رأى خبراء ومفكرون سياسيون عرب ان اجتماع وزراء خارجية دول اعلان دمشق الاخير بالقاهرة يشكل نقلة نوعية تمهد لمبادرة لاعادة العراق الى الصف العربي, وانهاء مأساة الحصار ومعاناة الشعب العراقي, رغم خلفية نشوء الاعلان كتجمع اقليمي عربي لمواجهة تداعيات الغزو العراقي للكويت الامر الذي شكل سابقة خطيرة في العلاقات العربية ـ العربية. واعتبر خبراء سياسيون عرب ان بقاء الاعلان والحفاظ على تماسكه في وجه ضغوط ومحاولات اجنبية لتذويبه يعد انجازاً رغم تواضع نتائجه الفعلية. الخبير السياسي الدكتور احمد يوسف احمد, مدير معهد الدراسات العربية, يرصد في البداية ان الاجتماعات الحالية لدول اعلان دمشق قد سجلت قضية الحصار ورفع المأساة الانسانية عن شعب العراق كأحد البنود الأساسية للاجتماع.. ورغم ان غالبية البلدان العربية تتخذ موقفاً انسانياً من قضية الحصار العراقي بصورة منفردة الا ان تأكيد دول اعلان دمشق على أهمية رفع الحصار عن العراق يعد مسألة هامة وفي العادة يقترن ذلك باشتراط التزام العراق بالقرارات الدولية لكن الاتجاه الغالب هذه المرة ان هناك من بعض الدول الخليجية وبصفة خاصة الامارات العربية المتحدة جهوداً حقيقية في اطار رفع الحصار عن العراق. ورغم تفاؤله بهذا الا ان الدكتور احمد يوسف يرى ان تجمع اعلان دمشق كان بلا فاعلية كبيرة خلال السنوات الماضية فمنذ اليوم الاول الذي تم الاعلان عنه (في مارس 1991) كانت هناك آمال كبيرة لقيام صيغة للأمن العربي الا انه سرعان ما تم تعديلها ولم تعد تصلح لحماية الامن العربي ودخل هذا التجمع الوليد منذ نشأته بمرحلة جمود سياسي طويلة.. واقتصر وجوده على سلسلة اجتماعات غير دورية تصدر بعض التوصيات التي نادرا ما تدخل حيز التنفيذ. ويضيف مدير معهد الدراسات العربية ان المشكلة الدائمة هي ان دول اعلان دمشق قد ارتبطت لدينا بسلسلة اجتماعات غير منتظمة وبنتائج محدودة على الصعيد العملي.. وفي وقت مهد فيه الاعلان عام 1991 لحلم عربي كبير كانت نهايته الى تنسيقات محدودة بين الدول الثماني ومن هنا تبدو الشكوك دائماً محيطة بما يمكن ان يحققه هذا التجمع العربي في اي مرحلة من المراحل وحتى حين نتكلم عن أجندة اجتماعات القاهرة بما تضمنته من دعم للمفاوض السوري والتأكيد على مساندة سوريا في مسيرة التسوية الى جانب ما تضمنه الاجتماع من تطورات على صعيد القضية العراقية فإننا نتحدث عن امنيات نتطلع الى ان تتحقق لأنه اذا خاب ظن الشارع العربي في تفعيل قرارات هذه الاجتماعات فسوف يكون هذا التجمع مجرد حبر على ورق. وجهة نظر اخرى يطرحها الخبير الاستراتيجي اللواء اركان حرب نبيل فؤاد.. حيث يرى ان احد المشاكل الكبرى التي واجهت دول اعلان دمشق انه خضع لمقاومة عنيفة من دول كثيرة على مستوى العالم وعلى رأس تلك القوى التي قاومت تأسيس هذا التجمع تأتي الولايات المتحدة الامريكية التي ادركت ان هذا الاعلان لا يخدم مصالحها لأسباب عديدة أهمها ان يكون اعتماد العرب على قوتهم وليس على قوة الآخرين وبالتالي تعددت المؤامرات والحيل لتعطيل هذا الاعلان.. ومارست الولايات المتحدة الامريكية كل ألاعيبها السياسية لتقويض اي فاعلية لدول الاعلان وكانت دول الاعلان حريصة على