وسط تحذيرات متنامية من تجدد الفتنة الطائفية غرد رئيس (حزب الوطنيين الأحرار) اللبناني دوري شمعون خارج سرب الاجماع الوطني بمطالبته بالعفو عن عملاء ميليشيا انطوان لحد وحتى نزع صفة العمالة عنهم محذرا من ان ما يجري حسب قوله من تهجير لقرى الجنوب اللبناني المسيحية يستهدف توطين اللاجئين الفلسطينيين فيها. ويؤكد شمعون لـ (البيان) انه جرى ابلاغ كبار المسئولين بذلك التحذير, لكنه يسوق الامور على طريقة (محامي الشيطان) بدفاعه عن العملاء والمتعاملين, معتبرا ان ما قاموا به كان بحكم الامر الواقع. يقول شمعون: (في الحقيقة لم يتخل ابناء المنطقة التي كانت تحتلها اسرائيل عن الوطن أو تنكروا له, ولم تكن ثمة حركة انفصالية, عقائدية أو اقليمية, تهدف الى شطر الوطن وتقطيع اوصاله. جل ما في الأمر ان تقصير الدولة وغيابها اديا الى خروق وارتكابات وتجاوزات, لا تعد ولا تحصى, قامت بها جماعات فلسطينية مسلحة, متعددة المشرب والغاية والارتباط حتى باتت مساحات شاسعة من أرض الجنوب تعرف بـ (أرض فتح) (فتح لاند), مما أعطى اسرائيل ذريعة لاجتياح الجنوب, واحتلال قسم منه, بحيث لم يعد امام الاهالي الا خيار الانكفاء في قراهم لتفادي التعرض للقتل والخطف والاذلال) . * لكن ذلك الواقع كان أمرا قاهرا للدولة اللبنانية, وطارئا عليها, فهل يمكن للقيادات المسيحية ان تقول لها ألا تحاكم العملاء وفق القوانين شرعية الاجراء؟ ـ الأمر مختلف عن هذا الطرح. فالدولة كانت تدرك الامور ايام الاحتلال. وهذا الواقع يعرضه الرأي العام اللبناني بمختلف شرائحه وهيئاته. لكن سأكتفي في (البيان) بالاشارة الى تعاطي القيادة العسكرية الشرعية المتفهم مع ذلك الواقع, بدليل عدم تنكرها للعسكريين المحاصرين في منطقتهم, وبالتالي عدم توقفها عن دفع رواتبهم لفترة زمنية طويلة. اننا نرمي من وراء التذكير بهذه الحقيقة الدعوة الى الكف عن اطلاق التهم ضد اهالي المناطق التي تحررت مؤخرا من الاحتلال الاسرائيلي وإلقاء صفة العمالة بهم, وتعميمها في شكل غير موضوعي, الأمر الذي يثير أكثر من علامة استفهام. وفي هذا المجال, فإنه لا يجوز ان تنسحب صفة العمالة على كل من تعايش وتعاطى مع امر واقع, فهل ننسى ان بعض الذين تعاملوا مع الأمر الواقع الاسرائيلي عام 1982, ولهم صور تجمعهم مع مسئولين اسرائيليين, يحتلون في الوقت الحاضر, مواقع مهمة, ولا أحد يعيب عليهم ذلك في الدولة. لذلك, فإننا نتساءل: ماذا حل بالأهالي الذين لولا صمودهم في ارضهم لكانت اسرائيل احتلتها وضمتها, كما حصل بالجولان السوري, وجعلت مهمة المقاومة شبة مستحيلة, ناهيك بالانعكاسات السلبية الحتمية على لبنان صيغة ووجودا. * لكن لماذا رحل اهالي العملاء معهم بشكل جماعي بعد التحرير الى اسرائيل؟ ألا يشكل ذلك بنظر القيادات السياسية والروحية المسيحية اتهاما مباشرا بالعمالة, اذ ان القانون اللبناني يحاكم من يدخل الى اسرائيل من دون اذن مسبق من قبل السلطات اللبنانية الشرعية؟ ـ لماذا لا نكون صريحين ايضا, فنقول ان غالبية النازحين من المسيحيين اللبنانيين رحلوا خوفا من الارتباكات والاعتداءات التي كانت بعض الخطب (يقصد خطابات ألقاها أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله, قبل الانسحاب وهدد فيها العملاء باقتحام غرف نومهم لقتلهم), قد لوحت بها, بحيث تراوح عدد النازحين ما بين 6500 وسبعة آلاف مواطن لبناني لجأوا الى اسرائيل. ثمة نقطة جديرة بالاهتمام وهي تتعلق بحال الفوضى التي رافقت التحرير, وأعقبته, وقد ادت بدورها الى جملة تجاوزات واعتداءات راح ضحيتها مثلا جرس مخايل الحاج الذي قتل في بلدة رميش, والذي ينتظر اهله ومحبوه العدالة لتقول كلمتها, هذا اضافة الى حاجة السرقات التي استهدفت عددا كبيرا من المنازل والممتلكات. * كيف تقرأ النزوح الجماعي من القرى التي كانت تحت الاحتلال باتجاه اسرائيل؟ ـ اقرأه لبنانيا ومسيحيا, وسأعطيكم نماذج خطيرة تعني تفريغ القرى من أهاليها المسيحيين. اذن نحن أمام حالتين من تفريغ قرى الجنوب, الأولى قديمة, والثانية حصلت من قبل المسيحيين قبل اسابيع قليلة, فهل سيكون ذلك التفريغ لصالح مشروع يحاك في الخفاء لتوطين الفلسطينيين في لبنان؟ هذا السؤال ليس وجهة نظر, بل ناتج عن معلومات خطيرة لم تدركها الدولة اللبنانية تماما حتى الآن, لأن كل همها محاكمة العملاء كما تقول. أي عملاء؟ هل يمكن ان يكون شعب بكامله عميلا؟ * على هذا الاساس تطلب عفوا عن العملاء والمتعاملين وعدم محاكمتهم؟ أي تحت (معلومة) توطين الفلسطينيين تريد تبرئة هؤلاء؟ ـ ألا يؤدي هذا التساؤل الى واقع آخر يعرفه الجميع؟ فقد سبق ان تعامل لبنانيون مع الفلسطينيين ضد الدولة, وثمة من تعامل مع السوريين عندما كانوا يقصفون مناطق آهلة. وصدر عفو عنهم, وشمل هذا العفو من لهم (أمجاد في التفظيع) وأصبحوا في الحكم ـ فلماذا لا نطبق هذا العفو على الجميع؟ ان ابن الجنوب وقع تحت الاحتلال واضطر الى القيام ببعض الاعمال قسرا وقهرا.