حلت الذكرى السنوية الستين لاستسلام القوات البريطانية رسميا لالمانيا النازية يوم 4 يونيو الحالي. وشأن معظم الدول, تفضل بريطانيا عدم الاشارة للهزائم في كتب التاريخ. لكن حينما وقف الامير تشارلز ومخضرمو معركة دنكيرك في ذلك اليوم على شواطىء تلك البلدة, فإن التركيز سيكون بالتأكيد على نجاح الانسحاب الذي ضمن نصر الحلفاء. والنصر كثيرا من الاحيان يكون وليد الهزيمة. لكن الحقيقة التي ما زالت حبيسة اذهان اولئك الرجال المعمرين الذين وقفوا احتراما لارواح رفاقهم كانت اكثر قتامة. فما زالوا يتذكرون فوضى الهزيمة على ارض ابتلعتها النيران والفيضان, واصبحت طرقاتها عصية على المرور نتيجة الحفر التي صنعتها القذائف وسيول اللاجئين الهاربين. ويتذكر هؤلاء ما عانوه من انهاك وجوع وروائح الجثث التي اخذت بالتفسخ. ربما كان الاجتماع في دنكيرك اخر الاجتماعات الكبيرة لمخضرمي تلك المعركة, لأن الموت الذي هربوا منه هناك عام 1940 بدأ يطالهم الآن واحدا تلو الآخر. وما لم يتم العمل بسرعة فإن ذكرياتهم ستموت معهم. وقد يكون الوقت تأخر فعلا, لكن الجهود تبذل الآن لتسجيل هذا التاريخ الحي عن الحرب الثانية وحفظه للآتي من الاجيال. ويعمل مركز تجربة الحرب العالمية الثانية ومركزه مدينة ليرز البريطانية حاليا على انقاذ ما يمكن انقاذه من رسائل ومفكرات ومذكرات مسجلة لأولئك الجند الذين شاركوا في الصراع ضد جيوش هتلر. يقول بيتر ليدل مدير المركز (الموت والغبار يهدد تراثنا) وكان يقول قد بدأ يهتم بالموضوع حينما كان يعمل مدرسا اواخر الستينيات ولذلك بدأ بتجميع ارشيف خاص به عن الحرب العالمية الاولى الذي يوجد الآن في جامعة ليدز. ويريد الآن ان يجمع ارشيفا آخر عن الحرب العالمية الثانية. يقول: (هناك التزام اخلاقي وفرصة فكرية لدي يدفعانني لذلك) . ويحصل المركز الآن على مواد جديدة يوميا تقريبا والمركز يفكر الآن بطريقة حل المشكلة الآكبر ألا وهي التمويل. والموجودات حاليا مخزنة في قاعة واسعة وعلى الارض هناك صندوق من الخوذ الحربية واقنعة غاز وغير ذلك فيما الجدران مغطاة بالملفات ويروي احد الملفات قصة ديريك لانج الذي اصبح لاحقا برتبة جنرال ويحمل لقب سير, والذي كان بين اولئك الباقين في دنكيرك لتغطية انسحاب القوات البريطانية. وقبل 60 عاما من الآن كان لانج الى جانب شارل ديجول في ابيضيل يقاتل في معركة يائسة لوقف تقدم الغزاة الالمان. يقول لانج: (كنا التشكيل البريطاني الوحيد الباقي في فرنسا في ذلك الوقت. ويوم 4 يونيو بدأنا هجوما كبيرا. من كتيبتي لوحدها قتل 600 رجل وبعد ساعة ونصف فقط من القتال اصبحنا 250 لاغير. وفي شاتو حيث قيادة المعركة كان القتلى يتدفقون على البلدة وشاهدت فيها جثث اثنين من اعز اصدقائي. واصبح القتلى بعد ذلك اكواما. لكن منظر جثتي صديقي الاثنين هو الذي لا يغيب عن ذهني. (ثار كلام كثير بين الجند حول تضحية تشرتشل بفرقتنا لكن تشرتشل كان يحاول ان يبقي الفرنسيين يقاومون اعتقد اننا قمنا بالشيء الصحيح وهو الصمود الى جانب حلفائنا الفرنسيين كان بمقدورنا التراجع بسرعة الى لوهافر ونبعد عن طريق التقدم الالماني كما فعل الكثيرون في دنكيرك. لكننا لم نصل, بل بقينا معهم بين ستة الى ثمانية ايام حتى وصلنا الى سانت فاليري. وهناك حاصرتنا دبابات البانزر الالمانية بقيادة رمويل. وصلتنا بعد ذلك اوامر