أدى أسلوب الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في إدارة أمور البلاد بمفرده إلى إثارة تساؤلات كثيرة عن حالته الصحية المعتلة والاثار المحتملة لوفاته بصورة مفاجئة على أوضاع سوريا على المستويين الاقليمي والدولي. وقد أبلغ دبلوماسي عربي وكالة الانباء الالمانية (د.ب.أ)، أن أجهزة الاستخبارات الغربية والاسرائيلية كانت ترغب في بذل كل جهد ممكن للحصول على معلومات حول صحة رجل سوريا القوي. فقد أشار الكاتب السياسي المصري البارز محمد حسنين هيكل في مقال نشر مؤخرا أن مسئولا أمريكيا التقى الاسد منذ سنوات قليلة مضت كان يضع حول معصمه جهازا يشبه الساعة تمكن بواسطته من قراءة نبض الاسد ومعرفة ضغطه دمه بمجرد أن تصافح معه. وذكرت صحيفة إسرائيلية قبل أشهر قليلة مضت أنه بتنسيق مع مسئولين في الاستخبارات الاردنية تم أخذ عينة من بول الزعيم السوري لتحليلها في المعامل الاسرائيلية, وذلك عندما شارك الاسد في جنازة ملك الاردن الراحل حسين في عمان في فبراير عام 1999. وكانت مثل هذه التقارير تقابل بالنفي من جانب وسائل الاعلام السورية الرسمية التي تتحدث جميعها بصوت واحد. ولكن كل الدلائل تشير إلى أن الاسد كان يعرف قبل أي شخص آخر أنه قد يموت في وقت قريب وسعى لتمهيد الطريق لنجله بشار البالغ من العمر 35 عاما لتولي السلطة من بعده. ويمثل الاسد جيلا من الحكام العرب الذين تولوا أمور بلادهم على مدى عقود ويحسون بأن عهدهم يقترب من نهايته. ففي المقام الاول كان هناك ملك الاردن حسين الذي حكم بلاده 47 عاما وأعقبه ملك المغرب الحسن الذي توفي منذ عام ثم أمير البحرين الراحل الشيخ عيسى بن سلمان. وقد أصبحت قضية تولي أبناء رؤساء الجمهوريات العرب مناصب آبائهم من الامور الشائعة في دول عربية رئيسية على الرغم من أن الدساتير تنص على أن نظام تلك الدول هو النظام الجمهوري. ويقول الخبراء في شئون سوريا ان الاسد الذي راعه وأحزنه موت نجله باسل في حادث سيارة في عام 1994 لم يفقد الامل في أن يخلفه ابنه بشار. وكان يبدو أن كل التحركات والتغييرات في القيادات الحاكمة في سوريا تهدف إلى تحقيق هذه الغاية. وعلى سبيل المثال فإن رفعت الاسد, الاخ القوي سابقا للرئيس السوري الراحل طرد من سوريا وأرغم على العيش بالمنفى. وذكرت التقارير أن رفعت حاول تولي حكم البلاد عندما تعرض الاسد لمشكلة صحية خطيرة في مطلع الثمانينيات. وقد فسرت الحملة الاخيرة ضد الفساد في سوريا على نفس المنوال. فقد زعم الدبلوماسي العربي الذي تحدث مع وكالة د.ب.أ بشرط عدم ذكر اسمه أن التقارير الاخيرة عن تهم الفساد الموجهة إلى رئيس أركان الجيش السوري السابق حكمت الشهابي ليست بالضرورة مرتبطة بممارساته المالية السيئة ولكنها تتصل بهدف الاسد إزاحة أي منافس لابنه في تولي الرئاسة. وحتى قبل وفاة الاسد المفاجئة كان البرلمان يناقش بالفعل تعديل الدستور لتقليل الحد الادني لاي مواطن سوري لتولي الرئاسة إلى 34 عاما بدلا من 40 عاما. وبشار لن يبلغ عامه الخامس والثلاثين قبل سبتمبر المقبل. كما أنه كان من المنتظر أن يتم خلال المؤتمر العام المقبل لحزب البعث الحاكم, وهو الاول منذ 15 عاما, ترشيح بشار لعضوية القيادة القطرية للحزب التي هي شرط لاي مرشح لتولي مناصب قيادية في سوريا. وليس من الواضح الان إذا كان المؤتمر العام لحزب البعث سوف يعقد أم لا. والاهم من ذلك, يقول الخبراء في الشئون السورية أن بشار قد أصبح بالفعل مسئولا عن العديد من الامور الهامة وخاصة العلاقات مع لبنان وعملية السلام في الشرق الاوسط. كما أن كبار المسئولين الذين زاروا سوريا في الاشهر الاخيرة لاجراء محادثات بشأن عملية السلام في الشرق الاوسط اجتمعوا مع بشار مثلما اجتمعوا مع وزير الخارجية فاروق الشرع, ولكن ليس بالضرورة مع الاسد نفسه. وقبل أن يتولى الاسد السلطة في عام 1970 كانت سوريا تخرج من انقلاب عسكري لتدخل في غيره. ورغم أن الاسد استطاع الحفاظ على استقرار البلاد بالاعتماد أساسا على أجهزة الامن والاستخبارات, فإن الزمن وحده هو الذي سيظهر إذا كان بشار سيستطيع الاقتداء بخطوات والده. د.ب.أ