تصر المخرجة اللبنانية رندة الشهال على ان فيلمها الجديد الذي يدور حول الحرب الاهلية اللبنانية (المتحضرون) لم يكن الهدف منه احداث الصدمة وانما ارادت فقط ان تذكر مواطنيها بذلك الجنون الجماعي الذي ادى بهم لقضاء 17 عاما وهم يقتلون بعضهم ويدمرون بلدهم. وبالتأكيد فقد ارادت المخرجة هذه ايضا ان تطلق بعضا من افكارها الخاصة.وتقول المخرجة الشهال المولودة في طرابلس في مقابلة اجريت في باريس حيث تعيش الآن مع زوجها وابنائها الثلاثة: (ان مما يغضبني ويثير اشمئزازي ان اسمع اللبنانيين وهم يقولون انهم لم يكونوا سوى ضحايا للحرب. الحرب نحن من اشعلها, ويجب الا نقوم بدور الابرياء انا اروي قصة فيلمي من خلال اناس من كل الطبقات والاديان كطريقة لاقول ان كل اللبنانيين مسئولون عن الحرب وما لم نتحمل ونقبل بمسئوليتنا عن كل رصاصة اطلقت فلن نصبح شيئا موحدا أبدا) . على كل حال فإن هذه فرضية لم يكن اللبنانيون قادرين علي النقاش حولها اذ عندما تقدمت صباغ بعملها للحصول على موافقة الداخلية اللبنانية العام الماضي قيل لها ان الفيلم سيعطي صورة سيئة عن البلاد في الخارج باعتبار انه يستخدم لغة فجة جدا كما انه يسىء للاسلام والمسيحية. وما كان من الرقابة العسكرية في الوزارة الا ان اقترحت اسقاطات تصل لخمسين دقيقة من زمن الفيلم البالغ 97 دقيقة. لكن المخرجة رفضت قبول هذه الاقتطاعات. وقد اختير فيلم (المتحضرون) ليعرض في حفل افتتاح مهرجان منظمة حقوق الانسان السينمائي مؤخرا على مسرح ولتر ريد في مركز لنكولن كما اختير ايضا ليعرض عدة مرات بعد ذلك. ايضا اختيرت المخرجة رندة الشهال (45 عاما) للفوز بجائزة نستور ألمندروس للشجاعة الاخراجية وهي الجائزة التي سميت باسم المصور السينمائي الكوبي الذي قاوم انتهكات حقوق الانسان في بلاده. وفيلم الشهال في حد ذاته ليس فيلما سياسيا فهو لا يناقش دعاوى الفئات المختلفة التي تورطت في الحرب ولا اتفاق الطائف عام 1991 لكن هدف الفيلم مع ذلك سياسي برسم الكراهية والحقد الذي كان وراء الحرب, حيث تأمل من وراء ذلك ان يتمكن مواطنوها من استخلاص نتائج تغير سلوكهم. ويدور (المتحضرون) حول قصة عشر شخصيات تقريبا دمرت الحرب حياتهم وغيرت مسارها وهؤلاء لا يتضمنون فقط مسيحيين ومسلمين بل ايضا سائقا خاصا يتعرض ابنه للاختطاف وامرأة ثرية تعود من فرنسا للالتقاء بحبيبها وفتاة مسيحية تربطها قصة حب بمقاتل مسلم واطفال يشجعون الكبار على اختطاف الاجانب للحصول على فدية. ويوضح الفيلم في بدايته تدني الحياة في بيروت الثمانينيات حيث تنفجر قنبلة بشابين وهما يحاولان ربطها على ظهر قطة. و(المتحضرون) .. في بيروت اثناء الفيلم هن الخادمات المصريات والسريلانكيات والفلبينيات اللاتي تركن للاعتناء بالبيوت التي غادرها اللبنانيون الى المنفى. ويصور متطوع فرنسي من منظمة اطباء بلا حدود على انه اجنبي متدخل غير مرغوب فيه. وتأتي معظم اعتراضات الرقابة اللبنانية على اللغة والمشاهد التي يعتقد انها تسيء للجماعات المختلفة وليس فقط على الايحاءات الصارخة وعلى مشاهد مثل ذلك الذي يتضمن اسقاط ميت في قبره. وبعد ان نشرت الرقابة قائمة الاقتطاعات المقترحة واجهت المخرجة ادانة في بعض مناطق بيروت بل انها وبعض العاملين معها تلقت تهديدات بالاعتداء عليهم كما وجدت ايضا ان معظم صحافة بيروت تقف ضدها! فيما قالت صحيفة (ديلي ستار) اللبنانية الناطقة بالانجليزية ان المخرجة: (يجب الا تتوقع من السلطات في بلدها الذي يضج بالمصاعب ان يعرض العامة الذين ما زالوا يتعافون من الحرب لهذه المشاهد التي تثير الصدمة وتلك الاساءات الفجة التي تشوب الفيلم) . اما شهال فتقول انه فقط بعد مشاهدة بعض الصحافيين لفيلمها على اشرطة الفيديو بدأ بعضهم بالدفاع عنها. كما اخذت تتفاوض مع بعض الزعامات اللبنانية ووافقت على تغطية اربعة مقاطع من الحوار بنغمات طنين. وهي تقول: (فعلت ذلك لانقذ الفيلم واحمي عائلتي ولان المحامين اخبروني بأن هناك قانونا في هذا الصدد في لبنان) مع ذلك فإن الفيلم الذي انتج بتمويل فرنسي لم يتم عرضه في فرنسا. وتقول المخرجة: (اعتقد ان هذا الفيلم جميل جدا اجمل من العديد من الافلام الامريكية كيف. انتج فيلما عن الحرب من دون اي صورة للعنف او الاهانات او الدم؟ كيف استطيع ان اصور فيلما عن الحياة من دون ان اصور الحياة؟ ام لانني امرأة يريدونني ان انتج شيئا مختلفا؟ لم احاول ان استفز احدا. كنت استطيع ان اصور فيلما اكثر استفزازا بكثير) . وبالتأكيد فيلم (المتحضرون) اقل عنفا مما حصل خلال الحرب الاهلية اللبنانية. ومن جانب آخر وفيما لبنان ليس اول بلد يختار فقدان الذاكرة ويفضلها على نقد الذات بعد الخروج من حرب اهلية فإن الجدل الذي ثار حول الفيلم انما هو انعكاس لهشاشة السلم الحالي وهو السلم الذي لم يجعل لبنان بعد دولة مستقلة وديمقراطية تماما. وبالنسبة للمخرجة رندة الشهال فإن الفيلم ايضا هو اشارة لها بأنها اصبحت اجنبية في بلدها اذ مع انها زارت لبنان مرارا للتصوير خلال الحرب الاهلية الا انها كانت تعيش اساسا في منزلها في باريس منذ قدمت اليها عام 1972 لدراسة السينما. ايضا فإن افلامها الثلاثة السابقة التي دارت حول قضايا شرق اوسطية لم تعرض الا في فرنسا والمهرجانات السينمائية. لكن ان كان عملها وعائلتها في فرنسا فإن قلبها لا يزال في لبنان, وهذا ما تقوله. وقبل ان تستقل طائرتها في نيويورك لحضور عرض فيلمها في نيويورك امضت اسبوعا في جنوب لبنان تصور ما شاهدته بعد الانسحاب الاسرائيلي. وهي تقول: (كنت ألاحق امرأة امضت عشر سنوات سجينة لدى جيش لبنان الجنوبي انا افكر في تصوير فيلم وثائقي عنها) . عن نيويورك تايمز