مقاومة هذه المؤامرات واتخذت العديد منها مواقف ايجابية فيما يتعلق بقضية العراق التي كانت واشنطن حريصة ألا يتغير الموقف العربي منها ونجحت دولة الامارات العربية المتحدة ان تكون في مقدمة الدول التي تكسر هذا الجمود وتتحرك بفاعلية تجاه العراق تقديراً للمصالح الاستراتيجية العربية وبرؤية بعيدة المدى تؤكد على ضرورة التعاون العربي العربي واستعادة العراق الى الحظيرة العربية. أما الدكتور حسن ابو طالب خبير الشئون العربية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الاهرام فيرى ان ما واجه تجمع اعلان دمشق من مشكلات وعثرات وبيات شتوي احياناً لا يختلف كثيراً عن سائر المنظمات العربية مثل جامعة الدول العربية او مجلس التعاون المغاربي. ويضيف ابو طالب ان الظروف الحالية التي تواجهها المنطقة تشهد احتياجاً ملحاً لاحياء صيغة اعلان دمشق فهناك اشكاليات متعددة على صعيد الأمن الخليجي ودور متنام لايران وغيرة عراقية واضحة قد تدفعها لممارسات غير محسوبة هذا بالاضافة لدور القوات الامريكية التقليدية منذ غزو الكويت, ومن هنا فإن البحث عن منظومة عربية للأمن المشترك يبدو ملحاً وطالما كان اعلان دمشق هو الصيغة الأمثل فإن احياءه يعد مسألة ضرورية. بالاضافة الى كل ما يمكن قوله عن ضرورة مضاعفة التنسيق المشترك بين دول الخليج وبصفة خاصة المملكة العربية السعودية والامارات جنباً الى جنب مع مصر وسوريا في محاولة لصياغة رؤية عربية مشتركة لمرحلة ما بعد التسوية السلمية وما يمكن ان تحمله هذه المرحلة من مخاطر وتحديات فالاعلان لا يتضمن جوانب عسكرية وسياسية فقط ولكنه يتضمن ايضاً رؤى للتعاون الاقتصادي الموسع يجب استغلالها بما يخدم المصلحة العربية. ويرفض الدكتور السيد عليوة استاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان كل حديث عن اي نوع من التشاؤم فيما يتعلق بوضع دول الاعلان اذ يشير ان الدول الثماني كانت تتمتع بذكاء كبير فيما يتعلق بادارة وضع هذا التجمع في ظل ظروف وحساسيات الوضع في الخليج العربي.. وفي ظل التداعيات السوداء التي خلقها الغزو العراقي للكويت وهذه البلدان نجحت رغم كل ما احيط بها في ان تحتفظ بتماسكها, وبقاء تجمع اعلان دمشق طوال هذه الفترة رغم الاختلافات النسبية بين دوله ورغم التوجهات المعارضة لبعض بلدان الخليج فيما يتعلق بتصورات امن المنطقة يعد انجازاً في حد ذاته بصرف النظر عما تحقق فعلاً لأن كثيراً من التحولات تستلزم وقتاً كبيراً وتحتاج لظروف تاريخية لاطلاقها وبقاء التجمع حتى الآن واجتماعاته المنتظمة يعد انتصاراً لارادة دول المجموعة وتأكيداً لحرصها على أهمية التعاون العربي العربي المشترك وتأكيداً على حرص كل دولة من دول الاعلان على اهمية التعاون والتنسيق مع بقية المجموعة فيما يحقق تصورات الامن والدفاع المشترك لمنطقة الخليج. ويضيف السيد عليوة ان التقديرات الاقرب للصحة ان التطورات التي تشهدها مسيرة التسوية والتطورات التي تشهدها ترتيبات الامن الاقليمي في الخليج وافتراض وجود صراع بين ايران والعراق ومن ورائهما الولايات المتحدة الامريكية يفرض ان يكون هناك تصور خليجي خلاق يفرض الارادة العربية على هذه المنظومة. القاهرة ـ مكتب البيان