بالانسحاب الى البلدة بانتظار اخلائنا بحرا لكن الضباب الشديد منع البحرية من حملنا. سمعت بأن هناك اناسا يبتعدون عن البلدة باتجاه الشمال, تبعتهم لأجد نفسي عند جرف هائل على الشاطىء. كان الجنود البريطانيون يرمون بانفسهم من الجرف الى البحر. وبعضهم ارتطم بالصخور وقتل. بعد ذلك تمكنت من الصعود الى قارب ليس فيه سوى مدفع من طراز لويس. واخذت الدبابات الالمانية تقصف مركبنا حتى دفعته للجنوح في الرمال حينها اتي الالمان وأسرونا. لكن غيره من القوات الانجليزية وقعت في الاسر مبكرا وكانوا في طريقهم نحو المعتقلات يوم 3 يونيو. وكان جانر رينالد من بين اولئك الذين فشلوا في الوصول الى الشواطىء في الوقت المناسب. يقول جانر: (اتتنا اوامر بتدمير كل عتادنا والاسراع نحو دنكيرك. وصلنا هناك الساعة الرابعة بعد الظهر. وقال لنا ضباطنا ان على كل جندي ان يتدبر بمفرده امر الوصول الى ميناء كاليه كانت الفوضى عارمة في طاليه قرر حولاي 30 من ان يسبح في البحر نحو السفن الحربية التي كانت تقصف البلدة محاولة ايقاف تقدم الالمان نحونا. لكن الرشاشات الثقيلة هزمتنا واجبرتنا على الرجوع. والمحظوظون القلائل بيننا الذين نجوا اسرعوا الى اقرب ملجأ بانتظار قدوم الالمان. اسر الالمان حوالي 300 الى 400 رجل منا وبعد ان ساقونا مشيا لاربع ليال واربعة ايام وصلنا الى خط سكك الحديد حيث تنتظرنا 15 عربة لنقل المواشي. كومونا فيها حوالي 40 رجلا في كل عربة ومضى القطار بنا لعدة ايام. في الطريق كانت الاوصال قد خدرت نتيجة الاكتظاظ, فيما البعض كان يسقط حين ينفتح احد الابواب فجأة اذا ما كان احدهم يستند عليه ليجد نفس يتدحرج على الارض. احتاج الامر ثلاث ساعات بعد وصولنا حتى استطعنا ان نقف على اقدامنا. وسألنا الحارس اين نحن فقال في بولندا. وكانت آخر عملية اخلاء للقوات البريطانية من دنكيرك قد انتهت في الساعات الاولى من صباح 4 يونيو اي قبل وصول الالمان بساعات قليلة فقط. ومن بين اولئك الذين كانوا آخر من صعدوا على السفن البريطانية بوب بندلتوز من سلاح الاشارة والذي منح لاحقا وساما عسكريا. يقول: (كان هناك لاجئون في كل مكان حتى الخيول هربت واخذت ترمح في كل مكان بعد ان ارعبتها قذائف الطائرات الالمانية فيما تناثرت الجثث هنا وهناك بعد فترة اخذت الجثث تطلق روائح كريهة لكن لابد من الاعتياد على الامر. كانت مهمتي ايصال الرسائل البرقية من موقع يدعى بيرج اندلعت النيران في كل مكان حولنا ومعي 12 من رجالنا. استخدمت دراجة للوصول الى البلدة ووضعت منشفة على وجهي لأستطيع اتقاء دخان الحرائق فقدت 20 في المئة من وزني حينا عدت من فرنسا فلم يكن لدينا هناك شيء لنأكله كانت مهمتي ايصال الاوامر لست وحدات من القوات البريطانية بالانسحاب الى الشاطىء عثرت على خمس وحدات لكن السادسة لم اجدها. اخيرا انطلقت نحو الشاطىء وسبحت نحو احد الزوارق البريطانية كان الجند يتسلقون وكأنه يوم القيامة. سقطت الى البحر وانا اتسلق فعاد البحارة والتقطوني. كانت الطائرات الالمانية فوقنا تقصف السفن قلت في نفسي انها النهاية. لكن هل تعرفون ما فعلته الطائرات بعد ان ابعدنا عن الشاطىء كنت مستلقيا على ظهري اراقبها فهل تعرفون ما فعله الطيارون؟ لقد قدموا لنا التحية؟ قاموا ببضع لفات في الجو للتحية ثم طاروا بعيدا. عن فاينانشيال تايمز) ترجمة: جلال الخليل