استقبلت باريس الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بوجهين في بداية زيارته النادرة. ففي حين حيا الرئيس الفرنسي جاك شيراك الليلة قبل الماضية نظيره الجزائري (رجل الدولة الذي يعيد الامل والشجاعة الى الجزائر الجريحة) , فيما أبدى الاشتراكيون تبرما من الحفاوة (المبالغ فيها) من قبل شيراك, فيما وصف بعض نواب البرلمان بوتفليقة بـ (الارهابي القديم) وقاطعوا خطابه أمام البرلمان. ورغم كل ذلك أكد مراقبون نجاح الزيارة في محصلتها واعلن الرئيس الفرنسي خلال مأدبة عشاء رسمية اقيمت على شرف نظيره الجزائري الذي يقوم بزيارة الى فرنسا (اننا نؤمن بمستقبل الجزائر) . واضاف ان (الفرنسيين يتابعون باهتمام وامل التطورات الجارية في بلادكم) , مشيرا الى رغبة ضيفه (بعصرنة الجزائر وزيادة انفتاحها) . واشاد جاك شيراك (باسم فرنسا بشجاعة وكرامة الشعب الجزائري في معركته اليومية ضد الارهاب والتعصب والهمجية) . وجدد تأكيد (التضامن الثابت) لفرنسا في (المحنة) وفي (التجدد) . وفي مجال التذكير بنضال الشعب الجزائري في سبيل الاستقلال, تابع الرئيس الفرنسي يقول (لا انتم ولا نحن يمكننا ان ننسى ابدا الدم الذي سال والرفاق الذين سقطوا والالام من كل جانب) . واضاف (لكن الوقت لحسن الحظ يلعب دوره. لقد آن الاوان للتطلع بعزم وتصميم نحو المستقبل من دون ان ننسى شيئا من الماضي) . وقال ان (التقدم الى الامام بالنسبة الى الجزائر وفرنسا يتم بهدوء واحترام متبادل للمشاعر وبناء علاقة مطمئنة وطموحة. بكلمة واحدة, تشجيع ما يوحدنا) . وقد اشاد الرئيس جاك شيراك بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة (رجل الدولة الذي يعيد الامل والشجاعة الى الجزائر الجريحة, والذي يعيد الى هذا البلد الكبير مكانته على الساحة الدولية, والذي يعتزم كليا اعادة الثقة وروح التعاون في الحوار الذي ينبغي على شعبينا المتقاربين جدا احدهما من الاخر, المباشرة به) . وفي أجواء متقاطعة مع حفاوة شيراك, قاطع عدد من النواب الخطاب الذي ألقاه الرئيس الجزائري في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) والذي تعرض فيه الى موضوعات اساسية منها حرب الجزائر وضرورة تسمية الاشياء بأسمائها وتغيير استخدام الاحداث الجزائرية بحرب الجزائر واستبيان الصورة الواضحة لما جرى خلال استعمار الجزائر والاعتراف بالجرائم التي اقترفت بحق الشعب الجزائري في تلك المرحلة, وعلاقة فرنسا بإحلال الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في الجزائر واندماج المهاجرين الجزائريين في المجتمع الفرنسي. وهي الموضوعات الاساسية التي جاءت في خطاب بوتفليقة الذي وصف بـ (التاريخي) . ومن النواب الذين قاطعوا خطاب بوتفليقة فرانسوا دي أوبير وكلود جوسجوين من حركة (الديمقراطية الليبرالية) حيث قال الأول : (أجد انه لموقف حرج ان نستقبل باحتفاء كبير في الجمعية الوطنية الارهابيين القدماء) . وأضاف: (ثمة خرق لحقوق الانسان في الجزائر وانه لبلد يعمه الفساد) . كما حضرت ايضا