختار البرلمان السوري بشارا كمرشح وحيد يطرح في استفتاء عام وردود الفعل الشعبية تدل سلفا على نتيجة الاستفتاء, كما اعلنت المؤسسة العسكرية وقوفها الى جانب بشار الا ان هذا لا يعني بالضرورة ان انتقال السلطة لن يواجه قدرا ولو شكليا من التحديات, رفعت الاسد بدأ عن طريق المحطة الفضائية التي يملكها نجله يعلن احقيته بالرئاسة وينتقد ما تم من خطوات حتى الآن بأنه مناف للدستور ولا يستبعد المراقبون ان تظهر خلال فترة مقبلة طموحات سواء من داخل حزب البعث او المؤسسة العسكرية. لذلك ستكون المهمة الاولى لبشار الاسد ان يوطد مكانته وان يحتوي العناصر الطامحة الى القيام بدور في المرحلة المقبلة, بهدف تحقيق الاستقرار الداخلي, ويتطلب ذلك مهارة وحنكة كان عند الرئيس الراحل منها القدر الكبير, والرئيس الجديد في اشد الحاجة اليها على الاقل في المدى المتوسط بعد ان تهدأ موجة اظهار الوفاء للأسد الراحل عن طريق الولاء للاسد المقبل وربما تأخد المطالبة بدور في السلطة حينذاك شكلا اكثر حدة وتقترن بتوجيه انتقادات الى الرئيس الجديد, ويسعتمد الموقف على مدى ما يبديه بشار من حكمة في مواجهة الخلافات, وربما لا تأتي كذلك من داخل هذه المؤسسة وقد بدأ بشار في حياة والده حملة عاتية ضد الفساد والانحرافات وهذه الحملة اكسبته شعبية خاصة بين الشباب, ولكنها في الوقت نفسه قد تثير حفيظة بعض من الذين كانوا مقربين من ابيه وادت هذه الحملة الى اقصائهم عن مناصبهم. والتحدي الآخر الذي يواجه الرئيس الجديد على الجبهة الداخلية هو الوضع الاقتصادي فالاقتصاد السوري ليس في احسن احواله والمشكلات الاقتصادية عديدة ومتشعبة, وقد بدأ الرئيس الاسد منذ الثمانينيات في الاخذ ببعض برامج الاصلاح الاقتصادي, الا ان ذلك كان بخطوات بطيئة ومحسوبة سياسيا, وكانت الاولوية حينذاك هي تحاشي اية نتائج اجتماعية غير مرغوب فيها يمكن ان تترتب على تطبيق الوصفات التي بشرت بها هيئات مثل البنك الدولي وصندوق النقد. كان السير في تلك الاصلاحات جزئيا وحذرا ومحكوما بالاعتبارات السياسية وبشار يدعو الى تحديث الاقتصاد وادخال اصلاحات والاخذ بأسباب الدولة الحديثة, ولكن الى اي مدى تحديث الاقتصاد وادخال اصلاحات والاخذ بأسباب الدولة الحديثة, ولكن الى أي مدى سيمضي في التحول نحو اقتصاد السوق, والى اي مدى ستستطيع سوريا بامكانياتها الاقتصادية المحدودة ان توفر الخدمات الاجتماعية التي تخفف من وطأة هذا التحول على محدودي الدخل؟ لا شك ان هذه الاعتبارات جميعها ستكون في وعي القيادة السورية الجديدة وستتركز الانظار على بشار ويتربص به المنتقدون ان ادى الاصلاح والتحديث الذي يدعو اليه الى مشكلات اجتماعية ومن المعتقد ان بشارا كان وراء الانتقاء المتأني لعدد من الوزراء في الوزارة الجديدة التي شكلها الرئيس الاسد في مارس, والذين يؤيدون التحول الى اقتصاد السوق, ومن المعتقد كذلك انه كان وراء القرارات الاقتصادية قبل شهرين بشأن العملات الاجنبية وقوانين الاستثمار ومن المتوقع ان تشهد سوريا في عهده الاستمرار في عملية التحول الاقتصادي والتحديث. خيارات السلام والمجال الآخر للتحديات التي تنتظر الرئيس الشاب هو عملية السلام والمفاوضات مع اسرائيل وقد رحل الاسد الاب على غير ما كان يأمل قبل ان يحقق هدفا غاليا عليه وهو تحرير الارض السورية من الاحتلال الاسرائيلي الذي استكمل يوم رحيله 33 عاما كاملا, وترك عملية التفاوض في حالة من التجمد والسؤال هو: ما هي الخيارات المتاحة امام القيادة السورية الجديدة؟ اولا فيما يتعلق بجوهر عملية التفاوض مع اسرائيل, التزم الرئيس الراحل بخط واضح لم يحد عنه, ذلك هو قبول السلام كخيار استراتيجي وفي الوقت نفسه التمسك باستعادة جميع الاراضي المحتلة لا تنقص شبرا واحدا ومن الصحيح ان هذا الموقف الحازم حال بين الاسد وبين التوصل الى تسوية قبل وفاته ولكنه في الوقت نفسه احدث تغييرا جوهريا في الموقف الاسرائيلي وفي الموقف الامريكي. وبغض النظر عن موقف الرئيس السوري الجديد من جوهر القضية المطروحة على المسار السوري, ربما لا يحدث اي تحرك على تلك الجبهة لفترة طويلة والاسباب لذلك كثيرة. اولا سيجد الرئيس الجديد امامه اولويات ملحة: تدعيم وضعه داخليا في مواجهة تحديات متوقعة, الالتفات الى الوضع الاقتصادي وتطبيق الاصلاحات الضرورية وتحديث الاقتصاد. ثانيا ان عملية انتقال السلطة مهما كانت درجة السلاسة والسهولة التي تمضي بها ستستغرق وقتا لاستكمال جوانب الشرعية, لابد ان يعلن البرلمان ترشيحه لبشار رسميا, ولابد ان يعرض هذا الترشيح على الشعب السوري في استفتاء عام خلال تسعين يوما وعندما تكتمل هذه الشرعية سيكون الرئيس الجديد في حاجة الى مزيد من الوقت لدعم سيطرته على الاوضاع في الداخل. كذلك لن يكون كلينتون في وضع يمكنه من رعاية مبادرات جديدة, سيصل ضجيج انتخابات الرئاسة الامريكية حينذاك الى اوجه وتصبح البطة العرجاء في البيت الابيض حينذاك بطة كسيحة في الوقت نفسه يبدو وضع باراك الداخلي بعيدا عن الاستقرار وليس يستبعد ان ينهار كلية. لذلك من المرجح ان يظل المسار السوري في حالة تجمد على الاقل لمدة سنة وربما سنتين وحتى اذا افترضنا ان القيادة السورية الجديدة قد تشعر ان الوقت قد حان لحسم مفاوضات عملية السلام في اقرب وقت ممكن والخروج من الوضع الحالي لتركيز الجهود كلية على المشكلات الاقتصادية الملحة, سيتطلب الامر ـ لكي تجد جدوى في السير في هذا الطريق ـ ان تسلم اسرائيل بحق سوريا في استعادة اراضيها المحتلة بالكامل دون شروط او تحفظات ولا تبدو حكومة باراك قادرة على اتخاذ هذه الخطوة في الوقت الحاضر. بقلم: محمد خليل كاتب مصري مقيم في لندن