اخت المغني الشهيد لونيس معتوب وبعض عوائل المفقودين الذين طالبوا بالكشف عن الجناة الذين غيبوا ابناءهم. وطالبت جمعية لونيس معتوب ان يلتزم بوتفليقة بتعهده ويعمل على الكشف عن مرتكبي الجرائم في الجزائر. ومن ناحية أخرى رفضت النجمة الفرنسية من اصل جزائري ايزابيل ادجياني, ان تشارك في العشاء الرئاسي الذي اقامه شيراك الى ضيفه قائلة: (بعيدا عن الخطابات الجميلة الرنانة نريد الاستماع الى صرخات الجزائريين الذين يطالبون بالحقيقة والعدالة. أما جمعية مراب (الحركة ضد العنصرية واللاسامية ومن أجل السلام) بعثت برسالة الى الرئيسين الفرنسي والجزائري تطالب باعادة النظر الى الاتفاقيات الثنائية بصدد دخول الجزائريين وإقامتهم في فرنسا الذين اصبحوا (ضحايا التمييز العنصري والعرقي). ويعود سبب غياب الاشتراكيين حسب تصريح لأحد المسئولين في مكتب رئاسة الوزارة الفرنسية في مكالمة هاتفية لـ (البيان) معه, الى موقف النظام الجزائري الجديد من الحركة الاشتراكية (جبهة القوى الاشتراكية الجزائرية) التي يتزعمها حسين آيت أحمد, وهي الحليف الطبيعي للأممية الاشتراكية. لكن أوساط اليمين واليسار على حد سواء رحبوا بخطوة بوتفليقة بإلقائه خطابه باللغة الفرنسية بدلا من اللغة العربية التي وعد مجلس الشعب الجزائري بالحديث بها. وبعيدا عن العراك الدائر حوله بين الفرنسيين, دعا الرئيس الجزائري الى اعادة التوازن في العلاقات الاقتصادية بين بلاده وفرنسا, مشيرا الى ان الشركات الفرنسية تستطيع ان تساهم بشكل أساسي في تجديدها. وانتقد كذلك القيود الفرنسية المفروضة على تنقل الجزائريين. وأضاف الرئيس الجزائري امام حوالي مئة من مدراء الشركات الفرنسية في باريس قائلا ان ميزان المدفوعات الفرنسي الجزائري شهد عام 1999 فائضا قدره 1,4 مليار دولار لصالح فرنسا مشيرا الى ضرورة (تفعيل تدفق الرساميل بين البلدين) . وقال ان (حضور فرنسا المصدر الاول للمنتجات الى الجزائر ضعيف في مجال الاستثمارات) منتقدا (القيود القاسية المفروضة على تنقل الافراد) (منح تاشيرات الدخول الى فرنسا للجزائريين) (والتقديرات القاسية وغير المبررة في شأن التهديد) الجزائري على الهيئة الفرنسية لضمان القروض للصادرات. وقال الرئيس الجزائري ان (دور المستثمرين الفرنسيين يستطيع ويجب ان يكون مهما نظرا الى طبيعة علاقاتنا الاقتصادية الراهنة ومن مصلحتنا المشتركة توجيهها في طريق التكثيف المتواصل) . واكد ان كل قطاعات الاقتصاد الجزائري ومنها المحروقات ستفتح امام الاستثمارات الاجنبية طالبا من الاتحاد الاوروبي (مراعاة الخصوصية الجزائرية) في عقد اتفاق شراكة مع الجزائر على مثال ذلك الموقع مع تونس والمغرب عامي 1995 و1996. واضاف (لا يوجد قطاع نرفض فيه الشركاء) في اشارة الى قطاع المحروقات الذي كان يعتبر حتى العام 1991- 1992 (قطاعا استراتيجيا) تتولى ادارته الشركة الرسمية (سوناتراك) . واعلن الرئيس الجزائري (قرب انجاز برنامج موسع لانفتاح الرساميل وخصخصة الشركات العامة الجزائرية) . باريس ـ شاكر نوري